تزخر وثائق مجلس التعاون الخليجي وقراراته بالكثير من الوثائق والتوصيات التي تؤكد أهمية التنسيق المستمر وتحقيق التكامل في المجال الصناعي. ومع ذلك نلاحظ للأسف أن ما تحقق على هذا الصعيد هو أدنى بكثير من طموحات وتطلعات الصناعيين في المنطقة، حيث انه على الرغم من الجهود الطيبة التي بذلت في مجال تطوير وتعزيز التعاون الصناعي بين دول المجلس، ووضع الأطر والأنظمة والتشريعات اللازمة له مع المساعي التي بذلت باتجاه وضع قواعد موحدة لإعطاء الأولوية للمنتجات ذات المنشأ الوطني ونظام حماية المنتجات الصناعية وقواعد تنسيق وتشجيع إقامة المشاريع الصناعية والاهتمام بالتنظيم الصناعي إلا أن هذه الجهود التي بذلت طيلة الفترة الماضية بقيت في إطار محدود للغاية، ولم تحقق الفاعلية المطلوبة، لأنه في الغالب بقيت في اطر وأنظمة وتشريعات استرشادية غير ملزمة.

وإذا كانت هناك بعض الخطوات الأخرى التي سعت نحو تشجيع ودعم الصناعة وتوسيع السوق أمامها عبر تنمية التجارة البينية بين دول المجلس، وإعفاء المنتجات ذات المنشأ الوطني من الرسوم الجمركية والسماح لها بالتحرك بحرية من خلال تسهيل إجراءات تنقلها عبر الحدود، إلا انه على صعيد الواقع العملي ما زال كثير من الصناعيين الخليجيين يصطدمون ويصدمون بمعوقات كثيرة، خاصة لدى المنافذ الجمركية، فالكثير من الصناعات الخليجية تواجه مشكلات عديدة تكمن في الإجراءات الإدارية التي تفسر القرارات المتعلقة بالعمل الاقتصادي الخليجي المشترك بشكل مغاير لا يخدم الأهداف المنشودة من تلك القرارات.

كما لا يزال موضوع تأهيل المصانع الوطنية لمنح منتجاتها صفة المنشأ الوطني يعاني من عقبات تحول دون تنفيذه كما يجب مما أسهم في محدودية المصانع الخليجية المستفيدة من هذا القرار.

كما يفاجأ الصناعيون في بعض الأحيان بصدور قرارات لا ترسخ مبدأ المواطنة الاقتصادية بين أبناء دول مجلس التعاون في الوقت الذي يجري الحديث فيه عن تلاشي الحدود والحواجز الاقتصادية بين الدول ونطالب بتهيئة قطاعاتنا لكي نتكيف مع التحولات الاقتصادية الجارية حاليا تحت مظلة العولمة الاقتصادية وبالأخص القطاع الصناعي.

إن المطلوب المبادرة إلى إزالة كل أشكال الحواجز والقيود التجارية والاقتصادية بين دول ومواطني مجلس التعاون وتحقيق مشروع السوق الخليجية الموحدة خاصة وان دول المجلس تمتلك كل مقومات الوحدة الاقتصادية التي لو استغلت كما يجب لحققت للمنطقة ذلك الهدف المنشود من التكامل والتنسيق من خلال حرية التجارة، وانتقال البضائع والمنتجات والخدمات وانتقال رؤوس الأموال واستثمارها وحرية انتقال العمال والقضاء على أي حواجز مصطنعة فيما بين دول المجلس، كما سيمكن ذلك الدول من تحقيق أقصى استفادة ممكنة من توجهات عولمة الاقتصاد.

ولا تزال دول مجلس التعاون تسير بتباطؤ في تنظيم الحياة الاقتصادية لمجتمعاتها إذا ما قورنت بسرعة التطورات الاقتصادية العالمية. فهذه التطورات ستحدث تحولات كبيرة في دول مجلس التعاون. وستكون لها انعكاسات مباشرة على القطاع الصناعي في المنطقة الذي سيكتشف مدى استعداده لمواجهة انفتاح الأسواق بين الدول، ومدى قدرته على المنافسة الحادة، التي لن ترتكز على الأسعار فحسب، بل تعتمد على الجودة والإدارة، ومنافسة الابتكار والتميز الصناعي ولا بد لدول المجلس بدعم صناعاتها بوضع سياسة صناعية جريئة واستراتيجية واضحة للتنمية الصناعية.

إن دول المجلس لا تزال تفتقر إلى جهاز خليجي موحد يأخذ على عاتقه تنفيذ استراتيجية صناعية خليجية واضحة المعالم والأهداف. وإذا كانت هذه الاستراتيجية قد تم الاتفاق عليها بالفعل، فان اللافت للنظر في خصوص هذا الموضوع أن الصناعيين وهم أصحاب العلاقة المباشرة والجهات المعنية بالصناعة في القطاع الخاص لم يقوموا بتنظيم أية فعاليات تذكر لمناقشة هذه الاستراتيجية.

والفترة المقبلة حرجة بالنسبة لقطاعاتنا وأنشطتنا الصناعية، بل لكل قطاعاتنا الاقتصادية، وانه يتعين على دول المجلس ان تسارع في إحداث نقلة نوعية في مسيرة التعاون والتكامل الاقتصادي بحيث نتخلص من الازدواجية في إقامة المشاريع والصناعات ونخلق التكافؤ المنشود في تطبيق القرارات، وان يكون لهذه الدول موقف موحد إزاء كل التطورات الجارية وتلك المستجدات المرتقبة تحت مظلة العولمة الاقتصادية ومتطلبات منظمة التجارة العالمية.

ولابد ان تكون الخطوات التي تتخذها دول المجلس مدروسة بعمق من كافة الجوانب تجاه كل ما يتعلق بتعاملها مع توجهات ومتطلبات عولمة الاقتصاد وانفتاح الأسواق وإزالة الحواجز والقيود التجارية بين الدول، بروح تتسم بالانسجام والتوافق وترتكز على الموقف الموحد بين دول مجلس التعاون الخليجي تجاه كيفية تعاملها مع تلك التطورات بحيث لا نكون متسرعة.

إن الصناعات الخليجية معرضة لمخاطر وتحديات جمة مع اتجاهات العولمة، خاصة في ظل عدم معرفة الكثير من الشركات والمؤسسات الصناعية بآثار اتجاهات العولمة، ونتائج تطبيق اتفاقية (الجات) التي نجم عنها قيام منظمة التجارة العالمية. ولا نبالغ في القول بان الكثير من الصناعيين الخليجيين يبدون تخوفهم من التأثيرات السلبية لتلك التطورات إلى درجة تصل إلى حد التخوف من اختفاء بعض الصناعات المحلية خاصة مع ازدياد حدة المنافسة التي ستكون على أكثر من مستوى.

كاتب ومحلل اقتصادي