انتهت اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين التي استضافتها سنغافورة الشهر الماضي بالموافقة على منح الصين وكوريا الجنوبية والمكسيك وتركيا ثقلاً اكبر في عمليات الاقتراع على قرارات الصندوق وعلى ان يتم بحث تعديلات جوهرية على الحصص المقررة للأعضاء الآخرين لكي يكون لكل منهما نصيب عادل في التصويت يتناسب مع قوته الاقتصادية الفعلية ودون النظر إلى وضعه الاقتصادي الماضي.

ومن المعروف أن الحصص التصويتية للدول الأعضاء والتي تقررت منذ نشأة الصندوق في عام 1945 لم تشهد تعديلات جوهرية وظلت نسبة التصويت لكل عضو على ما هي عليه وفقا لما ورد في القسم الخامس من المادة الثانية عشرة من اتفاقية صندوق النقد الدولي والتي تنص على ما يلي:

أ - لكل عضو 250 صوتا يضاف اليها صوت واحد عن كل جزء من حصته يعادل مئة الف وحدة حقوق سحب خاصة.

ب - عند إجراء تصويت على استخدام موارد الصندوق ، يكون لكل عضو عدد الاصوات المحدد له بموجب الفقرة (أ) أعلاه مع تعديله على الوجه التالي:

- يضاف صوت واحد عما يعادل كل أربعمئة الف وحدة حقوق سحب خاصة من المبيعات الصافية لعملته المحازة في حساب موارد الصندوق العامة حتى تاريخ عملية التصويت.

-أو يطرح صوت واحد عما يعادل كل أربعمئة الف وحدة حقوق سحب خاصة من مشترياته الصافية حتى تاريخ عملية التصويت. وذلك بشرط ألا تزيد المشتريات الصافية او المبيعات الصافية في أي وقت على مبلغ يعادل حصة البلد العضو المعني.

ج - تتخذ جميع قرارات الصندوق بأكثرية الأصوات المدلى بها ما لم ينص بوضوح على خلاف ذلك.

ونظراً لأن حصة الولايات المتحدة تعادل 2750 مليون دولار من رأس مال الصندوق الذي يبلغ 9200 مليون دولار أميركي تقريباً فإنها بذلك تعتبر اكبر مساهم في الصندوق ولها اكبر قوة تصويتية بين الدول الأعضاء (حوالي الثلث تقريباً) يليها المملكة المتحدة التي تبلغ حصتها 1200 مليون دولار أميركي،

وبالتالي فإن الولايات المتحدة الأميركية التي تقف المملكة المتحدة معها دائماً، بالإضافة إلى ما يتقرر لها نتيجة قروض تقدمها للصندوق، تستطيع الوقوف بمفردها ضد أي قرار في غير صالحها أو لا يتناسب معها، وهو ما يؤدي الى وجود تضارب في قرارات عديدة للصندوق الذي لم يستطع تحقيق أهدافه بالشكل الذي يساعد الدول النامية والفقيرة التي تضاءلت حصصها بقدر كبير (ما يقرب من نصف مليون دولار بالنسبة لليبريا على سبيل المثال والى ما يقل عن خمسة ملايين دولار في المتوسط بالنسبة لحوالي خمسة عشر عضوا آخر).

وحددت المادة الأولى من اتفاقية الصندوق أهدافه الستة التي كان في مقدمتها ( تشجيع التعاون الدولي في الميدان النقدي بواسطة هيئة دائمة تهيئ سبل التشاور والتآزر فيما يتعلق بالمشاكل النقدية الدولية ) وكلنا نعرف انه لكل من الدول النامية والدول المتقدمة وجهات نظر متعارضة في أغلب الأحيان بالنسبة لهذا التعاون

والذي غالباً يتم لصالح الدول المتقدمة طالما تملك الحصص التصويتية الأكثر في الصندوق، مثلما تم فعلا في اغلب القضايا، بل كان السبب في قيام جمعيات دولية مناهضة لقرارات الصندوق في مقدمتها جمعية «خمسون عاما تكفي» التي طالبت بسقوطه وإحلال منظمة أخرى بديلة في ضوء التطورات السلبية والانتقادات العديدة لبرامج الصندوق.

وكان من أهم الانتقادات الموجهة لبرامج الصندوق وما تتضمنه من شروط:

- ما تسببه هذه البرامج من اتجاهات انكماشية تؤدي لزيادة معدلات البطالة وتخفض من مستويات الدخل بشكل لا يمكن تحمله في كثير من الدول النامية والفقيرة.

- تركز البرامج على المتغيرات النقدية وخاصة وضع حدود للتوسع في الائتمان المحلي وخاصة الائتمان الممنوح للقطاع العام ، وهو ما يؤدي الى عقبات في عمليات التنمية.

- تنطوي على تفسيرات نقدية للمشاكل الاقتصادية مثل التضخم وعجز موازين المدفوعات (تقوم على أساس أن التأثير في المتغيرات النقدية يحدث أثرا سلبياً في باقي المتغيرات الاقتصادية).

- تخفيض أسعار الصرف الذي يطالب به الصندوق يزيد من عجز ميزان المدفوعات لما لهذا التخفيض من أثر مباشر على التضخم المحلي.

- لا تعطي شروط الصندوق اهتماما كبيرا للتنمية وللتغيرات الهيكلية في الاقتصاد في الأجل الطويل حيث تركز على الإجراءات النقدية والمالية ولا تنظر بعين الاعتبار للتغيرات اللازمة لزيادة الإنتاج.

- لا تأخذ في الحسبان بدرجة كافية اختلاف الظروف الاجتماعية والاقتصادية في الدول الأعضاء ولا تراعي الدور الاجتماعي ومستويات المعيشة لشعوب الدول النامية.

ومنذ أيام قليلة انتقدت منظمة الاونكتاد الدولية إدارة صندوق النقد الدولي في توجيه المساعدات لإفريقيا حيث أكدت أنها لم تنجز شيئا بالنسبة للشعوب الإفريقية خاصة وان إفريقيا حصلت على ما يفوق 500 مليار دولار أميركي من المساعدات الأجنبية منذ عام 1980 ولكنها مازالت أفقر منطقة في العالم رغم امتلاكها موارد طبيعية ضخمة من النفط والماس والذهب، وذكرت المنظمة أن هذه المساعدات لو قدمت بطريقة أفضل وليس حسب المصالح المتعارضة للمانحين كان يمكن ان تكون أكثر فاعلية للشعوب الإفريقية.

إن ما نشاهده حاليا على الصعيد العالمي لا يتفق مع أي تعاون دولي خالص، فهو تعاون بين الدول المتقدمة ولصالحها فقط، أما القرارات الاقتصادية التي تصدر في صالح الدول النامية أحيانا وتوافق عليها الدول المتقدمة فغالبا ما تحتوي على مصالح خافية للدول الأخيرة يعرفها جيدا مفاوضو الدول المتقدمة بينما قد تغيب عن أذهان مفاوضي الدول النامية والتي يتم التعاون بينها بأقل المستويات،

بل غالبا ما يقوم الصدام والشجار والاختلاف بين أعضائها، وهو ما ظهر فعلا في اجتماعات الصندوق بسنغافورة عند عرض تعديلات الحصص للدول الأعضاء. فالدول الصناعية السبع وهي الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وكندا تمتلك حاليا ما يقرب من 45% كحصة في رأس مال الصندوق ولها اكبر قوة تصويتية، ووقفت في الاجتماعات الأخيرة ضد أي انتقاص من حصتها، وهو الانتقاص الذي من المفترض أن يتم عند إعادة تشكيل الحصص

وإعطاء المزيد من الحصص النسبية للدول النامية الأربع السابقة التي تزايدت قوتها الاقتصادية في السنوات الأخيرة، غير ان باقي الدول النامية لم يكن لها موقف محدد بالنسبة لهذه التعديلات وان كانت قد وافقت على زيادة حصص الدول الأربع المذكورة، حيث إن بعضها اعترض على خطة التعديلات بوجه عام باعتبار ان الخطة لا تعكس سرعة التحول في ميزان القوى الاقتصادية العالمية بعيداً عن الدول الغنية.

وكان من الدول التي اعترضت على الخطة الأرجنتين والبرازيل والهند ومصر وإيران وذلك على أساس ان القوة الاقتصادية لكل من هذه الدول تزايدت كثيرا عما كانت عليه في الماضي، وبالتالي يتعين زيادة قوتها التصويتية، كما ان الموافقة التي تمت على منح الصين وكوريا الجنوبية والمكسيك وتركيا ثقلا أكبر في عمليات الاقتراعات لا تزال محل بحث، وبالتالي فإن التعديلات الإصلاحية المطلوبة في القوة التصويتية المناسبة لكل عضو في صندوق النقد الدولي «184 عضوا» تقرر ان تتم في مرحلة ثانية في عام 2008.

ومن المأمول أن تؤدي هذه التعديلات عندما تتم إلى تحقيق الأهداف الحقيقية التي نشأ الصندوق من أجلها والتي خرج بها مؤتمر «بريتون وودز» عام 1944 حيث وافق عليها أقطاب الاقتصاد والنقد في العالم، وهي الأهداف التي تؤكد عدم اعتصار جهد دولة لصالح دول أخرى أو العكس، وبحيث يعيش المقيمون في كل دولة بقدر جهودهم الاقتصادية وأدائهم العملي وديمقراطيتهم الإدارية، وذلك وسط مناخ من التعاون الدولي الحقيقي الذي يقتضي العيش في سلام وامان بين كل دول العالم، نامية ومتقدمة، فقيرة وغنية.

كاتب اقتصادي مصري