تعود الناس طوال قرون ماضية على أن رمضان هو شهر التكافل لا شهر التغافل، وشهر المرحمة لا شهر «الملحمة»، ولا يجب أن يسمح لأى أحد أن يحيل حياة الناس سواء في شهر رمضان أو طوال شهور العام إلى «ملحمة» لا إلى مرحمة.
ولكونه شهر الخيرات والبركات، كانت الحكومات في بلاد المسلمين تستعد لتقديم العديد من المكرمات لشعبها في هذا الشهر، من عناية بالعلماء، ورعاية للمساجد، وتيسير للمعتمرين، وإراحة للصائمين، وإعانة للمحتاجين، وتوفير للسلع الرمضانية، وتخفيض لساعات العمل، وخفض لأسعار اللحوم والأسماك والسلع الأساسية، بل كانت بعض الحكومات تحرص على افتتاح مشروعات التنمية الكبرى في رمضان بما يوفر عملا لعاطل أو يفتح بيتا لأسرة جديدة.
وإلى جانب جهود الحكومات كنا نرى العديد من المبادرات الأهلية من أهل الخير تجاه الأقارب والجيران بل وتجاه كل إنسان. وكانت الغرف التجارية تتبنى مبادرات التجار بالتخفيضات الرمضانية للأسعار، والجمعيات الخيرية تتبنى إقامة سرادقات الإفطار وموائد السحور، ويسعى المجتمع بمؤسساته وبأبنائه إلى أن يجعلوا الزكاة عونا للمساكين وقضاء للدين عن المدينين، تعبيرا عن التكافل المجتمعي وتأكيدا للتراحم بين المسلمين.
وكيف يكون مالك العقار مسلما حقا وهو يغالي في زيادة الإيجار على نحو غير معقول على الناس استغلالا لأوضاع معينة، وجمعا لمزيد من المال بلا مبرر مشروع بما يسبب معاناتهم ويرهق ميزانياتهم، ويربك حياتهم، ومع ذلك تراه مصليا وصائما ومرتاح الضمير؟ بل كيف لبعض البلديات التي هي في الأساس أجهزة للخدمات لا للاستثمارات منافسة أصحاب العقارات المغالين في الإيجارات وتفعل مثلهم بفرض إيجارات غيرمعقولة على المساكن التي تبنيها خاصة لمحدودي الدخول بعقلية استثمارية اقتصادية بعكس الأهداف الاجتماعية الخدمية التي أنشئت أصلا لتحقيقها خدمة للمجتمع و لرفع المعاناة عن محدودي الدخل من المواطنين والمقيمين المستأجرين والمستهلكين الذين باتوا يشتكون لرب السماء من نار الغلاء؟
وكيف يكون المورد أو التاجر مسلما حقا وهو يرفع أسعار الخضر والفاكهة والتمور واللحوم والأسماك إلى مستويات غير معقولة تزيد عما كانت عليه من غلو قبل رمضان،لأنه يحتكر السلعة ويتحكم في أسعارها، ولا يمنعه ذلك من الصيام والقيام والتسبيح ؟ وكيف يكون صاحب العمل مسلما حقا وهو يزيد على عماله ساعات عملهم، أو يشغلهم تحت الشمس رغم الحظر، خاصة في رمضان الذي يجب أن يمنح الإنسان فيه جهدا أقل و مساحة أكبر للراحة وللعبادة حيث أن الصيام يضعف قدرة العامل على العمل بسبب الجوع والعطش، فهل المطلوب هو زيادة إرهاق العمال الصائمين في بلاد المسلمين؟
بل كيف تنفرد بعض الهيئات بتبكير موعد الدوام بدلا من تأخيره سيرا عكس طبيعة الأشياء في غير مراعاة لحاجة الإنسان إلى شيء من الراحة بعد السحور وصلاة الفجر حتى يأتي العمل قادرا على الإنتاج لا مضطرا إلى الدوام دون أي إنتاج؟
ثم أين رقابة المسؤولين أمام الله أولا وأمام الناس ثانيا وأمام ضمائرهم ثالثا. وكيف يكتفون بمراقبة الأسواق دون مراقبة الأسعار ودون تدخل جدي وحاسم لإطفاء نيران الأسعار التي تواصل سعارها بلا ضابط ولا رابط. والحجة «السوق عرض وطلب» والسوق لدينا حر فلماذا لا تقوم الحكومة الرشيدة التي تسعى لراحة المواطنين والمقيمين بزيادة المعروض ليقل الطلب عن العرض بجدية وبسرعة وباتباع كل البدائل بتوجيه مزيد من الاستثمارات لإيجاد مصادر إنتاج جديدة زراعية وصناعية، ومصادر استيراد جديدة، وفتح الأبواب لمستوردين جدد لمنع الاحتكار ولمنع الاستغلال.
إن وزارة الاقتصاد وعدت الناس بعدم السماح بارتفاع الأسعار لكن الأسعار ارتفعت ولاتزال ترتفع، ولا أدري هل رغما عنها أم برغبة منها؟ والتردد في التدخل من قبل الوزارات والهيئات والبلديات لوقف مسلسل ارتفاع الأسعار وتصاعد الايجارات على متوسطى ومحدودي الدخول سواء من المواطنين أو من المقيمين إلى حد اللا معقول بحجج اقتصادية وفلسفية مختلفة هو أمر غير مقبول.
ويبقى الاقتصاد حرا فقط ما لم يضر.وأجهزة الدولة مهمتها إحداث التوازن بين قطاعات وفئات المجتمع حتى لا يتحكم القوي في الضعيف أو تكون حرية الكسب لطرف معناه حرية الإضرار بالآخرين فلا يجب الاكتفاء بالحفاظ على حرية السوق مع غياب آليات التوازن والاستقرار.
فيا من بيدهم مقاليد الأمور ومن نثق أنهم لا يمكن أن يرضيهم أن يتحمل الضعفاء تحت ولايتهم عنت أو جور، وحتى يرفع الناس أيديهم لكم بالدعاء، فارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.
مستشار اعلامي