يحتلّ الموزّع السينمائي اللبناني صادق الصبّاح مكانة رفيعة المستوى في المشهد السينمائي العربي، ذلك أن عمله طويل الأمد بين مصر ولبنان في المرحلة الأولى، ثم على مستوى التوزيع المتنوّع (حقوق الفيديو والبثّ التلفزيوني) الذي امتدّ إلى دول الخليج العربي، شكّل علامة فارقة في سياسة التوزيع التي ظلّت محصورة بالأفلام المصرية الأكثر شعبية في الدول العربية.
لكنه، منذ أعوام قليلة، توجّه إلى الفيلم اللبناني، بعد النجاحات الدولية التي عرفتها أفلام لبنانية عدّة، فإذا به يحاول الجمع بين نوعية فنية تلتقط نبض المشاهدين والحسّ التجاري القادر على تأمين إيرادات جيّدة أو مقبولة على الأقلّ، ساعياً في الوقت نفسه إلى التعاون مع مشاريع قادرة على تحقيق «نجاح مالي»، كي يستمرّ في توسيع دائرة الاهتمام الجماهيري العربي بالأفلام اللبنانية.
بعد إنتاجه أشرطة «دي في دي» خاصّة بأفلام لبنانية عدّة، وجد صادق الصبّاح أن المرحلة تتطلّب مساهمة مختلفة بإنتاج الأفلام اللبنانية: «منذ ستة أو سبعة أعوام فقط قرّرت العمل في مجال توزيع الفيلم اللبناني، مهما كان. أسعى جاهداً إلى جذب هذا الفيلم لي على مستوى الإنتاج والتوزيع، محاولاً أن أضع كاتالوغاً جيداً بالنسبة لي».
ورأى الصبّاح أنه لا وجود لمعايير ثابتة لاختيار مشروع سينمائي ما لإنتاجه أو للمساهمة في إنتاجه: «لفترة طويلة، ابتعدت عن السينما اللبنانية، إذ رأيت أنها لن تنفعني. لكني اليوم قررت العمل في مجالها بأقلّ كلفة ممكنة. هناك مشاريع مهيّئة للإنتاج، وأخرى أنتجت بفضل مساعدات معينة، غالبيتها فرنكوفونية أو متوسطية أو ما يشبهها».
واعتبر أن الهدف من انخراطه في مجال السينما اللبنانية كامنٌ في رغبته في جعل هذه السينما «صناعة»، وفي حثّ الجمهور العريض على مشاهدتها: «تقرّبت من المخرجين، ودخلت مع بعضهم في مشاريع عمل. اشتريت حقوق توزيع أفلامهم بنسخ «فيديو» أو «دي في دي»، كما تولّيت مهمّة توزيعها على المحطّات التلفزيونية. ساعدت بعضهم في مجال التوزيع السينمائي، من خلال خبرتي الطويلة في هذا المجال،
واضعاً علاقاتي في تصرّفهم. هنا، أوجدنا، هم وأنا، تواصلاً بيننا: تحدّثت مع عدد كبير منهم، كجوانا حاجي توما وخليل جريج وأسد فولادكار وغسان سلهب وميشال كمّون وإيلي خليفة ودانيال عربيد ورندة الشهّال وغيرهم. استثمرت معهم بطرق مختلفة. لم أشتر بالمعنى التجاري البحت، بل تحدّثت معهم عن مشاريعهم القديمة والجديدة.
قرّرنا أن نلتقي معاً عند مفهوم معين: الناحية الفنية مهمة، لكني أظهرت لهم، في الوقت نفسه، خريطة التوزيع الإنتاجي. بعضهم اقتنع بفكرتي: بدل أن تصنع فيلماً فنياً فقط، ما رأيك بتحقيق فيلم فني لديه طابع تجاري. نجحت مع البعض. هناك مشاريع. البعض الآخر يعيش في دنيا أخرى. لا شكّ في أني أحترم الأفلام الفنية، لكنها ليست صناعة سينمائية تحقّق الأهداف النهائية للسينما».
وأضاف: «أفهم أنه لا ينجح فيلم ما، لكن أن لا يُفهم موضوع هذا الفيلم أبداً، فهذا ما لا أقدر على استيعابه. هناك نقاشات جرت بيننا، تناولنا فيها كل شيء: الفيلم الفني، المستويات، العلاقة بالجمهور، أي فئة من العمر تذهب إلى الصالة، إلخ. أناقش السينمائيين الشباب في مشاريعهم الجديدة. أضيء لهم الطريق بما لديّ من خبرة في مجالي الإنتاج والتوزيع.
أحاول إقناعهم بهذه المعادلة: المحافظة على المستوى الفني، من دون أن «يتفلسفوا»، وفي الوقت نفسه البحث عن آلية لتحقيق الإيرادات، ذلك أن تحقيق الإيرادات يعني أن هناك عدداً أكبر من المشاهدين». وأشار إلى أنه لم ينجح كلّياً أو كفاية، «لكني أسير على الطريق الصحيحة. أشعر أني أكوّن أصدقاء من المخرجين، أحاول إقناعهم بوجهة نظري، وأقتنع بوجهة نظرهم. هذه معادلة».
وآخر المشاريع التي أعلن صادق الصبّاح عن مشاركته فيها، الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرجة اللبنانية نادين لبكي، على مستوى توزيعه في لبنان والشرق الأوسط: «فيلم نادين لبكي خارج هذه المعادلة. إنه نوع من الأفلام المطلوبة. النجوم في التلفزيون والأعمال الفنية الأخرى لا يطلّون على السينما لأنهم خائفون من السينما اللبنانية. لماذا هيفاء وهبي لا تمثّل في فيلم؟
أو نوال الزغبي أو ماجدة الرومي أو غيرهم؟. هؤلاء النجوم خائفون بسبب ما لديهم من معلومات عن حال السينما اللبنانية، وهي معلومات صحيحة. كيف نقنعهم بأهمية التمثيل السينمائي؟ لا يكفي أن يكون المخرج مثقفاً والمنتج قوياً. هناك عناصر أخرى تحثّ الجمهور على مشاهدة الفيلم. مع نادين لبكي، لم أتدخّل في الشؤون الفنية، إذ ظلّ النقاش معها متعلّقاً بالجانب التجاري.
ليست لديّ شروط. أنا مؤمن بأن هذه الصبيّة قادرة على تأسيس أرضية جيدة لنمط سينمائي يفتح الباب أمام تحقيق مشاريع سينمائية واعدة. أعوّل على نجاح فيلمها لأسباب تجارية طبعاً، فأنا وضعت أموالاً وأريد استردادها. في الوقت نفسه، أعمل على إيجاد طريق للسينما اللبنانية، تسمح لها بمخاطبة الجمهور وباستقطاب أسواق عربية محيطة بها.
من المهم جداً أن تعرض الأفلام اللبنانية في الأسواق العربية، في مصر ودول الخليج العربي ومنطقة المغرب العربي أيضاً». وعلّق على تجربة «البوسطة» لفيليب عرقتنجي: «أحترم هذه التجربة. لكن فيليب أراد الوصول إلى القمة ولم يصل. لم ينجح الفيلم في دبي، مثلاً، كما كان متوقّعاً. أرى أن هناك سببين أدّيا إلى فشل الفيلم: إما بسبب تهريب نسخ «دي في دي» مقرصنة منه، وإما بسبب محليته القوية. على كل حال، إنها تجربة.
أتمنّى أن يدخل فيلم نادين لبكي السوق في مصر والخليج. سأسعى إلى توزيعه في أنحاء مختلفة من العالم، لهذا وضعت خطّة مدروسة تؤدي بنا جميعنا إلى توزيع سينمائي استثنائي. سأنُظّم وفريق عمل نادين لبكي جولة مع الفيلم من مصر إلى دول الخليج العربي للترويج له بشكل ذكي».
بيروت ـ نديم جرجوره

