«التطوير العقاري في أي مكان في العالم لا يعني بالضرورة إطلاق مشاريع لا طعم لها» بهذه العبارة اختصرت المهندسة زينة مالك حال بعض المشاريع التي يعلن عنها من دون أن يراعي المهندس أو المالك خصوصية تلك المشاريع ومتطلبات الشريحة الإنسانية التي تستهدفها.

وبينما رفضت مالك تسمية مشروع بعينه إلا أنها اكتفت بالقول «الذين يطورون مشاريع لتحقيق أرباح مالية سريعة دون أن يقدموا خدمة لمدينتهم يعرفون أنفسهم ويعرفون أن خاتمة هرولتهم في السوق بهذه الطريقة لن تكون وردية».مالك التي ترأس شركة تحمل اسمها « كونسبت باي زينة مالك» المتخصصة في حلول المفهوم والمعنى الهندسيين والتجربة الإنسانية للمشروع العقاري، كانت على ما يبدو تشن هجوماً غير مباشر على بعض المشاريع لكنها في الوقت ذاته كانت حريصة على وضع الحلول دون ترك عرض معاق للمشكلة. ولت، أي بنفسها عن تهمة «كيل التهم» بدون وجه حق في سوق عقاري باتت المنافسة فيه أشبه بكسر العظم على حد وصف مالك.

التجربة

وضعت مالك على الطاولة «كومة» من الكتب والملفات والخرائط والرسوم إلى جانب «أعصابها» !! تقول إنها كثيراً ما تفقد أعصابها عندما ترى مباني على شكل علب سردين أو على شكل «إهانة للعين البشرية ولذائقتها البصرية»®®®. مالك لا تعرف توجيه الإهانات لمنافسيها لأنها تحترمهم لكنها إذا ما اضطرت إلى توجيه نقد عنيف لأحد المشاريع فإنها ستكتفي بالقول بأنه «مزعج»!!

على أية حال فإن ما يلفت الانتباه في تلك الكومة من الكتب، كان هناك «كتيب، أو أجندة» بدا شبيهاً بأجندات «ضباط البوليس». وبضحكة بريئة قالت مالك «هذه الأجندة الأكثر أناقة عندي» لأنها تملك عشرات الأجندات التي يمثل كل منها أجندة لمشروع قامت بوضع «الكونسبت» الخاص به.

سألتها عن مشروع «أبراج هيدرا» الذي تريد شركة «هيدرا العقارية» الإعلان عنه وتريد لإطلاقه حفلاً خيالياَ ربما يحضره رئيس سابق لإحدى الدول المعروفة، فقالت من السذاجة أن اكتفي بالإشارة إلى « أبراج هيدرا» بأنها تحفة معمارية واسكت.. فالمسألة تتعدى التميز في الشكل إلى التفرد في المضمون وصولاً إلى الحد الممكن من الكمال المعماري للمشروع العقاري.

موت المهندس

وقبل أن تدخل مالك في تفاصيل «هيدرا» الذي سيطور في مشروع الخليج التجاري، لم تستطع مالك أن تتمالك نفسها لتذهب إلى منطقة أخرى لتشرح المنطقة التي تعيش فيها !!

اختارت مالك أن تضرب مثلاً على ما يقوم به بعض المهندسين الذين يتولون عملية وضع التصاميم الهندسية لبعض المشاريع العقارية بأنهم يعيشون حالة شبيهة إلى حد ما بما يسمى بـ «موت المؤلف» أو «موت الأدب» والمقاربة التي تقصدها مالك هي «موت المهندس» والعنوان واضح لا يقبل اللبس، يؤكد حقيقة ولا يطرح نبوءة. فهل ماتت الهندسة أو الأدب فعلاً؟ وهل نحن في قرن جديد ماتت فيه أشياء كثيرة ليس أولها موت المؤلف؟

فالمؤلف (أو المهندس)الذي كان يقال عنه ان خياله المبدع هو مصدر الأدب (أو الإبداع الهندسي) قد تم الإعلان عن موته وأنه أصبح مجرد جامع لمتفرقات مختلفة من اللغة والثقافة ليضعها في كتابات لم تعد تسمى أعمالاً بل مجرد كولاج ثقافي (أو خطوط هندسية)!!

مالك ترى ان هناك علاقة وثيقة بين كل ذلك ، فهي ترى ان المهندس صحافي ومؤلف ورجل أعمال وربة بيت ومدرس وكل الفئات والشرائح والمهن التي نعرفها لأنه بالنتيجة يبني لهم كلهم المكان الذي يعيشون فيه أو يعملون فيه باستثناء القبر الذي يختتمون فيه مسيرتهم العمرية !!

وكيف ذلك ؟ تقول المهندسة مالك دعنا نرتب التفاصيل لنرسم المشهد بطريقة أخرى ودعنا نسأل لماذا عندما تزور مجموعة فنادق تجد نفسك في نهاية الأمر مرتاحاً لفندق واحد دون البقية مع أن البقية شبيهة من حيث التفاصيل ببعضها البعض؟ ولماذا عندما تذهب إلى مجموعة مطاعم تجد انك وبدون أن تشعر تريد الذهاب تحديداً إلى مطعم محدد دون غيره عندما تكون أنت صاحب القرار ولست مدعواً أو مجبراً على تلبية دعوة في هذا المطعم أو ذاك تحديداً؟

جواب ذلك لأن المهندس المعماري الذي صمم الفندق الذي أعجبك أو المطعم الذي ارتحت إلى النوم فيه، كان حريصاً عند وضعه للمفهوم والمعنى الهندسي للفندق أو المطعم على خوض التجربة الإنسانية التي خضتها أنت أي انه استبق عملية العيش بالفندق واستشعرها بحسه المرهف وتحسس احتياجاتك قبل أن يضرب ورق الرسم بقلمه ومسطرته...

هذا النوع من المهندسين يستحق أن نشكره لأنه يقدم سلعة عقارية تحترم مشاعرنا وتحترم أجسادنا وتلبي احتياجاتنا، أما المهندس الذي لا تعني له كل هذه الأمور أي معنى فلا ادري في أي خانة أضعه !!

تعود مالك إلى توضيح مسألة تراها مهمة دون أن تنصب نفسها قاضياً على معشر المهندسين وتقول « قبل أن يقرر الشخص دخول كلية الهندسة عليه أن يسأل نفسه .. هل أكون مهندساً وأعيش؟ أم أعيش وأكون مهندساً ؟ أم أصبح مهندساً لأعيش؟ .

.. الإجابة عن هذا الأسئلة تستدعي كماً هائلاً من الاحترام للذات البشرية قبل الإجابة عن أي منها لأن الشخص في هذه الحالة سيحدد أموراً مهمة جداً فهو كما ذكرت سيصمم البيت الذي سنعيش فيه والمكان الذي سنعمل فيه والإنسان بطبعه لا يرغب بالعيش في بيت كئيب رغم انه يظهر فارهاً من الخارج كما انه لا يرغب بالعمل في مكان لا يطاق رغم تأثيثه بأرقى الأثاث.

وبالعودة إلى أبراج هيدرا في الخليج التجاري تقول المهندسة مالك إنها ستقصر كلامها على ما يوفره الفندق على أن تشرح التجربة الإنسانية الخاصة بالبرج الخاص بسيدات الأعمال والذي يعد الأول من نوعه على مستوى المنطقة وربما العالم.

فنادق و5 نجوم

لتصميم فندق ولوضع المعنى والمفهوم الهندسي له والتجربة الإنسانية التي سيوقرها لرواده اجبر المهندسة زينة مالك على «خوض التجربة الإنسانية» في 5 فنادق فئة 5 نجوم، وكانت في كل مرة تحمل «تلك الأجندة البوليسية» معها لكن بشكلها المختلف عن كل مرة فهي تحجز مرة كسيدة أعمال في هذا الفندق وفي الفندق الآخر حجزت بوصفها صحافية وتارة تحت عنوان طبيبة وتارة أخرى كمديرة تنفيذية لشركة علاقات عامة .

.. بالطبع الحجوزات لم تكن تتطلب أن تظهر هوية رسمية توضح طبيعة عملها لأن العملية بسيطة بإمكانك أن تقول ما شئت لأي فندق لأن اغلب بعض الفنادق تنظر إلى جيبك وليس إلى ما ستقدمه لك في مقابل الحصول على ما في جيبك!!

المهم الأجندة البوليسية التي كانت تتجول مع مالك في كل تلك الفنادق كانت للأسف تسجل ذات التفاصيل، كل الفنادق تستقبلك برسالة ترحيب موضوعة على الطاولة واسمك فيها يكاد يكون مكتوباً بأي طريقة عدا انه صحيح، وكل تلك الفنادق تقدم لك الصحن ذاته من الفواكه مع فارق أن هذا الفندق لم يضع برتقالة أو أن ذاك لم يضع موزاً، وكل الفنادق باختصار تقدم لك الخدمة المنقوصة ذاتها مع انك كرجل أعمال تختلف من حيث الرغبة والسلوك والطبائع المهنية عن الطبيب أو سيدة الأعمال أو الصحافي إلى آخره !!

تقول مالك علينا أن نفكر جدياً بالتغيير الذي لا يعني بالضرورة تحطيم جدران الفندق - على سبيل المثال- لنبني حوائط جديدة وبألوان جديدة المقصود هنا علينا أن - كمهندسين- أن نضع تصوراتنا للحاجات الإنسانية للآخرين بعد عشرة سنوات وان نسألهم عن احتياجاتهم وكيف يرغبون ان يكون ارتفاع سقف الغرفة أو مساحة الحمام أو طريقة توزيع الأثاث في الغرفة أو الجناح الفندقي.

تختم مالك « للأسف نحن في العالم العربي نقول ما لا نراه ونرى ما لا نقوله».

فكرة هيدرا

عملت زينة شهوراً طويلة على الخروج بأبراج معمارية مخصصة لرجال الأعمال وباتت تفكر بالمزايا التي يجب توفيرها لأناس يصنفون على أنهم أقوياء ومحظوظون جدا، وقلوبهم دافئة ومليئون بالطاقة الملتهبة وأذكياء ولهم جاذبية لا حدود لها تضمن أن يؤثروا بأفعال الأشخاص المحيطين بهم وتجعلهم مركز الاهتمام ويقدمون النصائح الجيدة.

هذه صفات رجال الأعمال وهي أيضا صفات التنين الذي يرمز قبل كل شيء إلى القوة ودوره الطبيعي هو أن يكون في موقع القيادة وفي المقدمة. وهذا ما حصل بالفعل خرجت المهندسة زينة بمشروع أبراج التنين «هيدرا» وهو يحمل في شكله ومضمونه كل تلك الصفات . ولكن كيف.

كيف؟

تعرف المهندسة زينة بأن دبي لم تعد «ترحب» بأي برج أو مبنى وبأي تصميم هندسي معماري كان، ما لم يكن ذلك المبنى (على صعيد التصميم المعماري والتجربة الإنسانية التي سيوفرها) قادرا على إضافة «شيء ما جديد ومفيد» للمدينة وللمستخدم النهائي سواء أكان ذلك المستخدم مستأجرا أم مالكا ام رجل أعمال أو حتى مستثمرا.

لذلك قامت بتجسيد حركة التنين في الشكل الهندسي لمشروع الأبراج بما يسمح للأخيرة وعبر روحية الشكل النهائي لها بالاستفادة من تلك الحركة التي تعطي للناظر مشهدا جديدا للأبراج كلما تحرك بخطوات أخرى حول الأبراج.

وتجسد ذكاء مالك في إحالة مخيلة الناظر للأبراج أو الساكن والعامل فيها إلى «التنين الأسطوري وحركاته المهيبة» عندما وضعت المصاعد (وعددها 10) التي تنقل رواد الأبراج من خارج الأبراج وليس في داخلها كما جرت العادة، بحيث تتحرك المصاعد على جسد الأبراج الخارجية لتعطي (مشهدا بانوراميا) وإحساسا مختلفا لمن يرتقي بها إلى محل عمله ثم لتعطي تلك المصاعد بحركتها منظرا مفعما بالحركة لمن يمر بالقرب من تلك الأبراج.

ثم كان التحدي الأكبر والأعقد بالنسبة لمالك عندما قررت أن لا تترك ثغرة في الشكل والمعنى الهندسي لأبراج التنين ويتلخص ذلك التحدي بكيفية ربط تلك الأبراج كما يحصل في التنين الذي عادة ما يكون بخمسة رؤوس!! نجحت المهندسة زينة في ربط الأبراج بطريقة غاية في البساطة والتعقيد في الوقت ذاته. فالأبراج ترتبط مع بعضها في طوابق محددة ومعينة وليس في كل الطوابق. والى درجة ان احد المكاتب ربما ستمتد مساحته من برج لتدخل في برج آخر.

العصب التجاري

وضعت المهندسة زينة مالك السر التجاري للمشروع في برج الفندق الذي يصطف إلى جانب باقي الأبراج الأربعة. هذا الفندق سيدار بطريقة غير تقليدية وسيفتح الباب أمام صناعة فندقية غير تقليدية في دبي. فالنزيل سيحظى بفريق مهمته توفير كل احتياجاته من الإبرة إلى الطائرة!! الفريق سيكون بمثابة سكرتيرة شخصية لرجل الأعمال.

بالإضافة إلى أن الكثير من رجال الأعمال لن يتمكنوا من العثور على بيت لحظة وصولهم إلى البلد إلا بعد حين لكن هذا الفندق سيوفر من المزايا ما سيجعل منه منزلا مصغرا لرجل الأعمال أو المستثمر.

نجاح

نجحت مالك بالخروج بسلعة هندسية سيكون لها فعل مدو في السوق العقاري. وفي كل الأحوال لا تزال دبي بحاجة إلى مشاريع غير تقليدية لأنها قدمت للجميع أكثر مما قدموا لها دون أن تنتظر منهم ذلك بقدر ما تطلب منهم أن يخرجوا عليها بفكرة غير تقليدية لتضمن لهم النجاح غير التقليدي أيضا.

دبي ـ مشرق علي حيدر: