حضر الفارابي ذات مرة مجلس سيف الدولة، فأخرج عيداناً لعب فيها فضحك كل من كان في المجلس، ثم ضرب بها لحناً آخر فبكى كل منهم، ثم غير ترتيبها وضرب ضرباً ثالثاً فنام كل منهم حتى البوّاب. كان حال البورصات الخليجية في الأشهر الماضية أشبه ما تكون بعيدان الفارابي، فتارة تضحك من فيها ومرة تبكيهم وثالثة سبات ونوم، فالسعادة في علم النفس هي الشعور باعتدال المزاج والشعور بالرضا. والذين يشعرون بشدة السعادة. هم أنفسهم الذين يعيشون التعاسة بشدة أيضا في الربح والخسارة،

وفي هذا الصدد نذكر ما أكدته الدكتورة هبة عيسوي أستاذة الطب النفسي بجامعة عين شمس (وربما ذكر في مناسبات أخرى ولكن لعلاقته بالموضوع نعيد نصه): بأن التعامل في البورصة لا ينفصل عن سيكولوجية الشخص وسلوكه، فلا بد أن تتوافر في المستثمر أو المتعامل في البورصة العديد من العوامل والمؤهلات النفسية التي تبدأ بما يعرف بالتركيز المعرفي، فيجب ألا يكون المتعامل في البورصة متسرع بطبعه،

ويجب أن يتمتع المتعامل أيضا بذاكرة جيدة وقدرة على تنظيم المعلومات والتحليل، مؤكدة على ضرورة لجوئه إلى المتخصصين في عملية التحليل إذا ما كان غير متخصص. كما يجب أن يتمتع المستثمر بمهارة تقويم الذات، فالمندفع لا يتمتع بهذه المهارة، وقد يستمر الشخص في مواصلة التعامل رغم الخسارة إصرارا منه على تعويض ما خسره دون تقويم ذاته ومحاولة الوقوف على أسباب الخسارة.

بدأ الاهتمام بدراسة العامل النفسي، وتحديد تأثيره بشكل علمي، منذ الانهيار المالي الذي تعرضت لها بورصة (وول ستريت) يوم الاثنين في 19 أكتوبر عام 1987، وهو ما اصطلح على تسميته بـ (سيكولوجية البورصة). بعد أن بلغت الخسائر في يوم واحد 500 مليار دولار أميركي، وذلك بسبب تدافع الناس الى البيع في سلوك جماعي نفسي لم يكن له أسباب مادية قوية، وكانت تلك الكارثة هي البداية الحقيقية لانطلاقة الدراسات النفسية حول البورصة،

ولعل من اهم الدراسات التي أجريت في هذا المجال (سيكولوجية الأسهم)، التي قام بها (روبرت شيلر) من جامعة (ييل) الأميركية، حيث أجرى استبيانا على نحو 2000 من المستثمرين، لاستطلاع رأيهم حول أسباب حدوث هذا الانهيار المالي، وأكدت غالبيتهم أن سبب ذلك يعود إلى عوامل متعددة داخل السوق نفسها،

ومن ضمنها العامل النفسي، فالاستثمار في الأوراق المالية ما هو إلا تخصيص جزء من الأموال لتوظيفها في أصول مالية لفترة من الزمن للحصول على تدفقات نقدية مستقبلا، أي ان المستثمر يخصص جزءاً من المال يتاجر به على أمل الحصول على عائد في المستقبل، وهذا الاستثمار إما أن يكون استثمارًا فرديًا، أو استثمارًا متنوعاً يوجه نحو المحافظ الاستثمارية،

أي ان المستثمر يقوم بتكوين مجموعة من الأصول المالية يتم توظيفها ضمن القنوات الاستثمارية المتعددة مع مراعاة جانبي العوائد والمخاطر التي تصاحب العملية الاستثمارية. غير ان سريان ظاهرة (الإشاعات)، وانعدام الثقة لدى المتواجدين في البورصة، أديا إلى قيام أصحاب رؤوس الأموال بسحب أموالهم من الأسواق، مما نتج عن ذلك انخفاض في أسعار الأسهم، ولا يزال الكثير من المحللين الاقتصاديين، يحملّون الإشاعات والعوامل النفسية مسؤولية الانهيار، على أساس أن المؤشرات المالية للسوق لا تبرر الانهيارات التي تحدث في البورصة.

وتأتي أسعار النفط عامل آخر يضاف لهذه الظاهرة، إذ ارتفعت بنسبة 24% في الفترة من الثاني والعشرين من مارس إلى منتصف أغسطس 2006، مسجلة أرقاماً قياسية. من شأنه بالفعل أن يؤثر على أسواق الأوراق المالية في كل أنحاء العالم، فقد كان ارتفاع أسعار النفط من الأسباب الرئيسية لفترات الركود الاقتصادي التي شهدها العالم، فتذبذب أسعار النفط حدا بأن تكون مجساً رئيسياً للتغير في سيكولوجية السوق،

والحال نفسه مع بقية الأسعار ذات الترابط السلعي مع أسعار النفط، فارتفاع أسعار النفط الفجائية يترتب عليها حالة من الحساسية والاندفاع نحو التجمهر حول الأخبار، ثم التكهن بالتنبؤات الاقتصادية والسياسية على ضوئها، وتحديداً حول سلوك المضاربين فيها والعوامل النفسية المؤثرة في هذا السلوك. كما أن سوق الإصدار الأولي على درجة كبيرة من الحساسية ليس لما يتعلق بالشركات المساهمة الجديدة وتوسيع قاعدة الشركات المدرجة،

فحسب بل لتأثيراته على السيولة المحلية وعلى سوق الأسهم، ولدخول مستثمرين جدد إلى هذا النشاط الاستثماري ذلك أن المحللين الاقتصاديين بإقرارهم بأهمية هذه العوامل يلمحون ضمناً إلى أن الأحداث الاقتصادية أقل قابلية للتنبؤ فيها، وأياً كان السبب الأساسي وراء الهبوط الذي شهدته أسعار الأوراق المالية في كافة أنحاء العالم خلال الفترة المنصرمة،

فإن ذلك الهبوط يشير إلى عدم استقرار سيكولوجية السوق، ومن الصعب أن يكون سبب الهبوط كان مرتبطاً فقط بالآراء والأخبار المحتملة، بل هناك قضايا أشد ضخامة وأكثر عمقاً، بما في ذلك العوامل الاقتصادية كالناتج المحلي الإجمالي ومعدلات البطالة والتضخم وأمور أخرى مثل التبعية المفرطة للطاقة وعدم ثبات أسعار النفط، والتوترات السياسية، وغيرها من الدعائم التي يبنى عليها أداء الاقتصاد العالمي.

كاتب ومحلل اقتصادي

utaiba @eim.aeK