مع إشراقه يوم الثلاثين من أكتوبر الجاري، ستتجه الأنظار إلى شاشة التداول في بورصة دبي للذهب والسلع لترقب مولد عقود زيت الوقود الآجلة والتي تعتبر أول منتج يتعلق بمنتجات الطاقة ليس في تاريخ الدولة فحسب، وإنما في تاريخ منطقة الشرق الأوسط ككل.

وتمثل هذه العقود التي تحمل اسم «عقود نفط الفجيرة» مجرد بداية لسلسلة من العقود الآجلة التي تتناول منتجات الطاقة،والتي تبشر بتألق مكانة الدولة كمركز لتسعير منتجات الطاقة، وتعزيز موقعها كمركز للتجارة والسياحة، إذ أن سعر الوقود والشحن ينعكس على سعر السلع التي تشحن من دولة الإمارات وإليها.وجاء تحديد توقيت ميلاد هذا المولود، بعدما ضمن مركز دبي للسلع المتعددة وبورصة دبي للذهب والسلع توافر كافة المقومات التي تكفل نجاح هذا النوع من التعاملات الآجلة، سواء من ناحية توافر سوق قوي للمتاجرة المادية في زيت الوقود، أو من ناحية تأييد اللاعبين الرئيسيين في أسواق زيت الوقود إطلاق مثل هذه العقود.

نظرا للفوائد الجمة التي ستعود عليهم من جراء وجود سوق للتعاملات الآجلة، أو من ناحية تلبية هذه العقود الاحتياجات الفعلية للسوق على صعيد القضاء على حالة التشويش والاضطراب في تحديد أسعار الوقود البحري، نظرا لغياب وجود مؤشر مرجعي محل ثقة ومصداقية لتحديد الأسعار.

عقود نفط الفجيرة

وقد أعلنت بورصة دبي للذهب والسلع في أغسطس الماضي أنها سوف تبدأ في تداول عقود آجلة لنفط الفجيرة ذي التركيبة الكبريتية العالية «380 شس» اعتباراً من 30 أكتوبر 2006. ويعد ذلك إنجازاً جديداً لبورصة دبي للذهب والسلع كونه يمثل سادس منتج يضاف إلى قائمة المنتجات الأخرى التي يتم تداولها في البورصة.

حيث استهلّت البورصة عمليات التداول بعقود الذهب الآجلة عند افتتاحها في شهر نوفمبر من العام 2005. وبعد فترة قصيرة من ذلك التاريخ، بدأت بورصة دبي للذهب والسلع بتداول عقود الفضة الآجلة في شهر مارس 2006 وتبع ذلك طرح التداول بنظام سعر الصرف المزدوج لثلاث عملات رئيسية وهي اليورو/الدولار والجنيه الإسترليني/الدولار والين الياباني/الدولار.

وجاء الإعلان عن إدراج عقود نفط الفجيرة للتداول في بورصة دبي للذهب والسلع، خلال ندوة عمل خاصة أقيمت في سنغافورة عشية انعقاد مؤتمر «آبيك 2006» الذي يعد اكبر حدث وتجمع سنوي لممثلي قطاع الغاز والنفط في منطقة الشرق الأدنى.

وقدم كولن جريفيث، رئيس مجلس الإدارة لبورصة دبي للذهب والسلع وتيلاك دوشي، المدير التنفيذي لمركز دبي للسلع المتعددة شرحاً تفصيلياً لمواصفات ومعايير تداول العقود النفطية في بورصة دبي للذهب والسلع وعن آلية تسليم العقود للشركات في أسواق الطاقة. وتم الانتهاء من وضع المواصفات الخاصة بالمنتج النفطي بالتشاور والتنسيق مع الشركات العاملة في القطاع النفطي.

وسيتم البدء بتداول عقود نفط الفجيرة ذي التركيبة الكبريتية العالية في بورصة دبي للذهب والسلع بنظام «ستة أشهر آجلة» وأول عقد آجل سيتم تداوله سيكون لشهر ديسمبر 2006. كما سيتم تداول عقود نفط الفجيرة بمعايير قياسية محددة هي 100 طن متري لـ 5 4.% من المادة الكبريتية و«380 شس» لمادة الوقود.

سوق للمتاجرة المادية في الوقود

وتتوافر الكثير من المقومات التي تكفل نجاح هذه العقود، ويبرز في صدارتها، توافر سوق عال للمتاجرة المادية على زيت وقود السفن في الفجيرة، حيث تشكل أعمال تزويد السفن بالوقود 80% من استهلاك الوقود في الإمارات. كما أن ميناء الفجيرة من أضخم الموانئ العالمية لتزويد السفن بالوقود حيث يقوم الميناء بتزويد ما يقارب 12 مليون طن متري من الوقود للسفن سنوياً.

كما يعزز من فرص نجاح هذه العقود، امتلاك دبي البنية التحتية التقنية والقانونية للبورصات، بعد إطلاقها بورصة للمال وأخرى للذهب وثالثة للسلع ورابعة للألماس، وتستعد الآن لإطلاق بورصة للعقود الآجلة للنفط الخام.

وتنبع أهمية طرح عقود نفط الفجيرة لعمليات التداول الآجلة في توفير ثبات وتحكم في أسعار هذه المادة الحيوية بالمنطقة، إذ ستسهم هذه العقود في خلق آلية تسعير لمنتجات الشرق المكررة تتسم بالشفافية لمنتجات الشرق الأوسط المكررة، وتعبر في الوقت ذاته عن أوضاع السوق في الشرق الأوسط، عوضا عن الاعتماد على سنغافورة ووكالات التقويم الدولية.

ويتوقع المحللون أن تسهم عقود الفجيرة الآجلة في حل مشكلة تعاني منها أسواق زيت الوقود، وهي غياب مؤشر مرجعي في تحديد الأسعار، وتلقي هذه المشكلة بظلالها القاتمة على إدارة التجار لاحتياجاتهم من الوقود البحري على نحو كفؤ وعادل وشفاف.

فعلي سبيل المثال، يعتمد التجار في سوق الوقود البحري في الفجيرة على العديد من المؤشرات المرجعية في إبرامهم العقود والصفقات، إذ يعتمد البعض منهم على مؤشر مؤسسة بلاتس لمنطقة البحر المتوسط، فيما يعتمد آخرون على مؤشر بلاتس لسنغافورة، بينما يعتمد فريق ثالث على المؤشر المرجعي لمؤسسة بلاتس الخاص بالخليج، في حين يعتمد فريق رابع على مزيج من هذه المؤشرات.

أكثر من ذلك،وفي رأي بعض المحللين، يعتمد تسعير الوقود البحري في سنغافورة على تقييمات تفتقر للشفافية، حيث تضاف رسوم الشحن إلى تكلفة الوقود بعدما يتم تزويد السفن به، وهو ما يجعل من الصعوبة على الشركات وضع ميزانية لتكلفة الوقود. وبالتالي يكون في غير وسعها التخطيط لقيمة تدفقاتها المالية المرصودة للوقود، علاوة على أن عقود الوقود الآجلة تعطي شركات التكرير المزيد من الحافز للحفاظ على النفط الخام المحلي في المنطقة للمعالجة والتكرير.

وبالتالي، يستند النجاح المنتظر لعقود الفجيرة الآجلة لزيت الوقود على حقيقية أن هذه العقود تسد فجوة رئيسية في أسواق زيت الوقود، وتلبي حاجة رئيسية للسوق، وتعين التجارة على إدارة المخاطر والتحوط ضد تقلبات الأسعار، فضلا عن تمكينهم من التخطيط الناجع لاحتياجاتهم المستقبلية، وذلك في ظل تقلبات أسعار الشحن.

وعبر احمد بن سليم مدير العمليات في مركز دبي للسلع المتعددة عن هذه المشكلة بقوله ان تداول أسعار الشحن سينهي تحكم من يجلسون خلف مكاتبهم في نيويورك بأسعار الشحن البحري عن أمله بأن تسد تعاملات أسعار الشحن في بورصة دبي للذهب والسلع فجوة هائلة في هذا القطاع.

وأضاف أن العاملين في قطاع الشحن ووقود السفن سيكونون في غاية السعادة بهذا المنتج الجديد. الوحيدون الذين سينزعجون هم الجالسون وراء مكاتبهم في نيويورك الذين يتلاعبون بالأسعار عبر الهاتف، وأشار إلى ان حساب الأسعار بناء على تكلفة الشحن مضافا إليه سعر الوقود هو حساب غير عادل يجب احتساب عقد سعر الشحن العادل بناء على الطلب».

ثقافة التعاملات الآجلة

ويبدو أن عملية إطلاق عقود الفجيرة قد حفها الكثير من التحديات والمصاعب، إذ كان من المتعين على القائمين على مركز دبي للسلع المتعددة وبورصة دبي للذهب العمل على إقناع أكبر عدد ممكن من الشركات واللاعبين في هذا السوق على استخدام هذه العقود كمؤشر مرجعي في تحديد الأسعار، وهو الأمر الذي سيسهم في خلق أحجام من التداول تعين هذه العقود على البقاء والاستمرار كآلية تسعير.

ولهذا، سبق إطلاق هذه العقود، عقد العديد من جولات النقاش مع المعنيين بهذه الصناعة للتعرف على آرائهم وتصوراتهم حول مواصفات العقد وأهميته في إدارة أعمالهم بهدف ضمان وجود عدد كاف من المشتريين والبائعين، وقد شارك في جولات الحوار هذه كل من المنتجين والتجار وشركات التخزين، وقدر أحمد بن سليم مدير العمليات في مركز دبي للسلع المتعددة أنه جرى استشارة ما يزيد على 30 شركة نفط في المنطقة وحول العالم،، وقد أكدت جميعها على حاجة المنطقة إلى هذا النوع من العقود.

علاوة على ما سبق، وظف القائمون على مركز دبي للسلع المتعددة وبورصة دبي للذهب والسلع جولات الحوار لنشر ثقافة التداول في العقود الآجلة في المنطقة التي ما زال المستثمرون فيها يترددون في التعامل مع هذا النوع من العقود، رغم أن هذا التحدي أخف حدة في عقود الوقود منه في عقود النفط الخام الذي يعتبر سلعة «استراتيجية» في المنطقة.، في حين أن التعامل مع الوقود لا يعتبر موضوعاً حساساً، مثل التعامل مع النفط الخام .

وفي رأي تيلاك دوشي المدير التنفيذي لقطاع الطاقة في مركز دبي للسلع المتعددة أن التعامل مع العقود الآجلة للوقود بات مقبولاً عموماً من قبل المستثمرين في المنطقة وحول العالم، بعدما تأكدوا أن مخاطره ليست كبيرة، وانه لا يعتبر «مقامرة»، خصوصاً في ما يتعلق بعقود السلع التي تتضمن «الاستلام» و«التسليم» لسلع مثل الوقود.

مضيفا بان ثقافة الاتجار بالعقود الآجلة للوقود انتشرت في العالم بقوة خلال السنين العشر الماضية، لاسيما في اليابان التي كانت ترفض مبدأ التداول في العقود الآجلة، وما لبثت أن أطلقت بورصة متخصصة في تداول المشتقات النفطية.

والمنطق وراء هذا المشروع، في رأي دوشي، هو الإفادة من سوق الوقود «الضخمة» في المنطقة، ووجود ثاني اكبر مركز للوقود في إمارة الفجيرة التي تزود ناقلات النفط العابرة للخليج العربي بأكثر من 2,1 مليون طن من الوقود الثقيل شهرياً، علماً ان ميناء الفجيرة يعتبر ثاني اكبر مزود للوقود في العالم بعد سنغافورة.

ويعقد الرهان على أن تستقطب هذه العقود شركات الوقود المتوسطة والصغيرة في المنطقة وحول العالم، على اعتبار ان هذه الشركات لا تستطيع منافسة الشركات الكبرى مثل «بي بي» و«شل» و«توتال» التي تسيطر على تعاملات الوقود حول العالم. وسيشكل إطلاق العقود الآجلة لزيت الوقود نقلة نوعية في مكانة الفجيرة كمركز عالمي لتموين السفن.

وهو من شأنه أن يوفر لمنطقة الخليج أول مقياس مرجعي في تحديد أسعار الوقود البحري، بما يعكس الاعتبارات المحلية في منطقة الخليج، أكثر مما يعكس الظروف الموجودة في سنغافورة. وهو ما يساعد على تحديد الأسعار بناء على اعتبارات وثيقة الصلة بأوضاع الأسواق الخليجية وليس بناء على الاعتبارات السائدة في الشرق الأدنى.

وهكذا ومع طرح بورصة دبي للطاقة لعقود الوقود الآجلة، سيكون جائزا القول بأن أسعار الوقود البحري هي أسعار منطقة الخليج العربي.وهو ما سوف يمثل حدثا تاريخيا غير مسبوق في تاريخ المنطقة التي لم تشهد من قبل إطلاق طرح عقود آجلة للطاقة،وهو الأمر الذي من شأنه أن يساعد في توفير الوقود البحري المستخدم في تموين السفن بسعر محدد في تاريخ آجل.

دبي: مجدي عبيد