أوضح تقرير حديث مدى الإقبال المتزايد من الداخل والخارج للاستثمار بمنطقة الخليج، كما عرضت فيه حقائق استثمارية جديدة تبشر ببناء خليجي أكثر قوة في المستقبل القريب، وبحيث يدفع الدول الخليجية إلى انتهاج سياسات متناسقة وأنظمة متكاملة وإنشاء عملة خليجية موحدة، وبما يتساوى مع التطورات التي حدثت بالدول الأوروبية وقادتها إلى تأسيس الاتحاد الأوروبي الحالي الذي نقل أوروبا من دول متفرقة إلى وحدة لها قوتها المسموعة في جميع أنحاء العالم.

وذكر التقرير حقائق جديدة وغريبة عن استثمارات مباشرة واردة من الخارج ومدعومة من الداخل، لخص بعضها فيما يلي:

ذكر التقرير أن هناك مجموعات استثمارية خاصة من أوروبا والولايات المتحدة ومن آسيا، أصبحت تتخذ من منطقة الخليج مقراً لاستثماراتها، وأنها سوف ترفع قيمة الأصول التي تديرها وتستثمرها في المنطقة إلى رقم قياسي بالنسبة لها قد يتجاوز 13 مليار دولار في نهاية هذا العام، يضاف إلى هذا الرقم قيمة رؤوس الأموال الضخمة الواردة من الأثرياء العرب من الدول العربية ومن الخارج.

وهو ما سوف يساهم في إقامة نهضة صناعية كبرى بمنطقة الخليج تكون دعماً للصناعة العربية التي تنتج المواد الاستهلاكية التي تستهلكها الدول العربية بينما تستوردها حالياً من الخارج، خاصة وأن هناك تقديرات لرؤوس أموال عربية خلال السنوات الخمس المقبلة تصل إلى ثلاثة أضعاف الرقم الحالي، وفقاً لما ورد بالبحث الذي أجرته رابطة الخليج لرؤوس الأموال المخاطرة.

كما ذكر رئيس العمليات في مجموعة «انفستكورب» المدرجة في بورصة البحرين والتي تعتبر واحدة من أعرق مؤسسات الاستثمار الخاصة في العالم، أن نحو مليارين ونصف المليار دولار أميركي من الثروات القابلة للاستثمار موجودة في دول مجلس التعاون الخليجي الست من دون استثمار، وبالتالي فإن استثمارها سيجعل منطقة الخليج من أسرع مناطق العالم من حيث نمو ثروات الاستثمارات الخاصة.

بالإضافة إلى ما تقوم به المؤسسات الاستثمارية المحلية التي تستمد قوتها من التغيرات الهيكلية التي تشهدها دول مجلس التعاون الخليجي والتي تساعد في إتاحة الفرصة للاستثمار الخاص لكي يلعب دوراً كبيراً في منطقة الخليج، خاصة في مجال التصنيع، وتقدر رابطة الخليج لرؤوس الأموال المخاطرة أن الاستثمارات الجديدة ستصل إلى 20 استثمارا بنهاية هذا العام، وهو ما سوف يزيد كثيراً على سقف الأموال التي تم استثمارها في العام الماضي.

عرض التقرير ما ذكره «كوين تايلور» رئيس دائرة الاستثمارات في بنك كريديه سويس في أوروبا من أن هناك نسبة عالية من السيولة النقدية تنتشر في كل دول الخليج، وأن جزءاً كبيراً منها، على غير العادة، يفضل أصحابه استثماره داخل المنطقة، وهو اتجاه جديد لكل المستثمرين الخليجيين الذين يشاهدون بناء كبيراً يجري إقامته في مناطق مختلفة داخل المنطقة، ويضاف إلى ان تطور الأنشطة في القطاع الخاص والنمو الذي شهدته أسواق رأس المال قبل هذا العام ولأغراض التمويل يؤكد هذا الرأي.

ونظراً لأن المستثمرين الخليجيين قد ضخوا عشرات مليارات الدولارات على صورة رؤوس أموال في مجموعات استثمارية خاصة خلال السنوات القليلة الماضية لأغراض استثمارها، فإن من المتوقع ان يسجل معدل الاستثمارات التي تم ضخها في المشروعات المحلية نمواً أسرع، وخاصة بعد الانخفاض الحاد الذي شهدته الأسواق المالية المحلية في مارس الماضي.

ان أضخم صفقة في الاستثمارات الخاصة خلال النصف الأول من هذا العام تمثلت في عملية استثمار مبلغ 75 مليون دولار أميركي قامت بها شركة أموال الخليج التجارية في شركة أموال، كما أن الاستثمار الأجنبي سيشهد ارتفاعاً حاداً في أغلب دول الخليج خلال السنوات الأربع المقبلة، غير أنه سيتزايد في الإمارات باعتبارها أكبر دولة خليجية تتجه إليها التدفقات الرأسمالية في المنطقة وسوف يصل إلى 7,13 مليار دولار أميركي في عام 2010، خاصة وان هناك مشروعات صناعية كبرى وقوانين جديدة تسمح للأجانب بشراء العقارات وتشجعهم على جذب استثمارات أجنبية ضخمة للإمارات من داخل المنطقة ومن خارجها ـ آسيا والدول الغربية، وقد أدت فعلا إلى زيادة هذه الاستثمارات خلال العامين الأخيرين.

يتوقع التقرير للدول الخليجية التي فتحت قطاعات استراتيجية جديدة أمام المستثمرين الأجانب زيادة كبيرة لحجم الاستثمارات المباشرة خاصة بالنسبة للسعودية التي جذبت استثمارات مباشرة بحوالي مليار دولار أميركي عام 2005، وذلك بعد أن فتحت قطاعات عديدة أمام المستثمرين الأجانب منها قطاعات الاتصالات وتحلية المياه والكهرباء، ومن المتوقع أيضا ارتفاع هذه الاستثمارات في كل من الكويت وقطر والبحرين، وخاصة من تلك الواردة من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي للاستثمار في مشروعات الكهرباء والطاقة. ويؤكد «سايمون ويليامز» الخبير في بنك H.S.B.C ان هذه التوقعات متحفظة، وان الاستثمارات ستتزايد بشكل أكبر بالمنطقة.

وفي مجال الثورة الاستثمارية التي تحدث حاليا بالخليج وبالإضافة إلى الحقائق التي ذكرتها مجلة «الفاينانشيل» البريطانية، فإن هناك استثمارات أخرى لم تذكرها أجهزة الإعلام بشكل واضح، مما يؤكد أن هناك بناء خليجيا جديدا وقوياً ومتقدما سيظهر في السنوات القليلة المقبلة وسيقف بقوة وسط عالم متغير لا يعمل حسابا إلا للأقوى، ومن هذه الاستثمارات الجديدة التي تم الإعلان عنها وذكرتها بعض التقارير الأخرى ما أكدته بعض التقارير التي تصدرها مراكز أجنبية محايدة أن المشروعات المخطط لها في منطقة الخليج والتي تقوم في ضوء زيادة الإيرادات النفطية وطرح قوانين أجنبية تتعلق بالملكية العقارية والصناعية والمعدنية. هذه المشروعات ستتجاوز التريليون دولار أميركي في مجالات اقتصادية متعددة.

وهو ما سوف يجعل منطقة الخليج أكبر سوق مشروعات عالمية على أساس معدل نصيب الفرد، كما ستجعل منطقة الشرق الأوسط بمجملها ثاني اكبر حصة عالمية في تمويل المشروعات، وقد أبرمت فعلاً عقود لإنشاء مشروعات جديدة خلال النصف الأول من عام 2006 تبلغ قيمتها 44 مليار دولار أميركي.

ـ هناك عدد كبير من المدن الصناعية على وشك الإنشاء في الخليج خاصة في دبي حيث المشروعات الكبرى التي تعتبر من أضخم المشروعات في العالم، كما انشئ في مدينة مكة المكرمة مدينة «أم القرى الاقتصادية» بتكلفة تجاوزت العشرة مليارات دولار أميركي، كما ان هناك مدينة أخرى سيتم انشاؤها بالسعودية تم اختيار موقعين كمقر لهذه المدينة ـ الأول على طريق مكة المكرمة جدة السريع بالقرب من منتزه مكة الوطني والثاني بمنطقة الشعيبة، وسوف تضم عددا كبيرا من المصانع، كما ان هناك مخططا من رجال الأعمال السعوديين لإنشاء مدينة اقتصادية متكاملة تربط مكة المكرمة بمدينة جدة.

تعتزم البحرين بناء جزيرة صناعية للاستجمام بتكلفة اجمالية قدرها 30 مليار دولار أميركي، وقد تم توقيع مذكرة التفاهم الخاصة بإنشاء هذه الجزيرة والتي ستبلغ مساحتها 2718 فدانا شمال شرقي البحرين، وتقوم شركة انجليزية بوضع المخطط العام للمشروع والذي سيضم مجموعات سكنية وفنادق ومدارس ومستشفيات ومتاجر، ويساهم في إنشاء المشروع المواطنون البحرينيون والخليجيون بوجه عام بالإضافة إلى الجهات الرسمية المعنية بالاستثمار والتنمية الخليجية.

ـ وفي مجال جذب الاستثمار أجرت الإمارات تعديلات جذرية في قوانين وقواعد الاستثمار والملكية في اطار خطتها الطموحة التي تهدف إلى استقطاب 160 مليار دولار أميركي كرؤوس أموال خليجية وأجنبية خلال السبع سنوات المقبلة ومن بينها بناء 18 مدينة صناعية ستقام فيها صناعات مختلفة من البترولية إلى البتروكيماوية والمنتجات الغذائية والمعادن الأخرى، وخصصت لكل مدينة 10 كيلومترات وحصة من رؤوس الأموال المستقدمة قدرها 2,8 مليارات دولار أميركي، وذلك تنفيذا لسياسة الإمارات التي تهدف الى تنويع الموارد الاقتصادية.

وهكذا فإن هناك مشروعات خليجية ضخمة سيكون لها دورها الكبير في تغيرات اقتصادية عالمية لصالح دول الخليج، وطالما تم التنسيق بين هذه المشروعات على أسس اقتصادية سليمة فسيحسب العالم لها حسابها ويعطي لها وزنها، وهو ما جعلني اطرح اقتراح انشاء غرفة عمليات استثمارية تحت اشراف مجلس التعاون الخليجي، حتى تتكامل المشروعات في المنطقة ولا تتنافس إلا في الايجابيات وللإنتاج الأوفر والأفضل لكي لا تضيع هذه الفرصة كما ضاعت فرصة ارتفاع أسعار البترول في عام 1973.

حيث لم تستفد منها الدول الخليجية حينئذ بينما استفادت منها الدول الأجنبية عن طريق الأموال العربية المتوافرة والتي هاجرت للاستثمار فيها والتي تبلغ حاليا ما يزيد على تريليون دولار وفقا لتقديرات البنك الدولي.

مستشار وكاتب اقتصادي مصري