يعكف نحو سبعمائة من العلماء العاملين في مئة مجموعة معنية بالدراسات الزراعية، على تقييم قدرة العالم على زراعة المواد الغذائية، وفي الوقت عينه، طلبت الأمم المتحدة من 1500 خبير، دراسة الآثار الاجتماعية لندرة المياه في البلدان النامية.

وفي عام 2003، حاولت فرق من تنفيذيي كبرى شركات المياه، والنفط والكيماويات، التنبؤ بالآثار المستقبلية لندرة المياه، عليهم، وعلى اقتصادات بلدانهم.

ولقد خرجت الفرق الثلاثة، بإجماع على نتائج كارثية، فقد توقعت كل دراسة على حدة، بقدوم كارثة تخزينية أو صحية أو اقتصادية، ستحل في الأجل القريب، دون غيره، ما لم تحدث تحولات جذرية، في الطريقة التي تستخدم فيها المياه.

وأظهرت الدراسة الزراعية، أن ثلث العالم يعاني بالفعل من نقص المياه، وتوقعت ازدياد الطلب على الماء خلال السنوات الأربعين القادمة.

ووجدت دراسة الأمم المتحدة، أن الناس يتحولون إلى أغذية تحتاج لمزيد من المياه. فيما قال الصناعيون، إن الاقتصادات الكبيرة يمكن أن تنهار، وتعم الصراعات، مع قصور الموارد المائية عن مواكبة التطور وهجرة الناس الجماعية عن المناطق الجافة.

غير أن الدراسات أظهرت أيضاً قصور معرفتنا عن الماء، فكم من البلدان تجهل السرعة التي تستنزف فيها مزارعها مخزون المياه الجوفية، التي تعتمد عليها شريحة واسعة من السكان في غذائها، والمزارعون في أرجاء الصين، والولايات المتحدة، وشبه القارة الهندية، يحفرون آباراً ارتوازية على عمق 120 متراً لزراعة المحصولات، غير أن المياه لا يمكن تعويضها، وكثير منها آخذ في النضوب، مما يتسبب في هلاك الحرث، ونزوح الفلاحين إلى أكواخ متهالكة، وكارثة محققة.

وفي الموازاة، فليس في إمكان أحد أن يتنبأ في كيفية، أو على أي امتداد زمني، يمكن أن يؤثر فيه التغير المناخي على الموارد المائية، اللهم إلا أنها ستقود إلى الفوضى.

والأنهار الجليدية أخذت في الذوبان، مؤدية إلى فيضانات غير موسمية، وانزلاقات طينية، غير أن كثيراً من مدن أميركا اللاتينية والمناطق الريفية التي تعتمد على الأنهار الجليدية، ستجد نفسها تعاني من شح في المياه، يقل عما تتلقاه الآن.

ففي النرويج تلعب انجرافات جبال الجليد الألبية والقادمة من الباسفيك الشمالي الغربي، دوراً هاماً في الطاقة المائية.

ولو قدر لجليد القمم الجليدية القطبية الذوبان، لارتفعت مناسيب المحيطات إلى أكثر من سبعين متراً، وفي المقابل، فإن القحط أصبح أكثر تكراراً واستدامة.

وأصبح تساقط الأمطار أقل انتظاماً، وعلى المدى البعيد، فلو أن منسوب المياه ارتفع ولو هامشياً، فإن المدن الساحلية الكبرى، ستشهد أحداثاً كارثية وتسرباً للملوحة في مواردها المائية.

واقترحت الدراسات جميعاً، إعادة النظر في طريقة استخدام المياه لدى الناس جميعاً، فالأولوية كانت في ستينات القرن الماضي، السعي لزيادة الموارد الغذائية، بمحاصيل عديدة عالية المردود، ومشاريع هندسية ضخمة، وتحويلات لمجاري الأنهار، والسدود، والخزانات ونقل المياه. غير أن كثيراً من تلك المشاريع أثبتت عدم فاعليتها أو أنها قادت إلى مشاكل بيئية واجتماعية.

فقد كانت أكثر من تسعين في المائة من مياه قناة «ناقلة المياه الوطنية» الناميبية، تضيع في الهواء تبخراً. كما أن بحري آرال والميتر، تعرضا للخطر عن طريق الإزاحة المكثفة، كما قلصت السدود والخزانات جريان نهر موسم الجفاف في بنجلاديش بحدود 60 في المائة.

وغذت الثورة الخضراء العالم غير أن الكلفة كانت عالية وكمية الغذاء المنتجة اليوم ضعف ما كان ينتج في الخمسينات بيد أنها بحاجة لثلاثة أضعاف الكمية من المياه.

ولقد حدد نوعان من ندرة المياه، الندرة الاقتصادية، كما تشاهد في شبه الصحراء الافريقية والمناطق الحضرية، والسبب الرئيسي فيها يعود إلى نقص الاستثمار، والندرة الطبيعية حيث لا يغطي العرض الطلب، وفي الحالتين، فإن الحلول لا تكون معقدة أو مكلفة.

ويتوقع أن يتم التركيز في المستقبل، على تطوير محاصيل مقاومة للتصحر، وخصوصاً استغلال كل قطرة ماء، وإعادة استخدام المياه، وكذلك لا بد من ضرورة التعجيل بتطوير فاعلية الزراعة المروية بمياه الأمطار.

والبحث عن أرخص الطرق لإنهاء سوء التغذية، والمحافظة على البيئة، ووضع حد لاستنزاف موارد المياه العذبة، المشكلة الرئيسية إذن هي زراعية، ووفقاً لإحصائيات ووتر إيد فإن الشخص المتوسط في بريطانيا يستخدم 135 لتراً من المياه يومياً. فيما يستخدم الشخص نفسه في الدول النامية عشرة لترات من الماء يومياً للشرب والاغتسال والطهي. وهي نفس الكمية المستخدمة في مياه الشفط في الحمام البريطاني.

وبحسب الأمم المتحدة، فإن المياه في الدول الجافة تتعرض للهدر أيضاً، وهنا لا بد من إفهام الجميع، كيفية التخفيف من استهلاك المياه، أو إعادة تدوير المياه المستخدمة، كما يمكن إرشاد الفلاحين على تقليص استهلاكهم للمياه، بالفلاحة المختلفة، ويمكن جمع المياه بعدة طرق بسيطة.

حيث يمكن للمجتمعات تخزين المياه في برك، وبناء سدود صغيرة، لحجز المياه وراءها، ليوم الحاجة ويمكن للأفراد جمعها من الأسقف، وإجبار الصناعيين على استخدام المياه المدورة، إن تجنب التلوث مسألة بالغة الحيوية، فإزالة الأحراج، ومياه الري تجعل كثيراً من الأنهار والبرك غير صالحة للشرب.

بالإضافة إلى أن التحكم بمياه الصرف الصحي، مسألة ضرورية في عموم افريقيا، والتلوث الكيميائي، شائع في أميركا الوسطى وغرب افريقيا، وجنوب وشرق آسيا. بالإضافة إلى نهر الأردن، وبحر آرال والحافة القطبية.

والأكثر أهمية مع ندرة المياه، هو أن كثيراً من البلدان، قد تجد نفسها مضطرة للتخلي عن زراعة أنواع معينة من المحاصيل، وتربية الحيوانات فربع رطل من الهمبرغر يحتاج لنحو 11 ألف لتر من الماء، وقميص تي شيرت القطني يكلف سبعة آلاف لتر، وكيلو الأرز خمسة آلاف لتر من الماء.

وعندما يضطر الأمر لسحب المياه المطلوبة لزراعة المحاصيل، من باطن الأرض على عمق مئات الأمتار، فإن الكلفة الحقيقية للغذاء في أرفف السوبرماركت تصبح أكثر وضوحاً.

وعوضاً عن شق الآبار بأعماق سحيقة، ونقل المياه مسافات بعيدة، فإن المستقبل يكمن في إعادة تدوير المياه. ويتم جمع فضلات المياه، من المطابخ والحدائق والحمامات، ومعالجتها وإعادة استخدامها، والتكنولوجيا اللازمة، أثبتت نجاعتها.

وهي مستخدمة في الأماكن جميعاً، من ملاعب الغولف في جنوبي اسبانيا، إلى المزارع الصحراوية في الأردن، كما أن سنغافورة، الواقعة على أعتاب خط الاستواء، والتي لا تعاني فعلياً من نقص المياه، تستخدم مياه الصرف الصحي في جميع صناعاتها، ومعظم بيوتها.

ترجمة: وائل الخطيب