كما جرت العادة كل عام تتصاعد العروض الدرامية التلفزيونية في شهر رمضان المبارك، وكأن أصحاب هذا الإنتاج لا يجدون منفذاً إلى المشاهدين إلا من خلال هذا الشهر الفضيل فيستغلونه لترويج بضاعتهم في تراكم كمي هائل، لا تستطيع معه الفضائيات استيعابه في فترة محدودة لا تتجاوز الشهر الواحد.

فالفن لهؤلاء صار موسميا، والإبداع التصق بالتجارة بمعناها الرخيص، ويلزمه من يبحث عنه في جيوب بعض الممثلين الذين اغتنوا بفعل تحولهم عن مهنة الأداء إلى الإنتاج، فيوظفون أموال غيرهم ويتقاسمون معهم الأرباح، بالاعتماد على «نجومية» حققوها في سرعة البرق، في ساحة فنية تعاني من الخواء ويستبعد عنها أهل الاختصاص.

بالطبع هذا لا ينطبق على ممثلين كبار أمثال الثلاثي بسام الكوسا، فايز قزق، غسان مسعود، إذا حصرنا الكلام في هذه المساحة بسوريا، مقابل نجوم الصف الثاني بمعنى الدرجة سلوم حداد، أيمن زيدان وعابد فهد، أصحاب شركات إنتاجية أنتجت أعمالاً أحياناً متوسطة وأحيانا أخرى جيدة ومتدنية،

حسب مستوى السيناريوهات والإخراج، فالممثل عابد فهد الذي برز بأدائه في شخصية «جساس» في مسلسل «الزير سالم» الذي كتبه ممدوح عدوان وأخرجه حاتم علي، واتبعه فهد بأداء شخصية «الحجاج» بارتفاع مشهود مع ان الإخراج كان ضعيفا وذات «كليشيهات» جاهزة من أعمال محمد عزيزية،

هبط إلى درجة دنيا مع «الظاهر بيبرس» الذي انتجه بعد ان «لطش» فكرته موعزا إلى كاتب جديد «غسان زكريا» بإعداد السيناريو والحوار الفقير والمطبوع بتزوير الأحداث والسياق لمادة تاريخية اخترعوا لها سياقا أخر ركيكا ومقسما على ذاته، زاد من ارتباكه إخراج محمد عزيزية القاصر عن أي توليد والغارق في كلاسيكية سردية،

حولت شخصية مفصلية في التاريخ الإسلامي إلى بهلوان، يعبس ويصرخ وفارغ من أي بعد درامي أو غيره، وبدأ بأداء عابد فهد المرتجل والمسرع قزما، ليس هو حال شخصية بيبرس صاحب أول تأسيس حقيقي لدولة «المخابرات» في التاريخ الإسلامي، إضافة لتأسيسه أول شبكة مراسلات بريدية تربط الولايات بالمركز بشكل يومي.

ولكن بيبرس فهد وعزيزية وزكريا، أفضل حالا بكثير من بيبرس الذي أنتج في مصر المنحدر تحت الحضيض. ولعل هذا ساعد الإنتاج السوري على ان يسبح العام الماضي على شاشات الفضائيات، ويستمر هذا العام مع محطات أخرى «أرضية» وفضائية. «خالد بن الوليد» البطل الإسلامي الشهير في التاريخ، اختير ليكون عنواناً لدراما جديدة من إخراج محمد عزيزية أيضا المستمر في غيه،

والقاصر هنا كما في أمكنة أخرى عن التأليف الإخراجي في صناعة الصورة والكادرات الحاملة لأي مضمون أو لمسة تشير إلى فن أو إبداع. وكذلك هو السيناريو مفبرك وممزق فالبطل المسلم قبل ان ينطق بالشهادتين حارب لسنوات المسلمين وكان رأس حربة قريش «الجاهلية» يتحول هنا إلى عكس ما دون في التاريخ، فيبدو وهو يقتل المؤمنين مأخوذاً بعواطفه مع جيش «العدو» في نظره آنذاك،

مما أوقع الشخصية في انفصام مذهل إلى حد التزوير، ومؤدي الدور باسم ياخور المطبوع بالأداء الكوميدي، الذي لعب شخصية ابن الوليد، ظهر كجدار يتحرك كلوح خشبي يتصنع إيماءات وإيماءات بوجهه زادته جموداً وعرقلة «الكاريكاتير» وعرقلته في آن، خصوصا وأن ليس من مخرج يديره أو يحركه، وهما معا يبتعدان عن أي مستوى درامي أو فني، والأول يغرق في إخراج كلاسيكي مع كوادر يخجل من تصنيعها مبتدئ، والثاني مضجر، يهيم في جفاف أدائي، ويلزمه أن يركن إلى التعلم، قبل ان يقفز إلى أداء دور شخصيات عملاقة وأكبر منه ومن حجمه بكثير.

«غزلان في غابة الذئاب»

بعيداً عن المسلسلات التاريخية، قدمت سوريا مسلسلات اجتماعية مهمة هذه السنة، من أبرزها مسلسل «غزلان في غابة الذئاب»، قصة وسيناريو وحوار فؤاد حميرة، وإخراج رشا شربتجي، في حكاية جريئة طالت طبقات اجتماعية وسياسية بنقدها أو بالإشارة إليها، في بناء درامي شيده حميرة قوياً ومتيناً،

ويجمع عدة قصص في سردية واحدة، ربط بينها بخيط رقيق لا ينقطع بسهولة، معتمداً على فهم عميق لمتوازنات الاجتماع والسياسة والاقتصاد في بلده وفي محيطه، فرسم شخصيات العمل بدقة، ناطقة بما تحمل، وتوحي بما يفضي، وهي متناقضة ومتشابهة في بعض المستويات، فالفقير يحركه الجوع لأن يطمع في الثروة، والثري يجذبه سعة النفوذ والسلطة، نحو جشع لا ينتهي، والفتاة اليافعة الفاقدة لوالدها، تعشق والد صديقها وصديقتها، الذي يجاريها، وكأنه يبحث عن أمه مع مراهقة،

ومواجهة رجال المال والسلطة تقوم من طرفيها على سياسة «العصا والجزرة»، وزوجة الوزير تحيط نفسها بالمخادعين، كما يفعل زوجها حين ينسل إلى علاقة مع امرأة تدعي الفن كما زوجته وتهتم به نفاقاً لموقعه على عكس زوجته، والفتيات الناضجات يشاركن بجرائم معنوية ومادية أمام الضغوطات الاقتصادية،

إحداهن تخرج من هذه الدائرة ولا تلبث أن تعود إليها، فالواقع بالنسبة إليها هو الحقيقة، في مقولة اكتشفتها بتجربة العوز والفقر، فالحب وحده لا يكفي، بمواجهة امرأة أخرى بدور «كريمة الوزير»، مسطحة، وتصنع جنونها بيديها، تريد أن تقنع نفسها أنها غير سوية، علها تلفت نظر زوجها، الذي لا يرى فيها سوى مطية يريد أن يتخلص منها،

إذ يستطيع، لكنه يخاف على مصالحه، ويخاف من شقيق الزوجة، الفاسد، ابن «المسؤول» الحكومي، الفظيع بتصرفاته وسلوكه، بمقابل زميله في الجامعة المستعد أن ينفذ كل ما يطلبه المتغطرس على حساب كرامته وشرفه وإنسانيته، عله يحصل على وظيفة من خلف فاسد أعماه وهم السلطة؟ ولا يتورّع هذا الخاسر بالإساءة إلى عائلته وأشقائه بالعنف تارة،

وبإدخال شقيقته إلى مستشفى المجانين حيث تتعرض للاعتداء عليها جسدياً وروحياً وتتحول إلى شبه مجنونة فعلية، لكن دورها متضخم قليلاً، وكأن من أدته «أمل عرفة» طلبت أن يوسع الدور ليتناسب مع «حجمها»، الذي لا أعرف من أقنعها بأنها في الأصل ممثلة جدية، وهي الثقيلة التي لا يمكنها أن تقنع أحداً من مشاهديها، سوى من يدمنونها بخبث أو بخجل، وإذا ما قورن ما قدمت في «غزلان في غابة الذئاب»،

بما قدمه قصي خولي في شخصية «سامر» ابن الوزير الفاسد، لظهرت قدرات عرفة حاصلة على علامة صفر في أحسن الأحوال. وبالعودة إلى قصي خولي الماسك بدوره وبأبعاد الشخصية المؤداة «المركبة»، يظهر هذا الشاب ناضجاً، يعمل من الداخل ومن الخارج يستعين بجسده المرن، وتعبيرات الوجه والحواس، ولا أعتقد أنه كان يمكن لأحد أن يقوم بهذا الدور أفضل منه،

لكنه يجب أن يركز على عمل واحد في السنة بدل الانتشار الواسع في عدة مسلسلات دفعة واحدة تأخذ منه أكثر مما تعطيه. وهذه مشكلة يعاني منها أكثر الممثلين الشباب في سوريا، فتراهم في كل المسلسلات تقريباً، فيضيع المشاهد بين هذا الدور وذاك، لعل «المال» هو السبب، لكن بحجة أن لا يفوتهم أن الربح المادي أحياناً يفسر قيمة فنية هي الأهم على الدوام.

خالد تاجا القدير بدور الوزير لا غبار عليه كعادة هذا الكبير الساحر، مع أن حجم الدور صغير الذي يؤديه رافي وهبي بشخصية «صهر العائلة»، كان يمكنه أن يقدم أكثر، ومحمد حداقي بشخصية «غسان» مقنع وليس مجانياً، وجهاد سعد المحترف أعطى من عنده لدوره الكثير، من ضمن إدارة المخرجة الشابة رشا شربتجي، التي كتبت النص إخراجياً وهيأته على الورق قبل أن تطبقه داخل كادرات مليئة بما تقول،

وسريعة في لقطات «ممنتجة» بمهنية عالية، تشير إلى حضور مخرجة قادرة للساحة الدرامية العربية، التي سترحب بها بالتأكيد، بعد أن فتحت الباب واسعاً أمامها شربتجي مع الكاتب فؤاد حميرة، الذي سيحتل مكانة كبيرة كصانع درامي فذ، مع أنه مع المخرجة كان يمكنهما اختيار عنوان أفضل لعملهما من هذا العنوان المباشر والبارد.

دبي ـ حسين قطايا