قالت النشرة ربع السنوية، الصادرة عن بنك دبي الوطني، في تقرير حول الاتحاد النقدي لدول مجلس التعاون الخليجي إن توحيد النقد يحرك معه عدداً من المتغيرات الهيكلية التي يمكن تجميعها بشكل أولي إلى أربعة مجالات: تنافسية الصادرات، والابتكار المالي وتدفقات رؤوس الأموال الداخلة، والتكامل الاقتصادي والمؤسسي، والسياسات المالية.

إن اتحاد النقد الخليجي سوف يعمل على توثيق العلاقات التجارية ما بين دول مجلس التعاون (إذا ما أزيلت العوائق النظامية الحالية)، وبناء عليه سيعاد تشكيل الاقتصاد من خلال تكامل قطاعات التصنيع في المنطقة. عندها سوف تصبح المنشآت والمشاريع قادرة على الدخول بمنتجاتها إلى أسواق أكبر بكثير، ولكنها سوف تواجه بيئة أكثر منافسة أيضاً. ويقدم الدكتور سكاتشيافيلاني هنا تحليلاً بنظرة فاحصة حول الأشكال الاقتصادية المتعددة وتأثيراتها على العملة الخليجية الموحدة التي طال انتظارها.

وتتشابه اقتصادات دول مجلس التعاون تشابهاً هيكلياً بدرجة عالية من حيث تميزها باعتماديتها على النفط، وعلى مصادر الغاز الطبيعي بدرجة أقل. ولهذا فإنه استناداً إلى ما جاء في محاضرة اقتصادية حول أمثل مجالات العملة، فإن قرار تشكيل اتحاد نقدي هو قرار صائب للغاية.

ومع ذلك وبسبب الفارق في الأفق الزمني لاستغلال مصادر النفط والغاز في دول مجلس التعاون الخليجي الذي يمكن تصوره خلال 20 سنة المقبلة، سوف تبدي المنطقة مسحة خفيفة من الاقتصاد المتفاوت.

إننا بذلك نحاول أن نبرهن على أن هذا يجب أن يكون عنصر ضغط أكبر ليتحقق تسريع التكامل الاقتصادي من خلال التنويع والتوسع في قاعدة التصنيع فضلاً عن تبرير تأجيل الاتحاد النقدي.

إن التأثيرات الاقتصادية للعملة الموحدة لن يمضي عليها زمن بعيد حتى يبدأ استشعارها، ما دامت عملية التحويل قد شقت طريقها فعلاً. وإحدى أهم التأثيرات الرئيسة لتوحيد النقد في الخليج هي استشعارها من قبل الأسواق العالمية.

إن إيجاد عملة جديدة وقوية ومستقرة بضمان الثروة النفطية، سوف يشجع على اجتذاب تدفقات لا بأس بها من رؤوس الأموال الآتية من جميع أنحاء العالم، وسوف يقدم للمستثمرين أداة استثمار آمنة. وبما يؤدي على المدى المتوسط إلى تسعير أسعار النفط بمرجعية العملة الجديدة بدلا عن الدولار الأميركي.

وهذا ما سوف يؤدي إلى زيادة الإيرادات السيادية، ولكن الأهم من ذلك كله أن هذه العملة سوف تعلي من شأن أقطار مجلس التعاون الخليجي ككل من خلال تغيير نظرة دول العالم إليها.

ولعله من الواجب التأكيد على أن العملة المستقرة تتطلب قواعد ضبط مالية، وهذا ما يظهر من تجربة الاتحاد النقدي الأوروبي EMU التي تطلب تأسيس مؤسسات عابرة للحدود تضع مسار السياسات وتراقب مدى التزام كل دولة بالأهداف المشتركة المتفق عليها.

وأضافت النشرة أن العملة الموحدة بين أقطار مجلس التعاون سوف يتم طرحها في الأول من يناير 2010 حسب الخطة المتفق عليها في قمة مسقط في ديسمبر 2001.وقد كان القصد من المبادرة هو التقدم بخطة طموحة لتكوين اتحاد اقتصادي يستهدف إقامة سوق مشتركة على غرار تجربة الاتحاد الأوروبي الناجحة.

ومن ثم فقد أخذت بعض التطورات مكانها رسمياً سلفاً بتفويض من هذا القرار، حيث جرى بشكل رئيس ربط جميع عملات دول مجلس التعاون بالدولار الأميركي في عام 2002 وتم إيجاد الاتحاد الجمركي في 2003.

وهناك خطوات أخرى لم يتم الكشف عنها كلياً إلى الآن، منها على سبيل المثال الخطط الموضوعة من قبل لجنة محافظي المصارف المركزية في دول المجلس لتحديد معيار التحويل. كما أن هيئة عليا رفيعة المستوى كاللجنة الفنية لاتحاد النقد في دول مجلس التعاون الخليجي تعكف حالياً على تحديد ماهية عمليات كالمقاصة أو المتطلبات الإحصائية أو باختصار، جميع التعهدات التمهيدية اللازمة لطرح العملية الموحدة.

في اجتماعها الأخير الذي اختتم أعماله في 31 أغسطس من هذا العام، ناقشت اللجنة مسودة تقرير في شأن التشريعات والقوانين المتعلقة بالهيئة العامة للنقد بدول مجلس التعاون الخليجي. وعلى الرغم من عدم توافر التفاصيل، إلا أن المشاركين في الاجتماعي أكدوا أن العديد من الخطوات الإيجابية قد اتخذت لتأطير ملامح العمل المؤسسي بخطوط أوضح.

وبالإضافة إلى ذلك فقد أخذت اللجنة بالدراسة التي أعدها المصرف المركزي بدولة الإمارات حول كفاية الاحتياطيات من العملات الأجنبية لضمن تمويل الواردات إلى منطقة دول مجلس التعاون.

كما ناقشت اللجنة توصية مقدمة من الاجتماع الثاني لفريق العمل الذي أوكل إليه دراسة تسمية أوراق العملة وتصميمها وعملية الإصدار وإجراءات طرح الديناريال العربي، وراجعت اللجنة أيضاً تقريراً وتوصيات مقدمة من ممثلين عن اللجنة الفنية لأنظمة الدفع إثر اجتماعها مع مسؤولين في المصرف المركزي الأوروبي وبنك دويتشيه.

آخر ما قامت به اللجنة هو تقييم تقرير الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي بشأن ورشة عمل الإحصائيات النقدية والمالية، التي نظمت في يوليو بالتعاون مع صندوق النقد الدولي (IMF)، مع مقترحات لورقة حول إنجازات مجلس التعاون مقدمة من الهيئات الكويتية خلال الاجتماع التشاوري الثامن لدول مجلس التعاون.

وبالرغم من جميع تلك الأنشطة التمهيدية، إلا أن عدداً من المسائل ما زالت تحتاج إلى معالجة، بعضها ذو طبيعة فنية مثل تكامل أنظمة الدفع أو تصميم المزادات لضخ السيولة أو سحبها، وبعضها الآخر ذو طبيعة أكثر تأسيسية كالتصميم المؤسسي لهيئة النقد الجديدة.

وعلى سبيل المثال، فإنه من غير الواضح حالياً ما إذا كانت السياسات النقدية ستوضع من قبل مصرف مركزي يعد نموذجاً عن المصرف المركزي الأوروبي، وبالتالي فإن القرارات سوف تتخذ خلال الاجتماعات العادية على مستوى مسؤولي المصارف المركزية المحلية.

وبأسلوب التصويت أم بالإجمال، ومن الواضح أن مسألة حق التصويت سوف تكون نقطة ملازمة خلال المرحلة التمهيدية، فهل سيستهدم الأسلوب المتبع في المصرف المركزي الأوروبي وهو صوت واحد لكل شخص، أم سيتم اتباع آلية تقييم معينة مثل تلك الموجدة في المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي (MF)؟

وفي الحالة الأخيرة، ما هو المعيار الذي ستتحدد على أساسه القيمة الخاصة بكل دولة؟ من الواضح أن أسلوب المصرف المركزي الأوروبي في آلية التصويت ستكون مفضلة من قبل الدول الصغيرة، إلا أن دولة كالمملكة العربية السعودية تستحوذ على أكثر من 50% من إجمالي الناتج القومي لمنطقة دول مجلس التعاون سوف تفضل نظام التقييم.

تأثيرات العملة الموحدة على الدول الأعضاء إنه من الضروري فهم الفوائد الآنية التي ستجنيها الدول المشاركة من الاتحاد النقدي، فهماً جيداً، وأن تستخدم في هذا الفهم العلاقات التجارية وتحركات رأس المال بشكل أساسي.

التجارة

إن استبعاد مخاطر معدل تحويل العملات وتكاليف إجراء المعاملات يؤدي إلى تسهيلات العلاقات التجارية بين المنشآت القائمة ضمن ذلك الاتحاد النقدي، ولكن الأهم من ذلك أنها تزود الأسواق خارج الحدود بالمنتجات.

وهذا ما يجعلها مشجعة لأنشطة الاستثمار، وهذا مجال له خصوصيته لأن عمان والبحرين وحدهما تظهران حالياً نمواً مهماً في صادراتهما لدول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، وهذا يعكس التشابه في هيكلية الاقتصاد على نحو ما.

ولكنه يعكس أيضاً المعوقات التجارية ضمن منطقة دول مجلس التعاون إلى مدى أوسع، خلاصة الأمر أن هناك حاجة لتعزيز التعاون فيما بين القطاعات الصناعية في منطقة دول المجلس بغرض توسيع نطاق الفرص الاقتصادية بخلاف قطاع الطاقة.

أسواق رأس المال

ما يزال قطاع الخدمات المالية ناقص النمو في شبه الجزيرة العربية فالقطاع المصرفي يلعب دوراً مهيمناً في تقديم رؤوس الأموال للشركات، مع أن أسواق الأسهم لاسيما في المملكة العربية السعودة وقطر تقوي دورها في توزيع المدخرات على استخدامات إنتاجية، ويوجد حالياً وعاء لا بأس به من الموارد المحلية يبحث عن فرص استثمارية، مع أن الموارد الخارجية تنجذب بدورها نحو منطقة دول مجلس التعاون.

وبالرغم من ذلك، فإن الاستثمارات الأجنبية المباشرة الآتية تعتبر وفقاً للمعايير الدولية قليلة بصورة محبطة، ولا تتعدى بضعة مليارات من الدولارات معظمها في قطاع النفط. إن طرح الديناريال يمكن أن يؤسس لمرحلة متقدمة لتكامل الأسواق المالية، كاندماج بورصات الأسهم للدول الست على سبيل المثال، وباستثناء حالة فريدة أو اثنتين.

فإننا لا نكاد نجد براعة ظاهرة في اجتذاب المستثمرين الأجانب، ولو أتيح توحيدها كلها ضمن قاعدة واحدة تسمح بشكل واضح بالوصول إلى جميع البورصات والمعاملات الالكترونية لجميع الأوراق المالية المدرجة، فإن تلك البورصات سيمكنها أن تؤدي دوراً جوهرياً في مواجهة عقبة الموارد المالية مقابل مشاريع ذات صافي قيمة حالية إيجابية.

هذا الهدف يمكن أن يكون دعوة مهمة لتناغم القوانين والمبادئ المحاسبية والأنظمة الاشرافية جنباً إلى جنب مع شوط متقدم في تحرير سوق رأس المال وعلى رأسها متطلبات الملكية الأجنبية، في هذا السياق، سيكون العامل الحاسم هو الدور والثبات الذي سيحرزه الديناريال ضمن مجتمع المال الدولي.