استهلالا أود أن أعتذر مقدما من القراء العرب على إقحامهم في موضوع لبناني ربما كانوا قد مجوه منذ فترة طويلة، وإذا كنت قد سمحت لنفسي بأن أكتب فيه على صفحات جريدة عربية رائدة، فإنما لأنني أرجح أن عددا كبيرا منهم، إضافة إلى مئات ألوف اللبنانيين، قد تسنى لهم عمدا أو صدفة، متابعة الموضوع الذي أتناوله هنا، وهو يدور حول برنامج «أكيد أكيد مايسترو» والذي يقدمه الإعلامي الطموح نيشان ديرهاروتيان يوميا في الأمسيات الرمضانية، عبر شاشة التلفزيون الجديد الفضائية اللبنانية.
وأنا هنا لا أنكر أنني من متابعي هذا البرنامج منذ انطلاقه في حلته الرمضانية الثالثة في مطلع هذا الشهر الفضيل، ومن المهتمين بالقفزات السريعة التي يحققها الزميل نيشان على طريق النجومية الإعلامية، ولا سيما أنه في برنامجه «أكيد أكيد مايسترو» أصاب تنويعا لافتا في أسماء ضيوفه من جهة، وفي القطاعات التي ينتمون إليها من جهة أخرى.
أما الذي حثني مؤخرا على الكتابة على الرغم من مرور ما يقرب من 20 يوما على بدء بث حلقات البرنامج، فهما حلقتا يومي الأحد والاثنين الماضيين في 8و9 أكتوبر الحالي، وفي أولاهما استضاف نيشان الزميلة مي شدياق المذيعة في تليفزيون «المؤسسة اللبنانية للإرسال - إل بي سي»،
والتي أنقذتها العناية الإلهية من الموت في محاولة اغتيال آثمة تعرضت لها في خضم التطورات السياسية والأمنية التي أعقبت اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري، وتلك التي واكبت عملية خروج الجيش العربي السوري من لبنان، فيما استضاف في الثانية الزميلة السابقة ريما قرقفي حرم الوزير والنائب اللبناني السابق سليمان فرنجية، والتي تربطها زمالة بشدياق كونها عملت أيضا مذيعة في المؤسسة ذاتها قبل أن تصبح الزوجة الثانية لفرنجية.
وناهيك عن ديكور البرنامج وتوزيع الفقرات فيه، إضافة إلى الإخراج، لابد من أن نسجل للزميل نيشان إدارته لهاتين الحلقتين بمهنية عالية استندت إلى مواكبته للتفاصيل الدقيقة والصغيرة حول ضيفتين لعبت ظروفهما الشخصية دورا رئيسا في غرقهما إلى ما فوق أذنيهما في معسكرين سياسيين متناقضين ومضادين، فكان من الطبيعي ألا يقاوم نيشان إغراء التطرق إلى الصداقة السياسية
التي تربط الإعلامية مي شدياق بقائد «القوات اللبنانية» السابق سمير جعجع الذي لمع نجمه أيام الحرب الأهلية في لبنان انطلاقا مما سمي يومها «توحيد البندقية المسيحية» سواء بالإقناع أم بالقوة، وذلك حين قاد حملة اغتيال النائب طوني فرنجية وزوجته إلفيرا وابنتهما جيهان، والتي نجا منها يومها طفلهما سليمان الزعيم المسيحي الحالي في منطقة شمال لبنان، حيث كان في استضافة جده رئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق الراحل سليمان فرنجية.
الدخول في تفاصيل التجربة الإعلامية السابقة لمي شدياق والتطرق إلى أكثرها دقة، فيما لم تبارحها بعد آلام محاولة الاغتيال وفقدانها ليدها وقدمها اليسريين، جرها إلى كلام سياسي نم عن عمق «الجرح» الذي طالها والذي لن يفارقها بسهولة مرور الزمن، وهو عبر عن ذاته في الدفاع عن جعجع «المظلوم الذي قدم نفسه ضحية في سبيل لبنان ووضع الوطن فوق كل اعتبار، وفي المقابل توجيه الاتهام إلى من قدموا مصلحة الغير على مصلحة وطنهم لبنان» من دون تسميتهم سوى عرض والاكتفاء بتحديدهم إيماء.
في اليوم الثاني، أي في حلقة يوم الاثنين الماضي، كانت ريما فرنجية قد استعدت للرد على زميلتها السابقة، بقدر ما كان نيشان قد أعد عدته عبر فيلم قديم يظهر فيه المغدوران طوني فرنجية وزوجته وهما يلاعبان طفلهما سليمان، وكان هذا الفيلم كافيا لتحريك عاطفة كل من فقدت ذاكرته واقعة جريمة اغتياله مع عائلته وهم نيام، قبل أن يدور الحوار بعد ذلك مع الزوجة ريما حول معاناة الطفل سليمان خلال نشأته،
ومن ثم التضحيات التي قدمها وقدم من خلالها مصلحة لبنان على مصالح الآخرين عبر عفوه عمن قتل والديه وشقيقته.شئنا أم أبينا، فإن اسمي سمير جعجع وسليمان طوني فرنجية هما على لائحة المرشحين لرئاسة الجمهورية في لبنان، وهي ليست طويلة في أي حال، ويبدو واضحا أن مي وريما تؤديان، بحكم موقعيهما، دورا مرسوما لهما في هذه المعركة التي تتصاعد حرارتها يوما بعد آخر.
كإعلامي لبناني متابع، أود الاعتراف بأنني كنت من المتعاطفين مع الزميلة مي لما أصابها كإعلامية سلاحها الكلمة، على الرغم من أنني كنت أرى فيها سابقا إعلامية الأداة والطرف والتطرف والتعصب، واستدراج نيشان لها، لا بل قبولها بدور مرسوم لها لم تخفه أصلا حين قالت انها قد تصبح طرفيا سياسيا وليس إعلاميا فقط، نجح في إزاحة تعاطف الكثيرين معها حين استعادوا صورتها السابقة،
ولكن تبقى لها حريتها فيما اختارت، إنما لابد من تسجيل عدد من الحقائق الإعلامية على «المايسترو» ووضعها في خدمته:
ـ لقد تعلمنا أن الإعلامي الناجح هو من ينزل إلى الناس ويكون بينهم ليعكس واقع مجتمعه، أما الإعلامي الوطني الفاعل فهو من يعمل على الارتقاء بمجتمعه إلى المستوى الحضاري اللائق، ونيشان في حلقتي مي وريما كان إعلاميا ناجحا، فيما كان في الحلقة التي استضاف فيها رئيس الحكومة اللبنانية السابق سليم الحص إعلاميا وطنيا ناجحا، لأن الرئيس الحص تعالى على الجرح ولم يسمح لنيشان باستدراج غرائزه إلى مواقف سياسية عامة يتشفى فيها من خصومه السياسيين، فيما استرسل معه في الكلام حول الشؤون الشخصية المتعلقة بنشأته وعائلته وعواطفه.
ـ نعم، لقد كان نيشان في حلقتي شدياق وفرنجية إعلاميا ناجحا، لا بل إعلاميا حاذقا وتمكن من الخوض في عمق الشأن السياسي اللبناني بغطاء السيرتين الشخصيتين لمي وريما، وبدليل أن مي المعتدة بنفسها كإعلامية ناجحة لم تتمكن من إخفاء دهشتها للذاكرة الإعلامية التي يتمتع بها نيشان لاسيما حين يقدم في نهاية كل حلقة عناوين المواقف التي اتخذها ضيفه خلال الحوار معه،
إلا أنه في المقابل لم يكن إعلاميا وطنيا بدليل انزلاقه إلى الإغراء الذي شكلته نقاط الضعف عند ضيفتيه والذي سهل عليه تحريك الغرائز الشخصية عند مناصري الطرفين المتمثلين بمي وريما، فيما كانت الموضوعية والوطنية المتجردتين تفترضان بنيشان إخراج ضيفتيه من منافسة اللعب على غرائز الانتقام والتشفي والنزعة المناطقية،
والارتقاء بهما كإعلاميتين مثقفتين إلى مستوى الحديث الوطني عن الصفات الكاريزمية والشعبية الإيجابية والمقومات الثقافية والسياسية والوطنية التي يمكن أن تشكل برنامجا سياسيا يتيح لكل من مي وريما الدفاع عنه في معرض دفاع الأولى عن وطنية سمير جعجع ودفاع الثانية عن وطنية سليمان فرنجية.
وربما كان سؤال من نيشان مثل (إلى أي مدى يؤمن واحدهما بإلغاء الطائفية السياسية في لبنان؟) قد أسهم في استدراج الضيفتين إلى الحديث عن وقائع خارج الغرائز الشخصية في شخص من تمثل كل منهما، اللهم إلا إذا كانت مشكلة «المايسترو» في ضيفتيه، وبالتالي في من تمثلان، أنهم لا يملكون سوى الغرائز التي لعب عليها نيشان لإبراز صفة أميري الحرب للمتنافسين عبر مي وريما.
يبقى أن نؤكد لنيشان أنه إعلامي ناجح بكل ما في الكلمة من معنى، وإن كنا نطمح له بأن يكون «مايسترو» وطنيا ناجحا، وهذا ليس بصعب.. وليس بكثير عليه.
دبي ـ غسان الحبال
