يثير الحديث عن النفط الكثير من المشاعر المختلطة لدى عامة الموريتانيين حيث يراه البعض منهم حلا أسطوريا لمعضلة الفقر المزمن التي يعيشها السواد الأعظم من سكان هذه البلاد ، بينما يعتبره طيف آخر من الفئة المثقفة المدركة لتفاصيل الأمر أكثر من غيرها سيفا ذا حدين فبقدر حسن استغلاله ووضع آليات تسييره بشكل معقلن بقدر ما تمت الاستفادة منه استفادة مضمونة والعكس بل ان المتشائمين من الناس يراه وبالا على البلاد والعباد وبين الأحلام الطوباوية والهواجس الأسطورية بقدومه و المخاوف الأسطورية من خطورته يبقى النفط موردا اقتصاديا فحسب كما يراه الاقتصاديون .
وتناقل الموريتانيون خبر وجود الذهب الأسود وصار حديث البيت والشارع والباص «فهيأت له الأواني» كما في المثل الشعبي بيد أن التحليلات الاقتصادية التي ينشرها الخبراء من وقت لآخر ربما تطفئ جذوة الفرحة العارمة لدى العديد من المتتبعين لهذا الشأن بسبب ما تحمله من التشاؤم وما تضعه من شروط للوصول إلى غاية الرفاهية التي يحلم بها الجميع ..
فقد ارتبط اكتشاف هذه السلعة في مخيلة الكثير من العامة بما يعنى أنها بداية النهاية لسنوات البؤس والحرمان دون ان يدرك هؤلاء الترتيبات التي تكتنف عمليات البحث والاكتشاف والاستغلال، من جهة وتراكمات الأخطاء السابقة و اللاحقة على البنية التسييرية التي يجب ان تهيئ لنشاط اقتصادي بهذا الحجم وقد تكون الغالبية من الناس قد اكتوت بنار الفقر وأرسلت الطرف الى ما وصلت اليه الدول النفطية من تطور وازدهار فاعتقدت خلسة ان وجود هذا المعدن الثمين في البلاد معناه تغير الأمور من حال الى حال بين عشية وضحاها ..
وحتى قبل أن تتأكد الحكومة في العهد السابق من وجود كميات قابلة للاستخراج من الناحية التجارية شنفت أسماع الناس بأخباره وأطنبت في التبشير به وكانت في كل مناسبة سياسية أو انتخابية تعد الناخبين بمستقبل زاهر بعد استغلال الكميات الكبيرة من النفط ولعبت وسائل الإعلام الرسمية واجتماعات مجلس الوزراء دورا في بث الفرحة في نفوس هؤلاء كلما تحدثت عن المصادقة على رخص للتنقيب او تحدثت عن عقود تقاسم الإنتاج ..
وما يزيد لهفة الموريتانيين الى هذه الثروة هو ما ساد لديهم من اعتقاد أن الشركات التي تقوم بالتنقيب لا يمكن ان تكون مجازفة بأموالها للعدم فلا شك أنها عثرت على كميات معتبرة وان الحلم بالثراء يبدو قريب المنال. يشكل شنقيط أول حقل نفطي يتم استغلاله بطاقة إنتاجية تصل 75 ألف برميل يوميا وكان انطلاقه بالرغم من ما اكتنفه من صعوبات جراء الخلاف مع وود سايد فيما عرف بقضية زيدان وزير النفط في حكومة ولد الطايع أول الغيث على حد تعبير احد المسؤولين.
بيد أن ما يراه المحللون شيء آخر فهم يقولون ان الدولة لن تستفيد كثيراً من هذا الحقل الذي بدا منه التصدير في مارس الماضي لعدة أسباب منها سيطرة الشركات النفطية على الجزء الأكبر من ريعه وذلك حسب الاتفاقيات واعتماد عمليات البحث والاستكشاف والاستخراج للحقول القادمة على نسبة كبيرة من مردود حقل شنقيط، وبهذا المعنى فان الحقول القادمة سوف يعتمد كل واحد منها في اجرات استغلاله على قدر كبير من مردود الحقل الذي سبقه وبالتالي سوف ندخل في حلقة مفرغة لا نتيجة ترتجى منها وسوف يكون البترول مثل الكبريت الأحمر يذكر ولا يرى حسب احدهم.
نواكشوط ـ بشير ولد ببانه: