وضعت الفجيرة تنافسية الموانئ الهندية والسنغافورية على المحك في مجال استقطاب السفن للتزود بالوقود، وستسهم عقود الفجيرة الآجلة لزيت الوقود في تعميق انكشاف هذه الموانئ أمام القوة الإضافية التي سيكتسبها ميناء الفجيرة كمقصد لحركة الشحن والملاحة البحرية في مياه الخليج.
وشبه محللون نمط المنافسة بين هذه الموانئ على أسواق الوقود البحري على أنها أقرب ما تكون إلى المباراة الصفرية التي يمثل مكسب أحد الأطراف فيها خسارة للأطراف الأخرى، وبالتالي، تعد أي زيادة في حصة ميناء الفجيرة من السوق انتقاصا من حصص الموانئ الأخرى، ولكن القائمين على مركز دبي للسلع المتعددة يرون الصورة على نحو مختلف، ويفضلون النظر إلى نمط العلاقة بين هذه الموانئ على أنها علاقة تكاملية. بيد أن الصعود الصاروخي لميناء الفجيرة كمركز عالمي لتموين السفن، واستحواذه على المرتبة الثانية في هذا المجال، قد طرح الكثير من علامات الاستفهام بشأن المستقبل الذي ينتظر أسواق الوقود البحري في الموانئ الهندية، علاوة على التساؤل بشأن ما يمثله حجم النمو الضخم في أعمال وأنشطة ميناء الفجيرة من تحد للمكانة المتميزة التي تشغلها سنغافورة في أسواق الوقود البحري، وما إذا كان بمقدور سنغافورة الاستمرار في شغل المرتبة الأولى في مجال تزويد السفن بالوقود.
وقد تجلت المزايا التنافسية لميناء الفجيرة في ارتقاء مكانته على نحو سريع كمقصد عالمي لتموين السفن بالوقود، بحيث تمكن في غضون عقد ونصف عقد من التفوق على الكثير من الموانئ، ونجح مؤخرا في إحراز السبق على ميناء نوتردام ليشغل المرتبة الثانية كأكبر مركز لتموين السفن بالوقود.
مزايا سوق الفجيرة
وقد بدأ ازدهار أعمال تموين السفن في ميناء الفجيرة في مطلع الثمانينات خلال الحرب الإيرانية العراقية، وما واكبها من استهداف الطرفين العراقي والإيراني للملاحة البحرية في الخليج. وفي العام الماضي، تعاملت الفجيرة مع 12 مليون طن متري من الوقود البحري بقيمة تزيد على 2 مليار دولار.
ويعتبر نقص إمدادات الوقود في الفجيرة أمرا نادر الحدوث، حيث تسهم بعض الظروف العرضية في عدم تيسر الإمدادات على نحو كافي، كتلك الخاصة بإغلاق المصافي لدواعي الصيانة، أو تصدير معظم شحنات زيت الوقود لأسواق أخرى كالأسواق الهندية والباكستانية بهدف تلبية الاحتياجات المحلية من الطاقة الكهربائية.
وتتمتع الفجيرة بميزة تنافسية أخرى تتمثل في انخفاض تكلفة الأعمال حيث تكون الأسعار شاملة كافة النفقات، ويتم تحديدها بناء على التسليم الفعلي، وبالتالي، فهي لا تتضمن أيه تكاليف أخرى غير منظورة، وتقتصر التكاليف على سعر زيت وقود السفن فقط، دون أن تكون هناك أي رسوم أخرى كتلك الخاصة برسوم الإرشاد أو الوكالة، ويعمل سوق الوقود البحري في الميناء وفقا لمفهوم المنطقة الحرة، بحيث يصبح القيد الوحيد في دخول السفن للتزود بالوقود هو قدرة الميناء على استيعاب السفن.
وتتميز أسعار الوقود البحري في ميناء الفجيرة بأنها أقل من مثيلتها في أسواق الوقود الأخرى، بحكم وقوعها في أكثر مناطق العالم ثراء بالنفط، وتقع كذلك على مقربة من مصافي النفط، إذ تعتبر معظم الدول العربية وخصوصا دول الخليج العربي دول مصدرة للمنتجات النفطية للأسواق العالمية .
وتسعى معظمها إلى تطوير مصافيها لتتمكن من تزويد هذه الأسواق بالمشتقات النفطية المطلوبة. يتجه المسار المستقبلي لصناعة التكرير العربية نحو التوسع في طاقة التكرير التقطيرية إضافة إلى تحسين قدرات التحويل والمعالجة لمواكبة النمو في الطلب على المنتجات النفطية وتحسين نوعيتها.
نمو الطاقة التكريرية
وتشير التوقعات إلى أن الطاقة التكريرية العربية سترتفع مساهمتها في تلبية الطلب العالمي المتزايد على المنتجات النفطية من 7 ,7% في عام 2005 إلى 7, 8% في عام 2010، وقد بلغت الطاقة التكريرية العربية في عام 2005 حوالي 2 ,7 ملايين برميل/يوم موزعة على 60 مصفاة، وتحتل المملكة العربية السعودية المرتبة الأولى من حيث طاقة التكرير.
حيث تبلغ طاقة التقطير فيها 1 ,2 مليون/برميل، تليها كل من الكويت بحوالي 910 آلاف برميل/يوم، ومصر ودولة الإمارات العربية المتحدة بحوالي 700 ألف برميل/يوم كل على حدة، وتتوزع باقي طاقة التكرير على بعض الدول العربية الأخرى.
ورغم قيام سنغافورة بضخ استثمارات ضخمة في إقامة مستودعات التخزين ومعامل التكرير. إلا أن التوقعات تشير إلى أن منطقة الخليج العربي تعد الموقع الأكثر ملاءمة لهذه الصناعة، على اعتبار أن صار متاحا لهذه الدول الكثير من الأموال لإنتاج المنتجات النفطية المكررة، وهو ما يعد ارتدادا على الاتجاه الذي ساد على مدار عقدين متتالين والذي كان يعتبر توجيه الأموال إلى الطاقة التكريرية استثمارا غير مجد، ولكن تغير هذا الاتجاه خلال العامين الأخيرين.
ويضاف إلى ما سبق واقع تبني إمارة الفجيرة والتي تعتبر مركزا لتموين السفن بالوقود خططا لاحداث زيادة هائلة في طاقتها التكريرية، من خلال إقامة مصافي تكرير جديدة.
ويخلص محللون إلى أن مثل هذه الخطط الهادفة إلى تعزيز الطاقة التكريرية سواء على مستوى منطقة الخليج أو على المستوى المحلي في دولة الإمارات من شأنها أن تجعل الفجيرة في الصدارة عالميا كمركز لتموين السفن بالوقود.
تحديث البنية التحتية
وتسهم خطط تحديث البنية التحتية في الفجيرة في تعزيز قدرتها على منافسة واستقطاب المزيد من أعمال الوقود البحري، حيث تخطط إمارة الفجيرة لتحويل الميناء إلى ميناء محوري خلال العامين نظراً للموقع الاستراتيجي المهم الذي يتمتع به على خليج عمان، بحيث يكون نقطة التقاء للخطوط القادمة من الشرق والغرب .
وإعادة تصدير الحاويات إلى دول مجلس التعاون الخليجي وشبه القارة الهندية، وتنعقد الآمال على شركة موانئ دبي العالمية التي تدير ساحة الحاويات لكي تقوم برفع كفاءة الميناء لاستيعاب أكثر من مليوني حاوية بزيادة وقدرها مليون و300 ألف حاوية عن الطاقة الاستيعابية للميناء في الوقت الراهن.
وقد جرى مؤخراً توقيع عقد لإضافة 900 متر للبضائع العامة بزيادة 3 أرصفة إضافية على الميناء، وتحتاج التوسعات المخطط تنفيذها في الميناء إلى أكثر من 600 مليون درهم حسب التقديرات الأولية لسلطان بن سليم رئيس موانئ دبي العالمية التي تدير ساحة الحاويات بمساحة خمسة أرصفة بعقد مدته 30 عاماً.
وقد أكد كابتن موسى مراد مدير ميناء الفجيرة أن ميناء الفجيرة سيكون العمود الفقري في الإمارة نظراً لأهميته الاستراتيجية والتي كانت محل نظرة ثاقبة من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله الذي أمر ببناء الميناء بموقعه الحالي في عام 1977 بمساحة 380 متراً وبما يعادل رصيفين.
وكذلك من خلال توجيهات صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي عضو المجلس الأعلى حاكم الفجيرة الذي أمر بزيادة كفاءة الميناء لتصل إلى كيلو و400 متر بمعدل 6 أرصفة للحاويات والبضائع فضلاً عن إضافة 820 متراً بصفة خاصة لتداول الزيوت بأنواعها، لافتاً إلى أن الميناء سيكون له دور بارز على صعيد تصدير النفط وخاصة بعد إنشاء مصفاة البترول بطاقة إنتاجية وقدرها 500 ألف برميل، إلى جانب تصدير النفط الخام مما يساهم في تعزيز مكانة الميناء كثاني ميناء عالمي في تزويد السفن بالوقود.
وأشار مدير ميناء الفجيرة أن هناك دراسة لإنشاء ميناء صناعي ملاصق للميناء الحالي من الجهة الشمالية لتطوير عمل الميناء ورفع كفاءة المساحة المخصصة لاستقبال عدد اكبر من الحاويات، كما انه بصدد زيادة العمق وتغيير تصاميم الأرصفة لزيادة سرعة مناولة البضائع المختلفة.
وتأتي إمارة الفجيرة حسب إحصاءات وزارة الصناعة لعام 2004 في المرتبة الثالثة بالدولة من ناحية قيمة الاستثمار فقد بلغت قيمة الاستثمارات 10 مليارات و800 مليون درهم.
وجاء في المقدمة النشاط التجاري بحصة تصل إلى 4 مليارات درهم، والصناعات التحويلية والتعدين 3 مليارات و400 مليون. والبناء والتشييد بحدود مليار درهم والزراعة والثروات الحيوانية وما شابه بحدود 400 مليون درهم وقطاع الخدمات بقيمة ملياري درهم.
وقد شهد عام 2005 إنشاء عدد من المشاريع الاستثمارية والاقتصادية الضخمة أهمها تدشين المرحلة الثانية من محطة التحلية في الفجيرة التي تزود الإمارة بـ (100 مليون غالون من المياه) و1000 ميغاواط من الكهرباء. ومشروع الصرف الصحي بقيمة 542 مليون درهم، فضلاً عن إقامة عدد من المشاريع السياحية والفنادق والشاليهات التي بدأت تتدفق على الإمارة بسبب عوامل الجذب السياحي التي تميز الإمارة.
تحدي هيمنة سنغافورة
ولكن هناك من يقدر بأنه ربما النمو المرتقب للفجيرة كمركز عالمي لتزويد السفن بالوقود لا يأتي على حساب سنغافورة، وإنما سيأتي من التزايد المطرد في الاستهلاك العالمي للوقود البحري، بالنظر إلى النمو المتواصل والمستمر في حركة التبادل التجاري والناتج عن حالة الثراء التي تشهدها المنطقة والتي ستقود إلى زيادة طلب بلدانها على السلع، وما يستتبع ذلك من زيادة استهلاك وقود السفن وهو ما يعد بمثابة أخبار سارة لإمارة.
أكثر من ذلك، وفي رأي بعض المحللين، يعتمد تسعير الوقود البحري في سنغافورة على تقييمات تفتقر للشفافية، حيث تضاف رسوم الشحن إلى تكلفة الوقود بعدما يتم تزويد السفن به، وهو ما يجعل من الصعوبة على الشركات وضع ميزانية لتكلفة الوقود. وبالتالي يكون في غير وسعها التخطيط لقيمة تدفقاتها المالية المرصودة للوقود، علاوة على أن عقود الوقود الآجلة تعطي شركات التكرير المزيد من الحافز للحفاظ على النفط الخام المحلي في المنطقة للمعالجة والتكرير.
ويقف سوق الوقود البحري في الهند عند معدلات مبيعات منخفضة، كما يتدني حجمه بالمقارنة مع أسواق الوقود البحري في الفجيرة وسنغافورة، وذلك وعلي الرغم من تسجيل صناعة الوقود البحري في الهند معدلات نمو عالية على مدار الوقت، وتطلع الشركات المحلية إلى أعمال وقود السفن كمجال مبشر لزيادة مبيعاتها من زيت الوقود، وبذلها جهودا للحاق بركب كبار اللاعبين في هذا المجال.
وتسجيل أنفسها في رابطة صناعة الوقود البحري والتي تضم نحو 450 عضواً من مختلف دول العالم، فعلي سبيل المثال، أخذت شركة «إتش بي سي إل» أكبر مزود للوقود البحري بعد شركة النفط الهندية زمام المبادرة في هذا الخصوص ودخلت في اتفاق مبدئي مع شركة شيفرون تيكساكو للوقود والتسويق البحري «إل إل سي» مؤخراً، ويسمح الاتفاق للشركة بأن تقوم بتزويد كافة السفن التابعة لشركة شيفرون تيكساكو بالوقود أثناء رسوها في الموانئ الهندية.
ومع وجود العديد من السفن التي تبحر بين سنغافورة والفجيرة، فإنه بمقدور الموانئ الهندية أن تحصل على شريحة أكبر من سوق الوقود البحري بشكل سلس، وذلك لأن السفن قد ترى أنه من الملائم لها ملء صهاريجها وخزاناتها بالوقود في المياه الهندية. وهذا ما قاتله أحد المصادر في صناعة الوقود، ولكن يحد عامل السعر من جاذبية الموانئ الهندية، ويضعف قدرتها على المنافسة، إذ يزيد سعر الوقود البحري في الموانئ الهندية بنسبة 50% بالمقارنة مع الأسعار الموجودة في سنغافورة وروتردام والفجيرة.
وهو ما يدفع السفن الأجنبية إلى تقليل تزودها من الوقود البحري في الموانئ الهندية إلى أدنى حد ممكن، حتى السفن الهندية، فهي تتزود بالوقود في الموانئ الأجنبية، وهكذا، تقتصر إمدادات الوقود البحري في الموانئ الهندية قاصرة على الأسطول البحري الهندي والسفن التجارية التي تسير رحلاتها بالقرب من السواحل بما في ذلك الناقلات التي تستأجرها الشركات النفطية وسفن الركاب التابعة لشركة الشحن الهندية.
وفقاً لمحللي الصناعة النفطية، فإن تنافسية الموانئ الهندية مرتبطة بأن تكون متسقة مع المستويات العالمية، وذلك إذا ما أرادت تعظيم الاستفادة من الإمكانيات الضخمة التي ينطوي عليها السوق، ويعود الفارق في أسعار الوقود البحري بين الهند والموانئ الأجنبية إلى ضريبة المبيعات والتي تتنوع من ولاية هندية لأخرى.
وقد خلصت دراسة حديثة أجرتها جمعية الموانئ الهندية إلى أن الأساس السعري لزيت الوقود البحري في ميناء فيزاج الهندي قابل للمقارنة مع المعدلات السائدة في سنغافورة والفجيرة، إلا أن الرسوم والضرائب المرتفعة هي التي تحرك الأسعار إلى مستويات مرتفعة وهو ما يضع سوق الوقود البحري الهندي في وضع غير تنافسي.
ويمثل عدم وجود بنية تحتية سبباً آخر لتدني أنشطة التزود بالوقود البحري في الموانئ الهندية، فعلى الرغم من إتاحة خدمات الوقود البحري في معظم الموانئ الرئيسية الهندية، إلا أن صناعة الشحن تحتاج بشكل متزايد إلى تطوير خدمات التزود بالوقود البحري في الموانئ الهندية، من زاوية تزويد هذه الموانئ بأرصفة بخطوط أنابيب وزوارق ومراكب تدعمها رسوم وخدمات دعم ملائمة لإمدادات السفن وقطع الغيار وتغيير الطاقم.
ولهذا ترى صناعة الشحن والنفط أنه يجب على الحكومة أن تقدم حوافز مالية لأجل جعل التزود بالوقود البحري أكثر جاذبية وتقليل الإجراءات البيروقراطية في الموانئ الهندية، ومن شأن هذه الاعتبارات، أن تساعد على بروز الموانئ الهندية كمقاصد للتزود في الوقود البحري على درجة عالية من التنافسية بالنسبة لحركة الملاحة البحرية التي تمر عبر البحر العربي والمحيط الهندي.

