اتسم السلوك الإنساني بخاصية التنافس على مر التاريخ، خاصة في السلوك الاقتصادي/التجاري. والمتأمل لحال التنافس في عصرنا الحالي ـ عصر العولمة ـ يجده أصبح أكثر تغلغلا في مختلف الأنشطة الإنسانية الربحية وغير الربحية، حيث ارتبط بالاستمرارية والوجود. ذلك أن تمازجا وتداخلا بين المنافع المادية والمعنوية، أصبح هو السائد والمحرك الرئيس لمعظم الأنشطة البشرية، بحيث انعكس على خيارات المؤسسات فيما يتعلق بمنتجاتها والخدمات التي تقدمها، وقادها إلى مزيد من التجويد والتخصص.
وفي ظل هذا التنافس المحتدم، برز مفهوم التعهيد Outsourcing ليشير إلى الترتيب الذي بمقتضاه تقوم مؤسسة ما ـ أكثر تخصصا ـ بتوفير خدمة لمؤسسة أخرى تحتاج لهذه الخدمة ولكنها ليست ضمن نطاق اهتمامها الدقيق. فقد تلجأ مؤسسة صناعية إلى تعهيد خدمة الترحيل إلى مؤسسة مواصلات أو شحن متخصصة مقابل مبلغ محدد ولفترات طويلة، لتتفادى بذلك المشاكل الناتجة عن تسيير قطاع الترحيل من حيث اقتناء المركبات والصيانة وإدارة العنصر البشري.
وقد استفادت صناعة تكنولوجيا المعلومات من فكرة التعهيد، في تصنيع مكونات الحواسيب، ومؤخرا في صناعة البرمجيات التي استفادت منها الهند والصين، وقد عمت الفائدة جميع المؤسسات التي لجأت إلى التعهيد، اقتداء بالمثل الداعي لإعطاء الخبز لخبازه.
يقصد بالخدمات الإعلامية: قيام المؤسسة بممارسة العمل الإعلامي عبر وسيلة اتصال جماهيري (كتاب - مطبوعة دورية - محطة إذاعية - قناة تلفزيونية - موقع على الويب...) تتوجه ـ من حيث الشكل والمضمون ـ إلى جمهور مستهدف من لدن المؤسسة.
فالتنافس المحتدم الذي أشرنا إليه سابقا واتساع نطاق عمل المؤسسات - خاصة الاقتصادية/التجارية منها ـ بفعل تعدد الجنسيات والعولمة، دفع العديد منها إلى الاستفادة من ثورة الإعلام الذي أصبح يستهدف المتلقى أنى وجد على ظهر البسيطة أو في الفضاء الخارجي. وقد أصبحت الخدمات الإعلامية ضرورة ماسة لكل مؤسسة طموحة تسعى لترسيخ أقدامها في السوق. فهذه الخدمات لا تقتصر فقط على المحافظة على مكتسبات المؤسسة، بل عملت كوسيلة للنمو والتوسع، وهذا ما درجت عليه معظم المؤسسات الحديثة بحيث تولد ومعها وسيلتها الإعلامية في شكل موقع إلكتروني على شبكة الويب.
أما مفهوم الخدمات التواصلية فهو أكثر اتساعا بحيث يشمل كل عمليات التواصل الداخلي بين العاملين في المؤسسة، أفقيا ورأسيا، سواء عبر التواصل البينشخصي Interpersonal المباشر وغير المباشر، أو التواصل الجماهيري (باستخدام وسائل الإعلام)؛ كما يشمل التواصل الخارجي الذي يتم بين المؤسسة ومحيطها المشكَّل من زبائنها ومنافسيها والسلطات التي تنظم أنشطتها. ولكي تمارس المؤسسة التواصل الفعال، تلجأ إلى خدمات العلاقات العامة والخدمات الإعلانية قصد تحسين صورة المؤسسة والترويج لمنتجاتها بين أفراد الجمهور المستهدف وتطوير أساليب فعالة للتواصل الداخلى تجمع بين التدفق السلس للبيانات والمعلومات والأفكار والحفاظ على السرية اللازمة.
إن جل نظريات الإدارة ـ قديمها وحديثها ـ تولي أهمية للخدمات الإعلامية والتواصلية، ويتضح ذلك جليا من خلال تطور علمي التسويق التجاري والتسويق الاجتماعي وما توصلا إليه من مزيج ترويجي، حتى أصبحت هذه الخدمات إحدى مقاييس الجودة والنجاح التي تقيّم على ضوئها المؤسسات.
يتسم النشاط الإعلامي بصفة خاصة والتواصلي بصفة عامة بتعقيداته الناشئة من كونه يجمع بين الخدمة والصناعة؛ ويجمع بين العنصر البشري بكل تعقيداته النفسية والاجتماعية، والتكنولوجيا التي تتطور بكيفية متسارعة يصعب ملاحقتها؛ والنتاج الإعلامي والتواصلي الذي يعتمد على الجمع بين العلم والخبرة والموهبة؛ كما أن جمهور المستهلكين للنتاج الإعلامي، يصعب اصطياده أو إرضاء رغباته بسبب تعدد الخيارات.
لكل هذه التعقيدات، يصعب على العديد من المؤسسات أن توفر الإمكانيات البشرية والمادية اللازمة لوحدات داخلها قادرة على ممارسة النشاط الإعلامي بكيفية احترافية فعالة. وهكذا تبرز الحاجة لتعهيد الخدمات الإعلامية والتواصلية، في وقت أصبحت فيه جل المؤسسات ـ وعلى رأسها المؤسسات الاقتصادية ـ تميل نحو التخصص الدقيق قصد التجويد والمنافسة في بيئة العولمة.
تبين العديد من المحاولات والتجارب الواقعية، أن تعهيد الخدمات الإعلامية والتواصلية، ليس بالأمر السهل. فهو ليس كتعهيد الخدمات الأخرى، مثل النقل أو توفير الغذاء، أي كل الخدمات التي تقدم سلع ملموسة. الخدمات الإعلامية والتواصلية ـ باعتبارها سلع غير ملموسة ـ تتوجه إلى الإنسان وتهدف إلى استمالته واقناعه وجعله يتبنى اتجاها إيجابيا نحو صورة ذهنية تريد لها المؤسسة المعنية أن ترسخ في الأذهان، وهذه المهمة تعتبر من أصعب المهام التي قد تواجه المؤسسات التي حرمتها العولمة من امتيازات الاحتكار وإجبار المستهلكين على استهلاك منتج أو خدمة ما.
فعند محاولة تعهيد الخدمات الإعلامية والتواصلية تبرز الأسئلة/الإشكاليات التالية:
كيف تستطيع جهة من خارج المؤسسة أن تقدم روح المؤسسة ونقاط قوتها وتميزها للجمهور، خاصة وأن هذه الجهة تقدم خدمة مشابهة لمؤسسات أخرى قد تشترك في النشاط نفسه؟
بحكم أن لكل مؤسسة أسرارها المهنية الداخلية، إلى أي مدى يجب السماح للجهة المقدمة للخدمة الإعلامية والتواصلية بالإطلاع على نشاط المؤسسة؟
ما هي فرص الاستمرار في التزود بالخدمات الإعلامية والتواصلية من جهة واحدة حتى لا يتغير النهج ويضيع التراكم المعرفي؛ وفي الوقت ذاته، خطورة أن تركن الجهة المقدمة للخدمة إلى الرتابة وعدم التجديد والابتكار؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تستدعى توفر الوعي اللازم بطبيعة الخدمات الإعلامية والتواصلية من لدن المؤسسة، وإنجاز بعض الترتيبات لضمن نجاح العملية، ويتطلب الأمر توفر مجموعة من المواصفات والشروط في الجهة المقدمة للخدمة الإعلامية والتواصلية:
أولا: على المؤسسات أن تعي جيدا أهمية الخدمات الإعلامية والتواصلية وتحدد حجمها بدقة ضمن مكونات السلعة المنتجة، وتضيف تكلفتها للسعر، حتى لا يصبح توفير هذه الخدمات نافلة.
ثانيا: إذا قررت المؤسسة أن تقوم بتعهيد الخدمات الإعلامية والتواصلية، فهي تظل في حاجة إلى فرد أو مجموعة أفراد لكي يقوموا بالتنسيق بينها وبين الجهة المقدمة للخدمة. لابد أن تتوفر المؤسسة على إعلامي من داخلها قادر على التنسيق والربط، وقادر على تقييم مدى جودة الخدمات المقدمة.
ثالثا: إشاعة ثقافة الإعلام والتواصل بين أفراد المؤسسة من خلال التدريب، حتى يستطيعوا المساهمة في خلق صورة إيجابية عن المؤسسة، ويتمكنوا من تقديم البيانات والمعلومات اللازمة للجهة المقدمة للخدمة.
رابعا: على المؤسسات أن تبحث عن الجهات التي تتوفر فيها شروط الخدمة الجيدة، وألا تكتفي بالأرخص، فالأمر يستحق أن تسخر له الإمكانيات اللازمة.
خامسا: التخصص في تقديم الخدمات الإعلامية والتواصلية يتطلب تكامل مجموعة من العناصر القائمة على استقطاب إعلاميين يتسمون بالكفاءة والقدرات الخلاقة والقدرة على تقديم أفكار أصيلة؛ والاستعانة بأحدث تكنولوجيات المعلومات والاتصالات؛ وتوفير البيئة التي تساعد على الإبداع تحت الضغط الذي هو سمة من سمات العمل الإعلامي.
سادسا: تقديم خدمة إعلامية وتواصلية لمؤسسة ما يحتاج إلى بذل جهود بحثية كبيرة للتعرف على طبيعة المؤسسة والقدرة على التكيف معها وفهمها حتى يستطيع الإعلامي أن يروج لها أو يقترح عليها أساليب تواصلية ناجعة.
سابعا: العمل الإعلامي يقوم على العلم والخبرة والموهبة والاستعداد للعطاء، وقد أصبح في عصرنا الحالي - عصر الإغراق الإعلامي والتواصلي - في غاية الصعوبة، لذا لا يمكن لكل من هب ودب أن يقدم خدمات إعلامية وتواصلية. وهنا تبرز ضرورة اضطلاع مؤسسات التعليم العالي الإعلامي، بمهمة تزويد السوق بإعلاميين متخصصين مبدعين قادرين على العمل في بيئة التعهيد.
ثامنا: على الجهات المقدمة للخدمات الإعلامية والتواصلية مواكبة التحولات الجذرية التي تحدث في الميدانين الإعلامي والتواصلي بفضل استخدام شبكة الإنترنت وبروز شبكة الويب كأكبر وسيلة عالمية للتواصل وكأكبر أداة في يد العولمة الاقتصادية والمعرفية. على هذه الجهات أن تستخدم الإعلام الإلكتروني بفعالية حتى تقدم للمؤسسات خدمات تمكنها من الوصول إلى أكبر شريحة من الجمهور المستهدف، وبتكلفة أقل.
تاسعا: يجب على الجهات المقدمة للخدمات الإعلامية والتواصلية، أن تدرك جيدا طبيعة الجمهور في عصرنا الحالي الذي يتسم يتشتت عملية التلقي وتعرض الجمهور لكم هائل من الوسائل الإعلامية والتي تمطره بالبلايين من الرسائل التواصلية اليومية، حتى أصبح من الاستحالة بمكان تشكيل رأي عام حول قضية معينة. وعليها أن تطور أدواتها التي تستخدمها في دراسة الجمهور وتحديد اتجاهاته.
ومن خلال الوعي المتنامي بأهمية التواصل الفعال في كل الأنشطة الحياتية، يبدو أن مستقبل تعهيد الخدمات الإعلامية والتواصلية واعد بالكثير من النجاحات كاستثمار لمن يتخصص في هذا المجال.
خاصة وأن تعدد وتطور أساليب الممارسة الإعلامية ودخول الوسائط المتعددة كنهج لتقديم الرسائل التواصلية الفعالة، ساهما في جعل الخدمات الإعلامية والتواصلية أفضل وسيلة للربط بين المنتج والمستهلك. كما أن تعهيد الخدمات الإعلامية والتواصلية يعد دارسي وممارسي الإعلام بتحقيق طموحاتهم في أن يتحولوا من مجرد موظفين إلى مستثمرين قادرين على جني فوائد ما يقدمونه من إبداع.
أستاذ الإعلام المساعد بجامعة عجمان