عندما اعتبرت معالي الشيخة لبنى القاسمي وزيرة الاقتصاد إطلاق مشروع خط سكة حديد يربط إمارات أبوظبي ودبي والفجيرة بهدف نقل المشتقات البترولية بأنه يجسد نموذجاً لتكامل صناعة الطاقة، جاء هذا التوصيف كمرآة تعكس بصدق تكاتف صناعات الطاقة في الدولة لإحالة إمارة الفجيرة إلى سوق دولي للمشتقات النفطية، والارتقاء بمينائها ليصبح ميناء عالمياً من الطراز الأول.
وتتسع قائمة اللاعبين لتشمل شركات كبري في الدولة من العيار الثقيل، على غرار «أدنوك» و«إينوك» و«موانئ دبي العالمية»، ويعمل هؤلاء اللاعبون على ترسيخ مكانة الإمارة كسوق عالمي للمشتقات البترولية. ففيما تباشر شركة أدنوك مشروع إقامة مصفاة تكرير الفجيرة، بما يعنيه ذلك من تعزيز مكانة الإمارة كسوق عالمي للمشتقات البترولية، تنخرط شركة إينوك في مشروع لتوسع الطاقة التخزينية بما يعزز مكانتها كلاعب رئيسي في سوق الوقود البحري، وفي ذات الوقت تتولى شركة موانئ دبي العالمية إدارة وتطوير ساحة الحاويات وفقا لأفضل المواصفات العالمية.
ومن ثم، تبدو هذه الجهود أشبه بما يكون بالحلقات الاستثمارية المترابطة فيما بينها التي تعكس تقاسم هؤلاء اللاعبين رؤى تتعلق بآفاق المستقبل، سواء فيما يتصل بمجال الأعمال بمعناه الضيق، أو يتصل بتعظيم القيمة المضافة للموقع الجغرافي للإمارة كحلقة رئيسية في حركة التجارة بين الشرق والغرب.
وبالتالي، ستتضافر هذه الجهود في خلق سوق عالمي للمتاجرة المادية في منتجات المشتقات البترولية، وفي خط مواز، تبرز جهود بورصة دبي للذهب والسلع وبورصة دبي للطاقة لإطلاق التداولات الآجلة على المنتجات البترولية.
ويحرص اللاعبون الرئيسيون في قطاع الطاقة بالدولة على الاستفادة من الموقع الإستراتيجي الذي تشغله إمارة الفجيرة على الخليج العربي في زيادة أنشطة أعمالهم ،خصوصا فيما يتعلق بأنشطة التصدير وإعادة التصدير للمشتقات البترولية، وهو ما عزز مكانة الإمارة كمقصد للأنشطة المرتبطة بالطاقة، وكسوق عالمي للمنتجات البترولية المكررة، ووطد موقعها كرمز للتكامل بين صناعات الطاقة في الدولة.
التكامل بين صناعات الطاقة
وقد أسست الفجيرة مكانتها كرمز للتكامل بين صناعات الطاقة بحكم امتلاكها موقعا جغرافيا إستراتيجيا على الخليج العربي، ووجد هذا الرمز تعبيراته على صعيد السياسات بإطلاق مشروع خط سكة حديد يربط بين إمارات أبوظبي ودبي والفجيرة في يونيو 2005، وتبلغ تكلفة المشروع عدة مليارات من الدولارات.
ويهدف إلى نقل المنتجات النفطية، إذ أنه من المخطط أن يربط الخط مصفاة الرويس في أبوظبي بالفجيرة والتي تعد ثاني أكبر مركز لتموين السفن بالوقود على مستوي العالم. ويتضمن المشروع ثلاث حلقات استثمارية تتعلق بتطوير ميناء الفجيرة ومشروعات الغاز والبتر وكيماويات في أبوظبي وبورصة دبي للسلع والمعادن.
وقد جرت آنذاك مناقشة المشروع خلال اجتماع اللجنة العليا لتنسيق السياسات والبرامج الاقتصادية برئاسة معالي الشيخة لبنى القاسمي وزيرة الاقتصاد والتي اعتبرته نموذجا للتعاون بين الإمارات الثلاث في مجال الطاقة والنفط وهو ما سيعزز من مكانة الإمارات المتحدة في سوق المشتقات البترولية. ووفقا لتصميم المشروع، سيجري نقل المشتقات البترولية خاصة زيت وقود السفن من مجمع الرويس إلى الفجيرة عبر خط سكة حديد.
وقيم المحللون المشروع بأنه سوف يعطي قوة زخم لخطط أبوظبي الرامية إلى إطلاق مجمع عالمي لصناعة البتروكيماويات والغاز والنفط والذي من المخطط أن يجذب استثمارات عالمية وإقليمية بقيمة 150 مليار دولار ومواصلة برامج الاستكشاف والتنقيب والتي سترفع إنتاج الإمارات إلى 3 ملايين برميل يوميا على مدى السنوات القليلة المقبلة.
مشروع مصفاة الفجيرة
وتتمثل الحلقة الأولى في هذه السلسلة المتكاملة من المشروعات الاستثمارية التي تعكس التكامل بين صناعات الطاقة في الدولة في إطلاق مشروع مصفاة الفجيرة، وقد جاء الكشف عن هذا المشروع على لسان معالي محمد بن ضاعن الهاملي وزير الطاقة.
حيث أعلن عن التخطيط لبناء مصفاة تكرير نفط تبلغ قدرتها 300 ألف برميل يومياً على شواطئ مدينة الفجيرة قبالة السواحل العُمانية، وذلك بهدف زيادة حجم صادرات الدولة من مشتقات النفط للأسواق الإقليمية والآسيوية، ولتلبية الطلب العالمي المتزايد على الطاقة.
مشيراً إلى أن المصفاة المخطط إنشاؤها ستكون لإنتاج مشتقات نفطية مثل الغازولين والديزل وأنه من المتوقع أن تصل تكلفة المشروع 5 مليارات دولار، وستدخل المصفاة حيز الإنتاج بحلول نهاية العقد الحالي، وقال الهاملي أيضا ان المزيد من الزيادات في الطاقة التكريرية سوف يجري دراسته ولكن هذه الخطط مازالت في مراحلها المبكرة.
وتولت شركة أبوظبي لتكرير النفط ( تكرير) تنفيذ رؤية هذا المشروع على أرض الواقع، وتختص شركة «تكرير» التي تأسست في عام 1999 كشركة مساهمة عامة تابعة لشركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» في القيام بعمليات تكرير النفط الخام والمكثفات البترولية والإمداد بالمنتجات المشتقة من النفط وفقا لأفضل المقاييس المتعارف عليها عالميا وبناء على أدق شروط الصحة والسلامة والبيئة وابرز قواعد إدارة الجودة الشاملة مما يخدم مصلحة عملائها وموظفيها.
إضافة إلى إنتاج الكلور والكيماويات ومعالجة الكبريت. وتتولى الشركة مسؤولية إدارة مصفاتي بترول وهما مصفاة أبوظبي (أم النار سابقا)التي تعمل بطاقة تكرير تصل إلى 88 ألف برميل يومياً ومصفاة الرويس التي تعمل بطاقة تكرير 145 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى وحدتي تكرير المكثفات بطاقة إجمالية قدرها 280 ألف برميل في اليوم.
وقد عزت الشركة أسباب اختيار الفجيرة لإقامة المصفاة إلى موقعها المناسب ولرغبتها في وجود معمل للتكرير بعيداً عن أبوظبي لتكون احتياطياً آمناً يمكن ان تحل محل المصافي القائمة حاليا في المستقبل.
وعلى هذه الأرضية، بدأت التحليلات النفطية في توجيه بوصلتها إلى مصفاة الفجيرة، ومن بين ما رصدته، الإقبال المتصاعد من جانب الشركات العالمية للمشاركة في تنفيذ هذا المشروع.
وفي يوليو من العام الجاري وقعت شركة الاستثمارات البترولية الدولية (آيبيك) اتفاقية مع شركة كونوكو فيلبس الأميركية لدراسة بناء المصفاة لتكرير النفط في إمارة الفجيرة بطاقة 500 ألف برميل يوميا، على أن يتم تسويق منتجاتها في جميع أنحاء العالم. وأكدت (آيبيك) في هذا الصدد أن الشركتين ستباشران بعد انتهاء الدراسة في إنشاء المصفاة، كما وقعت الشركتان اتفاقية تعاون مشترك في مجال الاستثمار في قطاعات النفط والتنقيب.
وقد تفاعلت إمارة الفجيرة مع مشروع إقامة مصفاة جديدة على أراضيها، وأخذت زمام المبادرة في تحضير البنية التحتية اللازمة لتبوؤ مكانة مهمة على خريطة صناعة التكرير في العالم، لتبرهن على انها ليست نتاج عبقرية المكان فحسب، وإنما كذلك عبقرية الإنسان.
وفي هذا السياق، نجحت مؤسسة الفجيرة للاستثمارات البترولية في جذب استثمارات ضخمة في خدمات صناعة النفط بإقامة مشاريع إستراتيجية من أهمها مشروع التخزين العملاق الذي أُعلن عن إنشائه في العام 1997 لتصبح الفجيرة مركزاً رئيسياً لتخزين النفط ومشتقاته في منطقة تمتد من أوروبا إلى الشرق الأقصى .
وتشمل منطقة الخليج وشبه القارة الهندية ومنطقة شرق أفريقيا وتتبوأ إمارة الفجيرة المركز الثاني بعد سنغافورة في مجال تزويد السفن بالنفط بمقدار 12 مليون طن سنوياً بحصيلة تقدر بنحو 5,2 مليار دولار وبطاقة تخزينية في عمق البحر تقدر بنحو 740 ألف متر مكعب وعلى الشاطئ تفوق مليوناً و900 ألف متر مكعب.
واعتبر سمو الشيخ صالح بن محمد الشرقي مشروع مصفاة الفجيرة من أهم المبادرات التي ستشهدها إمارة الفجيرة وقال الشرقي إن إمارة الفجيرة واصلت إنجازاتها في تطوير البنية التحتية اللازمة لتحقيق التنمية الصناعية والتجارية وبناء قاعدة قوية تحقق التنمية المنشودة من ناحية وتستقطب المزيد من المشروعات والاستثمارات للإمارة من ناحية أخرى.
مشيراً إلى أن ميناء الفجيرة حقق خلال العام الماضي مستويات جديدة في ارتفاع حجم مناولة المنتجات البترولية وتصدير مشتقات الأحجار، كما يقوم الميناء بإنجاز مشاريع جديدة لتحديث تجهيزاته وتنويع خدماته والتي تتضمن خطة لإنشاء مستودعات لتخزين المنتجات البترولية وتعزيز مكانة الفجيرة كمركز عالمي لتزويد وقود السفن.
توسيع الطاقة التخزينية
أما الحلقة الثانية، فتتمثل في شركة فوباك هورايزن الفجيرة المحدودة وهي مشروع مشترك بين شركة فوباك الهولندية وشركة «هورايزن للتخزين المحدودة» ـ المملوكة بالكامل لشركة بترول الإمارات الوطنية المحدودة (اينوك) عن خطط لزيادة الطاقة الاستيعابية لخزاناتها بنحو 360 ألف متر مكعب، بالإضافة إلى إقامة رصيفين جديدين لتحميل الناقلات.
مما سيعزز مكانة الشركة ودورها المحوري في مجال تخزين منتجات ومخلفات تكرير النفط في الشرق الأوسط. وبانتهاء عملية التوسعة، سيصل إجمالي الطاقة التخزينية للمنشأة إلى 5,1 مليون متر مكعب، كما سيرتفع عدد أرصفة التحميل إلى ستة مع نظام إرساء موحد للناقلات حتى سعة 175 ألف وحدة نمطية.
ومن المتوقع تشغيل المنشآت الجديدة في الربع الثالث من عام 2007، وتشمل عملية التوسعة 8 خزانات جديدة بسعة إجمالية تصل إلى 360 ألف متر مكعب، تتراوح سعة الواحد منها ما بين 30 - 60 ألف متر مكعب.
وفي حين سيتم تخصيص الرصيف الأول لتحميل وتفريغ الناقلات التي تصل سعتها حتى 110 آلاف وحدة نمطية، سيتم تجهيز الرصيف الثاني لاستقبال الناقلات حتى سعة 60 ألف وحدة نمطية. ويتضمن المشروع أيضاً إضافة ذراعي تحميل قياس 12 بوصة لمنتجات التكرير النظيفة، وذراعين آخرين قياس 16 بوصة لمخلفات التكرير.
وجاءت هذه التوسعة التي تعد الخامسة من نوعها ـ في رأي حسين سلطان المدير التنفيذي لمجموعة اينوك ـ لتواكب النمو الكبير في حجم أعمال الشركة، خاصةً وأن إمارة الفجيرة تتمتع بموقع مثالي على مدخل الخليج العربي. وقد بدأت الشركة التخطيط للمرحلة السادسة من التوسعات التي دأبت على القيام بها منذ انطلاق عملياتها في عام 1998.
وفي السياق ذاته قدر روب نيجست، رئيس فرع شركة «فوباك أويل يوروب»، في الشرق الأوسط وإفريقيا بأن هذه التوسعة ستسهم في تطوير الخدمات التي توفرها الشركة لزبائنها في منطقة الشرق الأوسط، كما ستعزز المكانة المرموقة لإمارة الفجيرة في قطاع التخزين. وتتيح توسعة «فوباك هورايزون الفجيرة» توفير منشآت تخزين بري آمنة لعملائنا تسمح بتخزين زيت الوقود، بالإضافة إلى المنتجات النظيفة كالجازولين.
إدارة الميناء
وتتمثل الحلقة الثالثة في تولي موانئ دبي العالمية التي تعتبر واحدة من أبرز مشغلي الموانئ الرائدة في العالم تطوير وإدارة ساحة الحاويات في ميناء الفجيرة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد وقعت على اتفاق بهذا الخصوص مدته 30 عاما قابل للتجديد. ويتضمن إمكانية تمديد العمل في هذا العقد لمدة 20 عاما أخرى والذي قد يمتد في تلك الحالة الى العام 2055.
ومن المتوقع أن تقوم موانئ دبي العالمية باستثمار حوالي 568 مليون درهم (حوالي 155 مليون دولار أميركي) في أعمال التطوير في ميناء الفجيرة، وستتضمن أعمال التوسعة بناء رصيف جديد خاص بالسفن العملاقة (بانامكس) مجهز برافعات لنقل المعدات والحاويات من السفينة الى المرسى وبالعكس، وساحة لمناولة الحاويات تصل طاقتها السنوية الى 7,1 مليون حاوية نمطية.
وتشتهر موانئ دبي العالمية بقدرتها على تقديم خدمات رفيعة المستوى لشركات خطوط الملاحة البحرية في ميناء راشد وميناء جبل علي وصنفت على مدى عشر سنوات متتالية كأفضل ميناء بحري في الشرق الأوسط، وبالتالي، فإن توليها إدارة ميناء الفجيرة من شأنه أن يوفر حلولاً في كافة الجوانب المتصلة بعمليات الموانئ بما يؤدي إلى زيادة الكفاءة والعائدات المالية لمستخدمي الميناء.
وعلى هذه الأرضية، برزت إمارة الفجيرة كرمز للتكامل بين صناعات الطاقة في الدولة، ولم يأت هذا التوصيف من فراغ، بل يستند إلى هو موجود على ارض الواقع من مشروعات، وما سيحمله المستقبل من مشروعات أخرى قيد التخطيط.
دبي ـ «البيان»:

