أولئك الرجال الذين يبتسمون طوال الوقت، بأسنان براقة ووجوه لماعة، في الإعلانات المثبتة على طريق الشيخ زايد وطرقات أخرى في دبي، هم في واقع الأمر شغل المسوقين الدؤوب هذه الأيام، الذين تباروا لابتكار الصور الأيقونية لثقافة استهلاكية آخذة بالنمو، وهي أقدام الرجال على شراء مستحضرات الزينة والتهندم الشخصية. ان الترجمة العملية لذلك تعني 500 مليون دولار هي حجم قطاع تلك المنتجات الخاصة بالرجال.. فقط!
لقد اكتشفت الشركات المصنعة لمستحضرات التجميل والعناية الشخصية ان انفاق الرجل في منطقة الشرق الأوسط على العناية بمظهره أضحى مساويا، بل ويتجاوز في كثير من الأحيان، لما تنفقه المرأة. ولأن شركات مثل «بوركتر أند غامبل» و«يونيليفر» و«نيفيا» وغيرها، لا تصدق التوقعات المستندة إلى «حدس»، ف« اكتشافاتها» تبنى على أرقام واحصاءات دقيقة، كان لا بد من العودة إلى الدراسات. وقد تبين أن حجم قطاع المستحضرات الخاصة بالرجال في منطقة الشرق الأوسط قد وصل إلى 500 مليون دولار في العام الماضي، بحسب احصاءات «اي سي نيلسون» المتخصصة، وهو ما يشكل 23% من اجمالي مبيعات القطاع. هذه ارقام من شأنها أن تبرر تلك الشهية الكبيرة التي تتحرك بها خطط التسويق، في السنوات القليلة الأخيرة، تجاه.. الرجال!
علامات ذكورية
«في المستقبل سوف نقدم منتجات خاصة بالرجال، تحمل علامات تجارية مستقلة، وليست شبيهة بتلك التي تحملها منتجات النساء»، حسب ما يشرح روبرت تايلور، مدير العمليات في الشرق الأوسط لشركة بيردسوف Beiersdof الألمانية، مصنعة العلامة التجارية «نيفيا» nivea التي تنتج الكثير من المستحضرات الخاصة بالرجال مثل كريمات الترطيب ومزيلات العرق. وبحسب دراسات أخرى ل«يورو مونيتور»، فإن حجم قطاع مستحضرات العناية الشخصية في المنطقة، متضمنا الرجال والنساء، وصل في العام 2003 إلى 3,3 مليارات دولار، ومع الإبقاء على معدلات نمو تصل إلى 7%، فإن حجم القطاع في العام 2004 قد قدر بأكثر من 4 مليارات دولار، وهذا يؤكد من جديد على نسبة 23 التي تساوي قيمة مستحضرات الرجال فقط، من ذلك المبلغ.
وبناء على دراسات لشركة «اي سي نيلسون»، الصادرة عن السوق السعودي، فإن السوقين السعودي والإماراتي يشكلان المفتاح الرئيسي لتلك الصناعة في المنطقة، اذ تبلغ حصة السعودية 44% والإمارات 18%. ويصرف الرجال في السعودية 32 مليون دولار سنويا على مستحضرات العناية الشخصية والتجميل. ونتيجة الانتعاش الحاصل في هذا القطاع، فإن قطاعات أخرى ذات صلة، مثل منتجعات العناية «السبا» SPA قد زاد انتشارها بشكل كبير في المنطقة، وظهرت فئات المنتجعات التي تركز على الرجال فقط، وتلك التي تشكل تجربة مستقلة غير مرتبطة بالفندق، بعدما جرت العادة أن يكون «السبا» جزءا من الفندق.
للنساء فقط.. ليس بعد الآن!
وبحسب خبراء فإن زيادة اهتمام الرجال في الإمارات بالعناية بمظهرهم، نتيجة الانفتاح الاقتصادي الكبير الذي تشهده الدولة على العالم، والاختلاط بثقافات العالم كافة، فإن انتشار مراكز «السبا» بات ملحوظا، والاستثمارات فيها تصل إلى ملايين الدولارات. ويقول نيل هيوردين، الذي يدير مركز «كيلوباترا» الصحي في مجمع «وافي سيتي» في دبي، وهو الأكبر من نوعه على مستوى الشرق الأوسط، أن هناك 5 مراكز «سبا» جديدة تظهر في دبي كل سنة. ويكشف أن حجم أعمال تلك المراكز المتخصصة بفئة الرجال قد زايد بنسبة 100% عما كان عليه في السنوات الماضية.
الا ان انتشار تلك النوعية من المراكز تواجهه تحديات مختلفة على مستوى بناء العلامة التجارية الجاذبة والمستقلة، كما محاربة ثقافة الخجل بين الرجال، والتي كانت تمنعهم في السنوات الماضية من زيارة تلك المراكز، والحصول على خدمات العناية بالبشرة والأظافر وتدليك العضلات، ظنا منهم أن النساء هن فقط من يشترين تلك الخدمات.
حان وقت الاستقلال
« في البداية كان علينا أن نخوض التحدي الرئيس وهو تغيير النظرة السائدة بأن السبا هو جزء من الفندق، ولا يمكن زيارته بغير زيارة الفندق»، يقول نيل: ولكن، هل نجحت منتجعات العناية في خلق علامات تجارية متميّزة بمعزل عن التجربة الفندقية، فعلا؟ يعتقد هيرمين بهرنس، المدير العام لشركة Enterprise IG المتخصصة ببناء العلامات التجارية، أن السؤال يطرح تحديا اشكاليا: فعلا، لقد ارتبطت المنتجعات الصحية في أذهان الناس بالفنادق، حتى صار من الصعب جدا عليها أن تستقل بعلامة تجارية خاصة ومعروفة.
وصار الناس يعرفون المنتجع باسم الفندق التابع له أو المدينة التي يقع بها. فعلى سبيل المثال، من بين أفضل 10 منتجعات على مستوى العالم، لا يحمل إلا قليلا منها أسماء مثل الأورينتال، بانكوك أو سونيفا فوشي، المالديف، بينما هنالك ستة بينها تحمل اسم منتجعات سيكس سنس. ومع أن نزلاء الفنادق ينظرون عادة إلى تجربة استخدام منتجع العناية على أنها خدمة إضافية أخرى من خدمات الفندق، إلا أنّ هناك توجها حديثا نحو اعتبار التمتع بخدمات المنتجع تجربة مستقلة تماما عن الخدمات الفندقية الاعتيادية.
وتشير التوقعات أنّ المنتجعات ذات الأسماء الشهيرة سوف تتجه في الفترة المقبلة إلى تقديم تشكيلة خاصة بها من الخدمات والعروض التي توفّرها لعملائها وتميّزها عن الفنادق الاعتيادية.وقد نجح المسوّقون، فعلا، في ربط فكرة المنتجعات في أذهان الناس (بالتجربة الحياتية الرائعة)، وأصبح (السبا) مرادفا للحاجة إلى تخفيض ضغوطات الحياة العصرية، وليس مجرد وسيلة أخرى للترفيه.
وعلى الرغم من أي منتجع يمارس نشاطاته تحت علامة تجارية شهيرة سوف يلاقي نجاحا كبيرا في أي فندق ملائم، إلا أنه بنظر الخبراء هناك إشارات واضحة أنّ المستقبل سوف يشهد تركيزا أكبر على الفصل بين علامة المنتجع التجارية وعلامة الفندق التجارية، بل انه من الممكن أن نشهد علامة تجارية عالمية شهيرة خاصة للتعريف بالمنتجع وما يقدمه إلى عملائه من تجارب فريدة: سوف تصبح هذه المنتجعات ذات العلامات التجارية الخاصة جزءا من الحياة اليومية للناس،
تماما كالنوادي الرياضية والترفيهية الشهيرة في عالم اليوم، وستتمكن هذه المنتجعات من الاستقلال بنفسها تماما عن الفنادق التي تستضيفها لتصبح جزءا مستقلا في قاموس الحياة الاجتماعية العصرية. ويعطي بهرنس مثالا حيّا على فكرته من واقع المشاريع الخاصة بشركته: نعمل حاليا على إعادة تصميم وإطلاق علامة منتجع خور دبي بالتعاون مع فندق بارك حياة دبي الجديد.
وكانت انتربرايز آي. جي. قد تعاونت مع فندق بارك حياة على تطوير علامة تجارية خاصة بمنتجعه عمارة، والتي نتوقع لها أن تصبح علامة تجارية مستقلة تماما في المستقبل القريب.وتحاول بعض الفنادق، مثل( لومريديان ـ دبي)، أن تقدّم عروضاً كاملة مرتبطة، تجمع بين الإقامة في الفندق والاستفادة من تسهيلات منتجعها الصحي natural elements، عن طريق إتباع سياسة (الباكيج).
هذا يعني أن النزيل يقصد الفندق لقضاء أربعة أيام أو أقل، خصيصا للاستفادة من برامج معينة في المنتجع. وتشير العروضات الموجهة إلى الرجال إلى أسعار تتراوح بين 1790 درهما لقضاء يومين (ليلة واحدة) تشمل اختيار ثلاثة أنواع من العلاجات الصحية، وبين 5300 درهم لإقامة 5 أيام (أربع ليال) تشمل العرض ذاته أيضا.
تمدد العلامة
ويجبب أن توحي العلامة التجارية الخاصة بالمنتجع الصحي، بطريقة مبتكرة ومثيرة، بما يستطيع المنتجع أن يقدمّه إلى عملائه، وأن تتمتع بقدرة استثنائية على جذب اهتمام السوق الذي تتوجّه إليه. كما يجب أن يتم هذا الإيحاء بأسلوب سهل الفهم وملائم، والأهم من ذلك كله، يجب أن يتمتع بأعلى مستويات الأمانة والصدق. فمع مرور الأيام، ونضوج هذا السوق، بات من الواجب على المنتجع أن يحرص على تقديم أفضل ما تم التوصل إليه في مجال الصحة والاستجمام، وأن يوفر لعملائه تشكيلة واسعة من الخدمات المبتكرة بدلاً من الخدمات التقليدية التي اعتادوا الحصول عليها من المنتجعات الصحية، سابقاً.
على الصعيد العالمي، هنالك القليل من العلامات التجارية الناجحة في هذا المجال، أهمها (سكس سنسس) و(فيشي) و(جيفنشي). بالنسبة إلى العلامتين الأخيرتين، لعلّ العلاقة التي تربطهما مع اثنين من أشهر دور الأزياء ومستحضرات التجميل الفرنسية قد منحتهما مصداقية ومكانة خاصتين.
ومع ذلك، فإن التوجّه الحالي هو تمديد مجال ما توحي به علامة المنتجع التجارية (brand extention) ليشمل أكثر بكثير مما اعتاد عليه الناس من خدمات التجميل والتدليك التقليدية، وأن تصبح علامة المنتجع التجارية مرتبطة بأذهان الناس بتجربة حياتية مليئة بالحيوية والنشاط، وهذا هو ما نجحت منتجعات (سكس سنسس)، على سبيل المثال، في تحقيقه.
في المقابل، قد تحاول بعض العلامات التجارية الناجحة، في أسواق أخرى، أن تستفيد من نجاحها وسمعة علامتها التجارية في أسواق المنتجعات الصحية، كعلامة المياه المعدنية الفرنسية الشهيرة إيفيان على سبيل المثال. ويعتقد بهرنس أن المصداقية تعتبر من أهم الرسائل (brand message) التي يجب أن توحي بها علامة المنتجع التجارية لكي تحقق النجاح المطلوب: (المصداقية ستلعب دوراً رئيسياً.
فقد أصبح عملاء اليوم أذكى وأحرص. لقد ذهب، بلا رجعة، ذلك الماضي الذي كنت تستطيع فيه ادعاء ما شئت أن تدعيه من دون أن يكون لديك ما يسند هذا الادعاء. إن العلامات التجارية التي تود أن تثبت جدارتها يجب عليها أن تقدم إجراءات علاجية سليمة، ومنتجات أصلية، وقوة عاملة مدرّبة أفضل تدريب، وسجّل مثبّت ومشرّف من العروض والنجاحات).
وتلعب سمعة العلامات التجارية للمنتجات المستخدمة دوراً بارزاً في تحديد شهرة المنتجع ومدى جاذبيته. ويهتم فندق (لو مريديان-دبي)، على سبيل المثال، باستخدام منتجات العلامة التجارية vonia-Botanica التي لا تتواجد وتباع إلا في منتجعات صحية منتقاة في العالم. وتشمل لائحة منتجات هذه العلامة التجارية مجموعة متنوعة من الكريمات والزيوت والمواد التي تستخدم على مراحل متتالية، كما هو الحال بالنسبة إلى منتجات الوجه التي يتم استخدامها على 13 مرحلة.
وإذا كان الترويج للمنتجع عن طريق عبارة (مواد طبيعية مئة بالمئة) قد أصبح تقليدياً وينقصه الابتكار، فإن المنتجعات بدأت تميّز نفسها بالحديث عن تقديمات مختلفة، دقيقة وشخصية. هكذا يدرج( لو مريديان) على لائحة ميّزات منتجعه خدمات كثيرة خاصة من بينها (خدمات الاستشارات الخاصة).
دبي ـ خاص «البيان»:
