شهدت السنوات الخمس الأخيرة تنافساً قوياً بين صناع الدراما في مصر وسوريا، إذ لم يكن من السهل على أهل الصنعة الأقدم في مصر، تقبل الوافد السوري الجديد، الذي تميز بانتشاره السريع والواسع(عربياً)، بمقابل تراجع الإنتاجات الدرامية المصرية نسبياً، لسبب رئيس هو تكرارها واجترارها قصصاً وسيناريوهات أساليب فنية ضجر منها المشاهد العربي، الذي وجد في الدراما السورية ضالة أشبعت نهماً إلى جديد، اثبت انه مرتفع المستويات التقنية والفنية في عرض القصص وإعداد السيناريو والتصوير بكاميرا واحدة، بما تضفيه من حيوية على الكادرات المشغولة بين العدسة والمنتجة المميزة المحترفة.
وقد كتب الكثير عن هاتين «الدرامتين» والفروقات بينهما، وأحياناً بدت الكتابات شوفينية غرائزية، تدافع بـ «منطق» الانتماء لهذه القبيلة أو تلك، في مقابل كتابات قليلة موضوعية وتحليلية تقوم على منحى نقدي علمي مجرد من ضغائن والتزام عاطفي، دعت بخلاصاتها إلى انتاجات عربية مشتركة وجدت من يعارضها، كما حدث أخيراً مع مسلسل «حدائق الشيطان» من إنتاج شركة الجابري الكويتية وإخراج المصري إسماعيل عبد الحافظ، وبطولة السوري جمال سليمان وسيناريو محمد صفاء عامر، الذي اقتبس الأحداث عن قصة حقيقية لتاجر مخدرات لقب بالإمبراطور يدعى عزت حنفي، ألقي القبض عليه من قبل السلطات المصرية، التي نفذت فيه حكم الإعدام منذ فترة وجيزة.
وأضاف الكاتب محمد صفاء عامر على اقتباسه سيناريو «حدائق الشيطان» أبعاداً درامية، بعضها مطلوب وبعضها الآخر حشر وبدا فانتازياً، مثل فكرة الغولة الساكنة في الجبل، والتي يستخدمها الرجل المتسلط «مندور أبو الذهب» لإخافة أهل القرية التي يسيطر عليها، فإن كانت «الغولة»رمزاً، فهي لم تؤد دورها، إلا إذا كانت طلسماً سينفك في آخر حلقات المسلسل، الذي لم يأت بجديد في موضوعه أصلاً،
فالقصة مستعادة ومكررة عشرات المرات في مسلسلات مصرية عديدة، دارت حول قصص المتسلط في قرى صعيد مصر، وأشكال وألوان ظلمه للفلاحين والفقراء وارتكابه للجرائم، ما يدفع بأحدهم لمواجهته، وغالبا ما يكون رجلاً، خلافاً لما هو قائم هنا، حيث تتصدر المواجهة أنثى متعلمة وابنة لعائلة ثرية، تدعى قمر هنداوي (الممثلة سمية الخشاب)، تسعى للانتقام والثأر من أبو الدهب (الممثل جمال سليمان)، الذي قتل شقيقها غير المنصاع لأوامره، فتقع شخصية قمر في تناقض غريب، فهي مثقفة من جهة، وتتصرف بشكل أمي.
من جهة أخرى، مع أن شخصيتها غير مركبة، إذا كان الكاتب قد تعمد إظهار صراع الفرد بين الطبع الموروث والتطبع المكتسب، إضافة إلى أن أداء سمية الخشاب بدا متكلفاً، وفي تداعيه بارداً لا يقنع، ويذكر بأدوارها في السينما، من خلال أكثر من فيلم فشلت فيه الخشاب لأنها تعرقل ذاتها بذاتها، في تصوراتها الخاصة لأداء أي شخصية تلعبها، فلا تحتاج إلى من يعرقلها، ولا أعتقد أنها من نوع الممثلات اللاتي ينصتن إلى توجيهات المخرج الذي من المفترض أن يكون مدير العمل الفني برمته، أأعجب ذلك الممثل أو الممثلة أو لم يعجبهما.
أنتشر خبر إتقان جمال سليمان اللهجة الصعيدية المصرية بإعجاب كبير من مرائين، كادوا أن يقنعوننا بأن هذه اللهجة هبطت من على سطح القمر، وأول من تعلمها سليمان. وتناسوا أن اللهجات وإتقانها جزء أساسي من أدوات أي ممثل قليل الاجتهاد. وغاب عنهم أيضا تقييم ما قدمه هذا الممثل من أداء عادي، ولم يضف أي شيء من عنده على الدور، سوى أنه تقاضى أجرا مرتفعاً(أكثر من 250 ألف دولار أميركي)، في خطوة سخية من المنتج، الذي على ما يبدو أراد التعويض عن ضعف قصة «حدائق الشيطان» بحشد أسماء من النجوم ترفع العمل من فخ النمط المكرر.
المخرج إسماعيل عبد الحافظ، بلا ريب من كبار مخرجي الدراما المصرية، وتميز بإدارة حركة التصوير السريع مع زوايا لقطات صارمة في أكاديميتها وكادرات «نظيفة»، كان يمكنه أن يحلق أكثر في «حدائق الشيطان» لو ساعده السيناريو، كما فعل بإخراجه أفضل أعمال الدراما المصرية «ليالي الحلمية»، عن سيناريو للكاتب أسامة أنور عكاشة، المسلسل شاهده وتابعه الملايين في العالم العربي؛ لكن أين «حدائق الشيطان» من مستوى عمل عبد الحافظ وعكاشة.
«شوفينية» غير مبررة
الغريب أن «حدائق الشيطان» استبعدته لجنة اختيارات المسلسلات عن العروض في التلفزيون المصري بسبب جمال سليمان السوري، في موقف اقل ما يقال فيه انه قبيح، وقاتل لأخلاقيات الفن، الذي ذهب فيه البعض إلى الحضيض من دون خجل، بمساهمة بعض الكتاب والنقاد، الذين اثبتوا من خلال وضاعة أفكارهم التأكيد أن العرب الذين فشلوا في صناعة سياسات مشتركة ناجحة، أو اتفاقيات اقتصادية يستفيد منها الجميع، لا تستطيع نخبهم الثقافية أيضا أن تتشارك في عمل فني يمكن أن يؤسس نجاحه لتشاركات في شؤون أخرى يحبذها كل الجمهور العربي ، الذي على ما يبدو أرقى كثيراً بوعيه وحسه البريء البسيط من مثقفيه ونخبه
دبي ـ حسين قطايا: