هل تتذكرون كل تلك الحكايات التي تسخر من الرجال الذين يستخدمون منتجات العناية بالمظهر ويترددون على مراكز «السبا»؟ في الواقع، لقد أثرت تلك الحكايات الساخرة كثيرا على «بزنس» له وزنه في الغرب، وأخرته من النمو في منطقتنا. لكنّ مثل تلك الحكايات لم تعد تروى كثيرا في السنوات الخمس الأخيرة، والفضل يعود إلى لاعب كرة القدم الأسطوري ديفيد بيكهام ونجم «نادي القتال» الممثل براد بيت، اللذين ابتكرا صورة جديدة للرجل، وقادا ما عرف بحركة «المتروساكشويل» metro sexual.
تلك الحركة تضم رجالا يبدلون حفاضات أطفالهم، ويحملون الحقائب النسائية الزاخرة ببودرة الحليب المجفف، نيابة عن زوجاتهم، كما لا يترددون عن البكاء علنا، ان اقتضى الأمر.. والأهم من ذلك أنهم يخصصون من وقتهم أكثر من ثلاث ساعات، يوميا، من أجل الاعتناء بصورتهم. إنهم ببساطة ذكور متحررون من «عقدة» الخجل من دهن مساحيق التجميل والتردد على عيادات إزالة الشعر عن الكتفين والظهر والصدر.
وكما في كل المدن الكبيرة، أو مدن (المترو)، مثل طوكيو ونيويورك، فإن ثقافة «رجال الحفاضات» قد وصلت إلى دبي، وأصبح لها جمهور من المعجبين. واستغل المسوقون هذا الإعجاب محاولين الإفادة منه وتجربته لبيع خدمات ومنتجات خاصة بالرجال. أقنع هيوردين مديري وملاك منتجع «كيليوباترا»، التابع إلى «مدينة وافي» التسوقية والترفيهية، بخطة تسويقية شاملة تستند إلى خمسة عناصر رئيسية، نجحت بإيقافهم عن اتخاذ القرار الذي كان سيكون الأسوأ في تاريخه المهني وتحدياته الشخصية: إقفال مركز الرجال والاكتفاء بمركز النساء.
المرحلة الأولى من الخطة اقتضت محاربة الأصعب: ثقافة الخجل المهيمنة على الذكور العرب. كان لا بد من الوصول إليهم عبر قناة مؤثرة. من؟ بالطبع النساء. الزوجات والصديقات وحتى الأمهات: «على مدى شهور، كنا نطنّ في أذن زبوناتنا برسالة واحدة مفادها: أنت تفضلين الرجل الذي يهتم بشكله. إنها الموضة والثقافة الجديدة. ان كنت امرأة عصرية، فهذا يعني أن زوجك رجل يعرف جيدا قيمة المصافحة بيد نظيفة و(موضبة)، ويبتسم بلحية وشارب مخططين، ويتحرك برشاقة العضلات المدلكة، ويفك أزرار القميص بأظافر من دون شوائب.. «لقد نجحت خطتنا، وجاء الرجال».
كان لا بد من تنفيذ المرحلة الثانية وهي زيادة الاطمئنان وخلق الثقة: «قمنا بسلسلة من الجهود التسويقية التي تربط فكرة التردد على سبا ـ الرجال بمفاهيم الرياضة. وبات الرجل يأتي إلينا ليركض على الدولاب المتحرك وينمي عضلاته برفع الحديد، كما يخضع لتدليك وينظف بشرته وأظافره. كانت رسالتنا واضحة، الرجل الذي يهتم بصحته، يشرب البابونج أيضا في سبا كيلوباترا». في هذه المرحلة، تزايد عدد الرجال وباتوا يأتون من غير زوجاتهم، ويقومون بالحجز، بأنفسهم عبر الهاتف، وهي نتيجة هامة مقارنة مع ما نعرفه عن اتكالية الرجل، فستة من عشرة رجال يسألون زوجاتهم أن تختار لهم ماذا يلبسون.
حسنا، ها قد امتلأت لوائح كشوفات المركز بأسماء الذكور. ماذا بعد؟ «نبيعهم مستحضرات التجميل». قام هيوردين بتوظيف سيدة متخصصة، بدوام كامل، تدرب الموظفين على أفضل الطرق لاستخدام المستحضرات وتتأكد من أنهم يتمون مهماتهم على أكمل وجه في إقناع الزبائن بقساوة البيئة المناخية لدبي وتأثيرها السلبي على بشراتهم الدهنية. تقول سارة بيرنز، مديرة التدريب: «في السابق كان الرجال يسرقون مراهم الكريمات من حقائب النساء. الآن هم يشترونها».
وتشرح أن 60% من زبائنها هم من الإماراتيين، بينما تتوزع النسبة الباقية على العرب والأجانب المقيمين والزائرين: «غالبيتهم يطلب تنظيف البشرة، لكن في المستقبل، قد يتحررون بالكامل من الخجل، ويلجأون إلى بعض عمليات التجميل الخفيفة، كحقن الشفاه بمادة البوتيكس المنفّخة». وتعتقد أن «رجالها» ينفقون على مستحضرات التجميل بنسبة تفوق ما تصرفه النساء بنحو 33%.
قامت بيرنز بجهد دؤوب واستفادت من عاملين: نشاط بيئة العمل في دبي، بما يصاحب ذلك من تدفق «طوفان» الاجتماعات التي تجمع بين رجال الأعمال من دبي ونظرائهم العالميين، «الأمر الذي يحرض رجل الأعمال العربي على الظهور بأبهى صورة ممكنة»، أما العامل الآخر فهو شيوع مجلات الموضة وأنماط الحياة التي تروّج لصورة الرجل النظيفة والجميلة: «عشرات المجلات عن الرجال تصدر من دبي وتثير النساء».
تم تجهيز كيليوباترا بصالون للحلاقة، ومناطق استرخاء على وقع الموسيقى وخرير مياه الجاكوزي، وسط أجواء تذكر بقصور سلاطين العرب في عصر الأمجاد الغابر. «رجال كيليوباترا يسألون اليوم عن كل شيء. الصحة ونظام التغذية وصولا إلى محو السواد حول أعينهم»، تقول بيرنز.
لكنّ ذلك لم يعكس اطمئنانا كاملا. وهيوردين لا يكتفي بشرب البابونج والاسترخاء. لقد انتبه إلى ضرورة تنويع شريحة زبائنه الذين يقتصرون حتى اليوم على رجال أثرياء، ولديهم كثير من المال، وكثير من الوقت،: «لا يمكن أن نستمر بمخاطبتهم فقط، رغم أن قدرتهم الاتفاقية كبيرة، إذ ينفق كل زبون منهم ما معدله مئة دولار أميركي في اليوم، ونحن نستقبل 25 رجلاً يومياً». هنا نصل إلى المرحلة الرابعة من بناء العلامة التجارية: «نخاطب الطلاب، من جهة، ورجال الأعمال المتشائمين، من جهة أخرى».
في واقع الأمر، هاتان الفئتان تساويان منجم ذهب في الإمارات. لذلك يقوم مركز «كيليوباترا» حاليا بإعداد خطط متكاملة من أجل إقناع الفتيان ما دون العشرين بالتوقف عن شراء زجاجات العطور لصديقاتهم، وإنفاق المال بدلاً من ذلك في «السبا»: «إنها الفئة الأصعب، لكن ان نجحنا باستدراجها، عبر عروض جذابة وبأسعار متهاودة، ستكون بيضة الذهب في جيبتنا».
أما رجال الأعمال «المتشائمون»، فهو التوصيف الذي يطلق على رجال أعمال ناجحين، يديرون شركات خاصة في دبي، لكنهم يختنقون من الازدحام الشديد لطرقاتها، ويريدون في نهاية اليوم كرسيا مريحا للتمدد ورجلا يدلك أكتافهم المتشنجة: «هذه الفئة تجز اشتراكا سنويا بألف دولار لقاء العضوية، ولا يتضمن ذلك تكاليف الخدمات المقدمة في السبا».
بعد مضي خمس سنوات على التأهب ل«طرد» كيليوباترا، لكي تنعزل مجددا مع المومياوات المحنطة، أعاد هيوردين «بعثها» من جديد، حتى وصل نمو زيارات الرجال إليها إلى 100%، وأصبح ثلث زوّار منتجع «مدينة وافي» من ذوي الشوارب. لكن مهلا، هل نسينا المرحلة الخامسة؟ في واقع الأمر هي التي لم تنجز بعد، وهي تحتاج إلى مزيد من الجرأة كي تتمكن «كيليوباترا» من إقناع زوارها بأن يجربوا منتجات جديدة، ثمنها دراهم وافرة. ربما التزين بمساحيق التجميل، «كما النساء»؟ من يدري، فكل شيء جائز طالما أن «المترو ساكشويل» لا يريد التوقف!