مرت السينما في تاريخها بمراحل عدة، فيها الإنتاجات المقبولة والأخرى الهابطة،خلافاً لما تبدو عليه اليوم متألقة مع مخرجين شباب من خريجي الجامعات الغربية في أميركا وأوروبا،مستفيدين من خبرات تقنيةأضافوها الى ثقافاتهم الشخصية ورؤاهم المتأثرة بلا شك بتجربة الحرب الأهلية اللبنانية ومفارقاتها الكثيرة المتنوعة المستويات بين الاجتماع والسياسة، وتناقضات الحب والحقد والموت والحياة التي تصرخ بأعلى صوتها في سينما هذا الجيل، في شيء من التميز عن إنتاجات الأجيال السينمائية اللبنانية القديمة، وذات نكهة خاصة في مساحة السينما العربية.
بين اسماء كثيرة ملفتة مثل غسان سلهب وزياد دويري وغيرهما، يأتي المخرج فؤاد عليوان المتخرج من الولايات المتحدة الاميركية، حاملاً رؤية سينمائية متكاملة تقنياً وفنياً، وذات مغزى ليس ثقيلاً أومرهقاً برموز تتفجع على عادة سينمات عربية كثيرة، اضجرت جمهورها بأوزان تراجيدية،تضاعف من الأزمات بدلاً من أن تفتح مجالاً يمسك بالواقع في سبيل تحريكه. «إلى اللقاء» عنوان فيلم جديد للمخرج فؤاد عليوان قدمه في مهرجاني «طنجة» و«بيروت» السينمائيين على التوالي اللذين أقيما في الأسابيع الأخيرة المنصرمة،عن سيناريو أعده بنفسه حول عائلة لبنانية مهاجرة الى سويسرا منذ سنوات، ومؤلفة من شابين مع والديهما وشقيقتهما المتزوجة التي لا تظهر، فقط استخدمها المخرج كخلفية صلة الأب والأم بالعالم الخارجي في مجتمع بارد حد الثلوج المنهمرة، التي لا تمنع الجيران من مراقبة هؤلاء على الدوام وفي كل ساعات اليوم، كأنهم أي الجيران يوزعون جدول المراقبة على بعضهم من دون اتفاق.
فالأمور تنظم ذاتها بذاتها في المجتمعات الغربية، بغض النظرحول ماهية التنظيم، الذي يبدو بعيداً عن العائلة اللبنانية إلى حد ما، فالأم مهمومة بالمكان الذي يمكن أن تضع فيه القطع الذهبية القليلة (الصيغة) باللهجة اللبنانية المحكية، بعيداً عن أعين لا تأمن لها، فتغير الأمكنة عدة مرات وتركنها الى كرسي قبل مغادرتها المنزل مع زوجها لزيارة ابنتها، فيستغل الابن الأكبر هذا الغياب، ويقيم حفلة لأصدقائه في منزل العائلة،
فتدب الفوضى العارمة وتنكسر الكرسي «الخزن» التي يرميها الابن خلال عملية التنظيف، في صندوق القمامة في غير الوقت المحدد لذلك، فتراهم الجارة وتتصل بالشرطة، التي تعيد الى العائلة ما رمي بغير وقته، فتعود الفرحة الى الأم الحزينة على ما فقدت، وكأن فوضى العائلة المهاجرة توقظها الجارة المراقبة،المنظمة من طبيعة المجتمع السويسري.
القصة بسيطة في شكلها العام، وتطل على مسائل عميقة وكبيرة،منها: الهجرة وانعكاسها المتفاوت على الأجيال المتباينة، وقدرة المجتمعات الأوروبية أو الغربية على إدماج المهاجرين في نسيجها الاجتماعي، وقدرة هؤلاء على التأقلم مع نمط حياة مختلف كلياً عما تعودوا عليه، في وطنهم الأم «لبنان» الذي يحفظ رب الأسرة أغنياته ويحب زوجته بصوت المطربة فيروز،التي تبدو حافظة الذاكرة المعنوية لهذا البلد.
«الى اللقاء» فيلم من 25 دقيقة كانت كافية للمخرج فؤاد عليوان، لأن يقول كل ما يريد، مستغلاً زمن العمل تماماً ، من دون لغو لاطائل تحته، وموظفاً كل الإشارات الفنية بأسلوب لماح ولماع كثلج سويسرا،الذي لا يخترق صمته سوى سيارة جمع القمامة التي تتقدم الفيلم منذ لحظته الاولى، تحت عدسة كاميرا عليوان الناطقة بلغة الإنسان مهما تعددت الأماكن الجغرافية وتنوعت، فهي بسيطة أمام الفن الذي يكرس الفوارق في فضاء جامع، خصوصاً اذا اكتمل عقده مع مخرج شاب كفؤاد عليوان.
دبي ـ حسين قطايا

