«يخبر تشوانغ تسو (Tchuang Tzu) عن طاهٍ بارعٍ بقي ساطورُهُ قاطعاً لتسع عشرة سنة لأنّه متى قطّع ثوراً إلى شرائح، لم يقم بالتقطيع بطريقة عشوائيّة بل احترم التقاسيم الجزئيّة الطبيعيّة لِعظام ذلك الحيوان، وعضلاته، وأعضائه؛ حتّى يخال لك انّ الأقسام، تجاوباً مع أكثر الضربات خفّة في الفرجة اليمنى، توشك على أن تنفصل بذاتها. وفيما كان الأمير الصينيّ يصغى إلى شرح الطاهي لديه، قال إنّ ذلك علمّه كيف يمضي في الحياة بنجاح».

ذلك هو المقطع بالتحديد الذي كنتُ أقرأه منذ أسبوعين، قبل أن يرنّ هاتفي النقال، ليظهر على الشاشة اسمُ أحد أكثر أصدقائي تمتعاً بخفة الظل، وهو مهندس أيضاً، فأجبتُ عليه؛ وبعد تبادل التحيّات، رحنا نتشارك ما نختبره يوميّاً في عملنا من تجارب، وقصصٍ ومعاناة. وأخبرني أنّه:

منذ ستّة أشهر، وقّع عقداً مع شركة تطوير عقاريّة، ليقوم بتصميم برج سكنيّ لها، وبعد أن قدّم المخططات المتفق عليها، بدأت رحلته في ملاحقة الشركاء فيها ليدفعوا له مستحقاته، وبدا أنّ أوّل الأعذار التي قدّموها له هو أنّ أحد الشركاء سافر إلى لندن ومعه دفتر شيكات الشركة!

ليتبعه العذر الثاني وهو أنّ ذلك الشريك قد عاد بالفعل من لندن ولكنّه يواجه مسائل عائليّة ولم يزل دفتر شيكات الشركة معه؛ فيعقبه العذر الثالث وهو أنّ الشركة لا تنوي إطلاق المشروع في القريب العاجل! ويتلوه العذر الرابع بأنّهم يحتاجون إلى توقيعين على الشيك، وعندما بدأ (أي صديقي) يرسل فواتير رسميّة وينتابه القلق لأنّ القصّة كلّها أمست أشبه بفيلمٍ هزليّ لـ «بيتر سلرز» (Peter Sellers)، أعلمه أحد الشركاء (لا ذلك الذي يحمل طوال الوقت، وفي كلّ الظروف.

وجميع المناسبات دفتر شيكات الشركة) أنّه ليس عليه (أي صديقي المهندس) أن يكون بهذا الإلحاح والفظاظة، فشركتهم تتعامل بمليارات الدراهم، والمبلغ الذي يطالب به ليس إلاّ مجرّد مقدار ضئيل، فشرح صديقي المهندس يقول إنّ «أحداً ليس فظاً أو لحوحاً... وإن كان المبلغ ضئيلاً، فلمَ لا تدفعونه وحسب؟».

سألتُ صديقي عندئذٍ:

- «نعم، لمَ لا يدفعون وحسب أو يؤجّلون ببساطة الدفع بطريقة مهنيّة؟ لمَ تسعى الشركات اليوم إلى بذل كلّ ذلك المجهود وتلك الطاقة من أجل خلق كلّ تلك الأعذار الواهنة؟»

- «ماذا عساي أفعل يا زينة؟» سألني صديقي.

- «إن كانت أوراقك صحيحة، فلا تستثمر المزيد في هذا المشروع، بل قم ببساطة بإلغاء العقد وانصح كافّة الشركاء في الشركة العقاريّة تلك، بمن فيهم ذلك الشريك حامل دفتر الشيكات، بأن يوظّفوا طاهياً صينيّا، فلعلّهم عندئذٍ يمكنهم أن يتعلّموا كيف يتّخذون قراراتٍ قاطعة،.

ويحترمون تواقيعهم، ويقولون ما هو منطقي وحقيقي، ولعلّهم عندئذٍ ينجحون في إدارة أعمالهم، وعندئذٍ فحسب يكونون بالفعل يتعاملون بمليارات الدراهم لأنّ ما يتعاملون به الآن هو المقادير الضئيلة، والضئيلة فقط».

- «ما رأيكِ في تناول الطعام الصينيّ غداً؟»

- «فكرة ممتازة! ألقاكَ عند الساعة 30:12.»

zena@arabianocept.com