عندما تكون صاحب الحصة السوقية الأكبر في سوق يشتري فيه الناس أكثر من 800 مليون هاتف نقال في العام، فإن ذلك لا يعني أن تنام على ريش النعام. فشركة نوكيا، التي تستعد لطرح آخر ابتكاراتها من طرازاتseries N, وهو جهاز خ59 ، في أسواق ودول الشرق الأوسط وإفريقيا، بداء من مطلع العام المقبل، باعت في العام الماضي أكثر من 265 مليون هاتف، على مستوى العالم، بقيمة تجاوزت 41 مليار دولار، لكن ذلك لم يجعلها تشعر بنشوة الانتصار.

المنافسون يزدادون شراسة، و الأميركية «موتورولا» لا تزال ترن جرسها حول خطة السيطرة على القطاع بمجمله بعد سنتين، فيما تضخ الكورية «أل جي» هواتف بطعم الشوكولاته والحليب في أسواق المنطقة، فيما بدا أنه يستهوى المستهلكين. ماذا فعلت نوكيا؟ في صبيحة يوم مشرق، خرج أحد كبار المسؤولين في الشركة من مكتبه في فنلندا، ليصرخ بأعلى صوته: وجدتها!

وبدل أن تنقض الشركة على سياسات الشركات المنافسة، في مجال الهواتف النقالة، قررت توسيع ساحة الهجوم، والانقضاض على منتجات أخرى، بدا أن تحقيق النصر عليها سيكون أسهل. خاضت «نوكيا» معركتها المستحدثة مع صناع كاميرات الديجيتال والكومبيوترات المنقولة، وتأهب مسؤولوها، خلال مئات المؤتمرات والفعاليات الترويجية التي نظمت حول العالم،

للدفاع عن فكرة واحدة: نوكيا لا تعني فقط هواتف نقالة، ولكن كاميرات الفيديو مدمجة مع القدرة على الاتصال والتواصل مع الانترنت وتفقد البريد والتقاط الصور، وأمور أخرى، وكل ذلك بجودة عالية، تنافس، وتتفوق على المعدات الأصيلة مثل الكاميرات وأجهزة الكمبيوتر.

وفي الأعوام القليلة الماضية، تمكنت الشركة من تطوير مفهوم جديد في عالم الهواتف النقالة والالكترونيات ككل، تمثل بتطوير فكرة «الملتيميديا كومبيوتر». وروج المسؤولون في الشركة لطرازات N SERIES بوصفها أجهزة توفر قيمة الكاميرا الديجتال والكمبيوتر مدمجة. وفي حين تتراوح أسعار تلك الطرازات بين 500 و800 يورو، فإن نوكيا لا تزال تعتبر أنها الأسعار الأمثل لقاء المزايا التي بوسع الحائز على «الملتيميديا كومبيوتر» الحصول عليها.

وفي أحد مؤتمرات سلسلة «أوبن ستوديو»، التي نظمتها نوكيا في الشهور القليلة الفائتة في مناطق كثيرة من العالم، وحيث جمعت المسؤولون والمصممون والمطورون بالوكلاء والصحافة والمتحمسين، كان على ذلك الصحافي الباكستاني أن يعترض على ارتفاع سعر الهاتف، قياسا الى القدرة الشرائية للناس في زكراتشيس،

لكن إجابة يوها بوتكيرانتا، نائب الرئيس الأول في وحدة الوسائط المتعددة في نوكيا، كانت معبرة وواثقة، حين قال: «عليك أن تنظر الى الأمور من زاوية أخرى. هذا ليس بهاتف، وهو أرخص جهاز كومبيوتر بوسع شعبك أن يحصل عليه، وفي الوقت ذاته هو أرخص جهاز كاميرا ديجتال».

وعلى مدى ثلاثة أيام، استضافت نوكيا في «كيب تاون في جنوبي افريقيا الشهر الماضي، مئات الصحافيين الذين اختبروا مزايا الأجهزة الجديدة، التي يباع بعضها في الأسواق الأوروبية، والأميركية، ولا يزال ينتظر ولوج أسواق الشرق الأوسط. وكان لافتا تركيز المسؤولين على إعادة موضعة مفهوم العلامة التجارية «نوكيا»،

حيث ينتقل من «أجهزة الهواتف» الى «أجهزة الاتصالات المتكاملة»، وهذه الاستراتيجية، التي كلفت نوكيا مئات الآلاف من الدولارات التي صرفتها على النشاط الترويجي وخلق الوعي، تعرف بـ Repositioning ، او تعريبا إعادة الموضعة.

وفي واقع الأمر، فإن الشركة التي حققت عوائد مجزية في الربع الأول من العام الجاري، من بيع طرازات «الملتيميديا»، والتي تشمل طراز 770، وصلت إلى 4 ,2 مليار دولار، نفذت تطورا لافتا في مجال إقناع المستهلك بضرورة الحصول على جهاز زملتيميدياس بديلا عن الهاتف النقال التقليدي، والدليل أن مبيعات تلك الأجهزة ارتفعت بنسبة 59% في الربع الأول، مقارنة بذات الفترة من العام 2005.

وعملت نوكيا على تخصيص كل جهاز من Nseries بمزايا أكثر تركيزا لخاصية معينة، مثل الموسيقى أو الصور أو الفيديو، فجاءت كل التصميمات محتوية على مجمل المزايا، مع تركيز على مزايا محددة في طرازات معنية، كما هو الحال مع N93 الذي يعتبر مثاليا لخاصية تصوير الفيديو. في الوقت الذي ظهرت فيه إصدارات خاصة باللون الأسود لأجهزة N70 ، N73، N91 بسعة 8 غيغابيت الأمر الذي اعتبر «فتحا» بالنسبة الى عشاق الموسيقى.

وتوفر جميع أجهزة مجموعة Nokia Nseries مزايا فاعلة للتواصل والوسائط المتعددة. ويتوافق الجهاز منها مع طيف واسع من الشبكات مثل الشبكة المحلية اللاسلكية، وشبكة الجيل الثالث (WCDMA بتردد 2100 ميغاهرتز)، وشبكات EDGE وGSM بترددات (900/1800/1900 ميغاهرتز) ويتيح اتصالاً سريعاً لشبكة الإنترنت بالنطاق السريع، والاستفادة من مزايا التصفح، وتحميل المحتوى، وإرسال واستقبال البريد الإلكتروني، والبقاء على تواصل دائم أثناء الحركة.

وتعتقد نوكيا أن جهودها المنصبة على خلق موجة جديدة في عالم الهواتف النقالة، سوف تفيدها، من جهة، في رفع عوائدها المتباطئة بسبب المنافسة الشديدة وتشبع عدد كبير من الأسواق بالهواتف النقالة، كما أنها سوف تجعلها تنال حصة الأسد من أسواق أخرى تزخر بكاميرات الديجتال والكمبيوترات النقالة ومشغلات الموسيقى، من جهة أخرى.

لم تعد العلامة نوكيا تدرج في اللوائح التي تجمع علامات الهواتف النقالة، لكنها انتزعت مكانا في لوائح الكترونيات المستهلك التي تضم علامات مثل سوني وآي بود وأتش بي وغيرها..فهل تمدد نوكيا سيطرتها من قطاع الهواتف النقالة الى قطاعات الكاميرات والكمبيوترات ومشغلات الموسيقى، عبر المزيد من ضخ أجهزة الوسائط المتعددة في الأسواق؟ غالب الظن أن الأمر سيحتاج إلى بعضة شهور للتأكد من الإجابة، المائلة، إلى الآن، إلى الكفة الايجابية من الميزان!.

كيب تاون (جنوب افريقيا)- خاص «البيان»