القلق اليومي الذي يفترضه تحقيق الذات والبحث عن فرص العمل والحياة في واقع مأزوم ضاقت فيه السبل على كافة المستويات كان المحور الأساسي الذي انجدلت حوله تفاصيل المسلسلين السوريين «شاء الهوى» و«على طول الأيام» اللذين يعرضان حالياً على القناة الأرضية السورية.

واللافت للانتباه أن هذا المحور الهام قد انفتح بشفافية عالية ألقت بظلالها على إشكالات اجتماعية واقتصادية وثقافية حقيقية يعاني منها المجتمع السوري، كما انفتح على يد مؤلفين جديدين: فادي قوشقجي الذي جاء من عالم الرواية، ويم مشهدي القادمة من هموم الصحافة، وبما أن للتجارب الأولى خصوصيتها ومذاقها المميز بدءاً من انطلاق الشرارة الأولى وحتى لحظة التحقق الأخيرة، فقد التقينا الكاتبين في حوار مشترك تناول الأسئلة التالية: كيف انطلقت فكرة العمل، ولماذا اتخذت شكل السيناريو، وكيف تطورت وانتقلت إلى حيز التنفيذ والعرض؟ وهذه هي التفاصيل:

فضاء آخر

فادي قوشقجي درس الهندسة، وأصدر روايتين هما: «خريف الأحلام» و«أطياف الشمس»، وحول مسلسله الأول «على طول الأيام» الذي أخرجه حاتم علي تحدث قائلاً:

أتيت من الرواية إلى الدراما التلفزيونية بحثاً عن فضاء آخر في زمن تناقصت فيه بشكل كارثي أعداد القراء ومريدي الكتاب، بالطبع لست أسوّق لمقولة ان نتخلى عما تخلى عنه الجمهور، فالكتاب يبقى هو المادة الأهم والأكثر رسوخاً وديمومة وعمقاً، إضافة إلى أنني أعتقد أن تخلي الجمهور عن الكتاب هو ظاهرة مؤقتة مرتبطة بالعديد من الظروف التي لا يتسع المجال هنا لذكرها، لكنها كظاهرة ستزول بزوال الظروف التي سببتها.

وأضاف قوشقجي: إن تجربة العمل في الكتابة التلفزيونية ممتعة وغنية هي الأخرى، خاصة إذا توفر للكاتب حسن الحظ الذي توفر لي، فالعمل مع فريق محترف ومثقف كفريق العمل الذي أنجز مسلسل «على طول الأيام» بدءاً من المخرج، مرورا بغالبية الممثلين، وصولاً إلى كل من قرأ النص وأبدى ملاحظة أسهمت في إضافة أبعاد ساهمت في تعميق بعض الأحداث والشخصيات، لكن حين يتجه الكاتب إلى الدراما عليه أن يدرك أنه يتجه نحو عمل جماعي، ومن الصعب على أي كاتب أن يرى تطابقاً كاملاً بين ما كتب وما يرى، ذلك لأن العمل جماعي ومن حق وواجب المخرج والممثلين والفنيين أن يتدخلوا إيجابياً في الصياغة النهائية بأمانة، أي أن يشخصنوا كل كلمة وكل فكرة، وكل مشهد بطرائقهم الخاصة دون أن يمسوا الجوهر العام للنص.

ربما توجد لدي ملاحظات هامشية صغيرة بشأن هذا النوع من التدخل، كما جرى في الحلقات التي شاهدتها حتى الآن، لكني أنظر إلى الموضوع بموضوعية، وأقول إني قد سلّمت ورقاً واستلمت حلقات تلفزيونية، وبالمجمل فإن هذه الحلقات قد حافظت على النص الذي قدمته على درجة عالية جداً من الأمانة، إضافة إلى رؤية المخرج وأداء معظم الممثلين قد منحا النص أبعادا جمالية أضافت إليه ولم تأخذ منه.

الشباب المغبون

الزميلة يم مشهدي خريجة قسم النقد في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، كتبت مسرحية «باريس في الظل» وسيناريو الفيلم الروائي القصير «حلم منتصف الظهيرة» إنتاج المؤسسة العامة للسينما، وقد تحدثت يم عن تجربتها في مسلسل «وشاء الهوى» الذي أخرجه زهير قنوع قائلة:

ببساطة وُلدت الفكرة من حياتنا اليومية، ومن الثنائيات المتناقضة التي نحيا ضمنها، من قلق يومي يأبى أن يفارقنا، قلق من المستقبل والحاضر والماضي.. من مجموعة كبيرة من مفردات الحياة اليومية، الفكرة وُلدت لأنني أنتمي لآلاف الشباب العاطل أو شبه العاطل عن العمل، شباب كل ذنبه أنه حلم يوما ما أن شيئا ما سيتغير، لم يحلم كما الأجيال التي سبقته بشعب حر ووطن سعيد!!

تقلّصت أحلامه جداً فأصبحت محصورة بزاوية ضيقة جدا، أحلام فردية بسيطة، حتى هذه تُسرق يومياً من بين أيدينا، الفكرة التي ألحّت عليّ تكمن في مشكلة هذا الشباب الجامعي الذي يقف حائراً، مذهولاً، مغبوناً، وضعي ما شئت من الصفات التي تعبّر عن حالة من الضياع الكامل مع غياب فرص عمل جدية وحقيقية بعيداً عن مصطلح «بندبر حالنا» وأيضا حاولت التطرق إلى عالم نسميه ـ في بلادي مجازا ـ ربما عالم الصحافة والذي جئت منه.

بالنسبة لتجربتي وكونها الأولى فبالتأكيد لها خصوصية وفيها مزيج غريب من الأحاسيس، أن تشاهدي أشخاصاً ومشاهد وحواراً وأماكن صنعتهم في لحظة ما، وذلك الترقب الممزوج مع الخوف لردة الفعل إزاء العمل، تلك الأحاسيس انتابتني بطريقة مشابهة إلى حد ما عند نُشر أول مقال لي في صحيفة، فللتجارب الأولى دوماً شعور خاص، كما هو الحال مع اول الوقوع في الحب وقبل الاعتراف به.

دمشق ـ تهامة الجندي