قال محللون إن نهضة الاقتصاد اللبناني الذي يعاني مصاعب جدية منذ نهاية التسعينات تعتمد بشكل أساسي على إنجاح الجهود الخاصة بجذب رؤوس الأموال الأجنبية. وكان يتوقع أن تصبح هذه السنة أفضل سنة بالنسبة للبنان فيما يزيد على عقد من الزمن، كما كانت الصادرات قد ارتفعت بمعدل تجاوز الـ 100 في المائة في العام 2005.
وأكدوا أن قيمة الاستثمارات المباشرة خلال الأشهر الماضية بلغت ملياري دولار، وكان النمو قد بدأ بالنهوض، حيث سجل 6% خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري مقابل 2% فقط خلال العام الذي سبقه. كذلك، سجل ميزان المدفوعات فائضا تاريخيا قيمته 8 ,1 مليار دولار في النصف الأول من هذا العام، فيما يعود أفضل فائض في ميزان المدفوعات إلى العام .
1993 حيث بلغ حينها 3 ,1 مليار دولار. وكانت الاستثمارات في القطاعين العقاري والمصرفي خاصة بلغت ثلاثة مليارات دولار في الأشهر الستة الأولى من العام 2006. هذا، وكانت مشاريع عقارية بقيمة 5 ,3 مليارات دولار في بيروت وضواحيها قد ألغيت.
وعلى الرغم من هذا الوضع الصعب، يمكن القول إن انتعاش الاقتصاد اللبناني قد ينطلق من قطاع البناء مع تخصيص مبالغ كبيرة لإعادة إعمار المساكن والبنى التحتية.
وكان سوق العقارات في لبنان، والذي يكاد تمويله ينحصر في المستثمرين الخليجيين والمغتربين من اللبنانيين، يعتبر من بين أكثر الاستثمارات في البلاد أمنا وربحا. ودفع هذا الواقع إلى تنشيط أعمال البناء إلى حد أن أصبحت جزءا مزدهرا من الاقتصاد اللبناني، يساهم بنسبة 4 ,4 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي في العام 1973.
وزاد من زخم هذا القطاع في فترة ما بعد الحرب الأهلية الخراب الشديد الذي حل بالمناطق المدنية إبان الحرب وما تلاها من مطالب إعادة الإعمار. وتمخض ذلك عن ازدهار الاستثمار في سوق العقارات الحقيقية، ورفع مساهمة هذا القطاع إلى نسبة 10 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي.
وفي فترة قريبة ماضية، ركن متعهدو البناء إلى الافتراضات التي شاعت إبان فترة النشاط الاقتصادي للسبعينات، موجهين كثيرا من الاستثمارات نحو العقارات المكلفة. وأدى ذلك إلى حصول تخمة في سوق العقارات متمثلة بوجود ما قيمته نحو ثمانية مليارات دولار من الشقق والمكاتب الخالية في السوق في العام 1997، والتي ساهمت إلى جانب الاستثمار في سندات الخزينة في إهدار التمويلات وعدم استثمارها في قطاعات الاقتصاد المنتجة.
كما ساهمت تلك التخمة في إبطاء وتيرة أعمال الإعمار، لتنخفض مساحة المنطقة المغطاة بتراخيص التعمير من 33 مليون متر مكعب عام 1995 إلى أقل من 9 ملايين عام 1999، رغم أن حوالي 40 بالمائة من تراخيص عام 1995 كانت قد أصدرت لوحدات كانت مشيدة.
أما اليوم، وبالنسبة الى البنية التحتية التي دمرت وقدرت الحكومة أضرارها بـ 6 ,3 مليارات دولار، فمن المفترض الحصول على أموال اعادة بنائها من المنح لأن لا جدوى من الاستدانة الإضافية نظراً الى ارتفاع حجم دين لبنان.
وهناك تراجع مداخيل الدولة، ما يرجح أن يزيد العجز المرتقب لهذه السنة على مليار دولار، بحسب ما ورد في بيان لوزير المال». لذا لابد من وجود حاجة تمويلية على ثلاثة صعد: القطاع الخاص وإعادة الاعمار والمنح التي يمكن الدولة ان تستعملها لخزينتها لتعويض المداخيل التي خسرتها، وزيادة النفقات التي سببتها الحرب».
وكان مجلس الإنماء والإعمار في لبنان قد قدر كلفة إعادة إعمار التدمير الذي حل بالبنى التحتية (طرقات، جسور، شبكة كهرباء) ب 1 ,1 مليار دولار. وأكدت نقابة المهندسين إن إعادة إعمار أربعة ملايين وأربعمائة ألف متر مربع من الأبنية المدمرة في جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية ومنطقتي بعلبك الهرمل تقدر بنحو 4 ,2 مليار دولار.
وعن وسائل جذب الرساميل مجدداً الى لبنان، فقد أكد رياض سلامة، حاكم مصرف لبنان المركزي أن البلد «يستقطب رساميل»، مشيراً الى أن «جزءاً منها يأتي من طريق الودائع المصرفية التي توقف تدفقها خلال الحرب، واستؤنف بعد وقف إطلاق النار»، لافتاً الى «بدء حركة التدفقات المالية الى المصارف اللبنانية» .
وأوضح أن هذه الحركة هي التي «أبقت على الفائض في ميزان المدفوعات في حدود 600 مليون دولار حتى نهاية أغسطس 2006، كما نشأت خلال السنة استثمارات مباشرة معظمها في القطاع العقاري، ولكنها وصلت الى ما قيمته ملياري دولار». وأكد أن «لبنان سيكون مستهدفاً كمكان للاستثمار مستفيداً من الفورة المالية الناتجة من ارتفاع أسعار النفط، في ضوء الحلول التي ستظهر بعد الحرب ونتيجة الأوضاع السياسية الداخلية ومعالجة الأمور المالية».
في ظل هذا كله، فقد أظهر تقرير اقتصادي عن الفصل الثاني من العام الجاري 2006 ان قطاع البناء والعقارات كان أفضل القطاعات أداء، وسجلت الرساميل الوافدة زيادة كبيرة بلغت نسبتها 171 في المئة بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام 2005.
وكان قطاع البناء والعقارات من أحسن قطاعات الاقتصاد اللبناني أداء. وقد شملت رخص البناء 9 ,5 ملايين متر مربع في النصف الأول من العام 2006، بزيادة نسبتها 62 في المئة مقارنة مع الفترة ذاتها من العام .
