تزخر تركيا بثروة هائلة من التراث الحضاري العريق الذي ازدهرت به على مدى القرون الماضية، فهي الجسر الثقافي الحضاري الذي يربط بين الشرق والغرب وهي البوتقة التي انصهرت بها الثقافات والأفكار والفلسفات العديدة لتخلق بلداً يتجدد جماله الخلاب على مر السنين. ولأنها تتمتع بتراث ثقافي عريق ازدهرت به على مدى القرون الماضية فإن تركيا تعرف بـ (بمهد الحضارة).

خليط رائع من الحضارات والثقافات والقارات يتعانق فيه الحديث مع القديم فتتمخض عنه مدينة رائعة مدهشة هي اسطنبول التي اشتهرت قديما باسم بيزنطة ثم سميت القسطنطينية. إنها كنز واسع من المعالم التاريخية والحضارية التي تشمل مساجد مهيبة وقصوراً عظيمة ترسم على شواطئ المدينة منظراً خلابا بديعاً على مياه مضيق البوسفور.

وتنحدر بساتين الزيتون العريقة نحو شواطئ أزمير الجميلة وتزهو المنطقة بأشجار الصنوبر والفواكه القابلة للتجفيف ( مثل التين )وتحيط بها أيضاً الصخور الشاهقة ومياه البحر الصافية وهي تزخر بالمحال التجارية العالمية، من محال الأزياء الأنيقة إلى محال القطع الأثرية الفخمة والمجوهرات الثمينة.

تتألف تركيا من شبه جزيرتين ومضيقين يفصل بينهما بحر مرمرة، تقع شبه الجزيرة الأولى في آسيا والثانية في أوروبا، وتطل الدولة على ثلاثة بحار هي الأسود في الشمال ومرمرة وايجة في الغرب كما يحدها البحر المتوسط جنوبا، ويطلق على تركيا الآسيوية اسم الأناضول، اما القسم الأوروبي فيدعى تراس.

اسطنبول.. جمال مبهر

حين تهبط بك الطائرة في اسطنبول لابد ان يأخذك سحرها، ويأسرك غموضها فهي تزدان بقبابها ومآذنها الذهبية التي تنعكس عليها أشعة الشمس في الغروب فتنعكس صور المساجد الفخمة على مياه البوسفور الزرقاء وتكون لوحة رائعة الجمال بينما يتناهى إلى أذنك صوت المؤذن وهو يدعو للصلاة. ولا شك ان صوت المؤذن في اسطنبول يثير الدهشة فتركيا تعلن علمانيتها منذ أكثر من 70 عاما ورغم ذلك لم تستطع خلع ردائها وروحها الإسلاميين، وعدد سكان تركيا حوالي 60 مليون نسمة يدين 99% منهم بالدين الإسلامي.

لا تجعل السحر يأخذك بعيدا عن الواقع فعليك قبل ان تطأ قدماك اسطنبول اما ان ينتظرك من يجيد التركية والعربية أو الانجليزية وإما يكون معك العنوان الذي تقصده مكتوبا باللغة التركية حتى تستطيع الوصول إليه بالتاكسي، فالشعب التركي لا يتكلم ولا يفهم إلا التركية ويعتبر ذلك أحد مظاهر الاعتزاز بقوميته.

ولاسطنبول موقع استراتيجي هام جعلها عاصمة للبلاد لما يقرب من 1600 عام وقد تأسست قبل 2600 سنة حيث جعلها الامبراطور قسطنطين عاصمة للرومان ثم أصبحت ولاية فعاصمة للامبراطورية البيزنطية وفي عام 1453 هجرية سقطت اسطنبول تحت مدافع الجيش العثماني بقيادة السلطان محمد الثاني.

وتعج المدينة بقوميات مختلفة حتى اليوم بالإضافة إلى زوارها من كل أنحاء الدنيا حينا للسياحة وأحيانا للتجارة ومن أهم آثار المدنية قلعة روملي التي بنيت أسوارها على شكل اسم النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وهناك كنيسة آيا صوفيا وجامع السلطان أحمد الأول والمسمى أيضا بالجامع الأزرق وهو آية من آيات الفن المعماري بمآذنه الست المناطحة للسحاب والمزينة بالقرميد الأزرق.

وأسواق اسطنبول مغرية وساحرة في آن واحد فالصناعة التركية استطاعت التقدم في كل المجالات وخاصة المنسوجات والملبوسات الجاهزة بالإضافة إلى المشغولات اليدوية التي تستطيع ان تجدها على أعتاب آيا صوفيا حيث تبيعها السيدات للسائحين. وهناك أيضا باسطنبول صناعة متميزة للمجوهرات المختلفة وخاصة اللؤلؤ والذهب

وكذلك صناعة متميزة للخزف موروثة من مصنع باليدز لصناعة البروسلين والذي أمد القصور العثمانية بكل احتياجاتها ولا نستطيع ان ننسى المنسوجات الحريرية بجمال ألوانها وتصميماتها الشرقية والتي تشاركها فيها صناعة السجاجيد والأكلمة الشرقية. اما ليالي اسطنبول فسحرها لا يدانيه إلا سحر القاهرة كما يقول ذلك العديد من الذين زاروا المدينتين التاريخيتين.

فعلى ضفاف البوسفور تستطيع ان تسمع أصوات التخت الشرقي وهي تتناهى إلى إذنك بينما تتناثر الأطعمة الفاخرة التي يشتهر بها المطبخ التركي على موائد الفنادق والكازينوهات المنتشرة على ضفاف اسطنبول. وتنتشر المطاعم أيضا في اسطنبول ففي أيام الشتاء القارصة البرد تعرض المطاعم مأكولات في الفاترينات تغري المارة بالطعام الساخن بينما يتساقط الثلج ليزيد من إحساس المرء بالجوع.

ان مدينة اسطنبول بآثارها التاريخية ومتاحفها وقصورها وأسوارها وشالياتها ومفاتنها الطبيعية ومعابدها الموروثة منذ 8 آلاف سنة ، تسحر كل الأذواق والأهواء كتوليفة للمحبة والتسامح. واسطنبول، سواء من حيث السكان والموقع، أومن حيث مزاياها الاقتصادية والتجارية والثقافية، هي من أكبر المدن التركية.

بالإضافة إلى ذلك، يتم جمع حوالي نصف الضرائب المدفوعة للدولة من هذه المدينة وضواحيها. وتمتلك اسطنبول أكبر ميناء لحركة الاستيراد، وتعد قلب تركيا الذي يربطها بكافة أرجاء العالم بخطوطها الجوية والبحرية، ويقوم جسران كبيران بربط طرفي اسطنبول الآسيوي والأوروبي.

ان قصر طوبقابي، الذي كان البلاط الرسمي والسياسي للسلاطين العثمانيين زهاء 400 عام قبل أن يتم تحويله إلى متحف في يومنا، هو من أهم قصور اسطنبول و يجذب انتباه كل الشعوب رغم تباين مشاربهم الثقافية بما يملكه من كنوز تاريخية والأمانات المقدسة.وقصر آخر من قصور اسطنبول الشامخة هو قصر دولمة باهجة المشيد من قبل السلطان عبد العزيز والمحاط ب56 عموداً، ويضاء بثريات تزن 5 ,4 أطنان.

جامع السلطان أحمد

إن أشهر جامع في اسطنبول، التي تعتبر مدينة الجوامع بما يقارب الخمسمئة جامع، هو جامع السلطان احمد ذو الست مآذن. أمّا ساحة السلطان احمد، التي تضم ماء السبيل مع الجامع، فهي ملتقى جميع السائحين. الجامع المهم الآخر هو السليمانية الذي بناه المعمار التركي الشهير سنان.

أمّا متحف أيا صوفيا الذي بناه الإمبراطور قسطنطين على النمط البازيليكي في القرن الرابع الميلادي، فيأتي كرائعة أثرية من العهد البيزنطي في المدينة، إذ يبلغ ارتفاع قبته 55 وعرضها 31 متراً، ليحتل المرتبة الرابعة من حيث الحجم بعد كتدرائيات سان بطرس في روما وسان بول في لندن وديومو في ميلانو، بيد أنه أقدمها جميعاً. وكذلك متحف كارية، ثم قصر يره باتان المشيد من قبل البيزنطينين في القرن السادس الميلادي بغية سد حاجة المدينة من المياه والقائم على 336 عموداً، فهما أيضاً من المعالم التاريخية الزاخرة في المدينة.

وهناك العديد من المتاحف والنصب التاريخية الجديرة بالمشاهدة في اسطنبول مثل متحف اسطنبول الاركيولوجي ومتحف أتاتورك ومتحف سادبيرك هانم ومتحف الفسيفساء والمتحف الصناعي والمتحف البحري والمتحف اليهودي، وبرج قزقولسي وبرج غلطة، وحصن روميلي والأناضول وأسوار اسطنبول.والسوق المسقوف (قابالي جارشي) المقام في القرن الخامس عشر، يأتي في مقدمة الأماكن المرتادة من قبل السائحين في اسطنبول،

بما يضم ما يقارب 4000 محل لبيع المجوهرات والتحفيات والسجاجيد والأواني الفضية والنحاسية والهدايا التذكارية والملبوسات الجلدية والمرصعات الصدفية والأخشاب المطعمة والمعشوقة.وبالوسع الحصول على أنواع وصنوف التوابل والبهارات في سوق مصر التاريخي المشيد في القرن السابع عشر الميلادي نزولاً عند رغبة السلطانة خديجة.

وتحتضن اسطنبول في الوقت ذاته محلات تسوق حديثة مثل جاروسل وغاليري اتاكوي واق مركز وكابيتول وكارفورسا وبروفيلو وكوله جارشي كأسواق تجارية مركزية إلى جانب المحلات الفاخرة والمتاجر في شوارع استقلال وروميلي وبغداد. وتعد اسطنبول واحدة من أهم المراكز بمهرجاناتها المتنوعة للسينما والموسيقى والمسرح والأوبرا والباليه والأمسيات الموسيقية وبمؤتمراتها ومنتدياتها ومسابقاتها الدولية،

بحيث تستضيف خلال شهري يونيو ويوليو من كل عام أشهر النجوم والفنانين وألمع النجمات والفنانات من كافة أرجاء المعمورة للمشاركة في المهرجان الدولي للثقافة والفن. كما تستضيف اسطنبول بشكل متواصل أهم الأنشطة الرياضية العالمية، نظراً لكون مضيق البوسفور والجزر من أفضل الأماكن لرياضة اليخوت. وبموازاة تطور سياحة اليخوت غدت اسطنبول مرتعاً عالمياً لليخوت. وتقدم مرافئ اتاكوي وقالاميش وفنر باهجة تسهيلات عديدة بما فيها المبيت والإقامة لعشاق اليخوت.

منطقة ايجة

هبوب النسيم والجو الدافئ أكثر أشهر السنة وهدير البحر والأمواج المتلاطمة على الخليج وصفيف أوراق أشجار الزيتون الخضراء تمتد على طول الساحل الفضي وتذكرنا بأسطورة معركة الالياذة في هذه المواقع. ومركز منطقة ايجة هو ازمير ثالث المدن التركية وتعتبر من المنتجعات البحرية السياحية المهمة وقد ولد فيها هوميروس وتتميز شوارعها العريضة التي تزينها أشجار النخيل ومن أهم آثار تلك المنطقة قلعة قذيفة التي بناها احد قادة الاسكندر الأكبر.

وفي الجنوب الغربي من ايجة منتجع بودروم ومرمريس بالإضافة إلى معبد مانسولوس ومعبد ديانا إحدى عجائب العالم القديم، وهناك أيضا توجد بحيرة اتولو دفينز أي البحر الميت التي يقصدها الكثير من السائحين. وتوجد منطقة انطاليا التي تمتد على طول الحدود الجنوبية التركية تتصف بجبالها وغاباتها الكبيرة ومناظرها الطبيعية الخلابة

حيث تمتع الناظرين بالمياه والجبال والغابات جنبا إلى جنب ويمكنك ان ترى الثلوج صيفا وشتاء أعلى قمم جبال طوروس المغطاة بالغابات، بينما تتلألأ مياه البحر الأبيض كالبلور وأشجار الصنوبر والبرتقال و مزارع الموز تنتشر هنا وهناك بينما تطل تماثيل انطاليا الشهيرة لتروي قصصاً وحكايات أسطورية، بينما يستمتع الزائرون بشواطئ انطاليا الخلابة بالصيف.

ومدينة صقاريا هي مدينة صناعية، إلى جانب حقولها الزراعية المثمرة فوق مراعيها وسهولها الواسعة. وتمتاز المدينة منذ القدم بحسن جمال أهاليها. وعلى ربوعها ترعرعت الحسناء الأسطورية سابينا قرينة الإمبراطور الروماني هاريانوس، قبل مغادرتها كعروسة إلى روما.

وتتمتع تراقيا بأراضٍ خصبة غنية عموماً بحقول عباد الشمس وبساتين الكروم، وهي تشكل الجزء الأوروبي من تركيا. وأول شيء يطالع الأجنبي القادم من أوربا إلى بوابة تركيا الغربية أدرنة، هو مسجد السليمية روعة الفن المعماري التركي. وتجري في بداية صيف كل عام مسابقات قرق بنار الشعبية للمصارعة فوق ربوع بلدة سراي ايجي المكسوة بالأشجار.

وتقع المدن الثلاث جناق قلعة وباليكسير وبيلجيك على الجزء الجنوبي من بحر مرمرة. وتضفي قلعتا جمنليك وكيليت بحر، من أعمال القرن الخامس عشر، رونقاً فريداً على المضيق. وقد شيد نصب شهداء جناق قلعة فوق الحافة الجنوبية للمنتزه الوطني، يعلو 42 متراً تخليداً لذكرى 000 ,500 جندي استشهدوا في معركة جناق قلعة أثناء الحرب العالمية الأولى.

وهناك في جون (الانزاك) الكائن في سواحل اري بورنو التي تم فيها إنزال الجنود الانزاك أثناء تلك المعركة، نصب الانزاك على شكل مسلة منقوش عليها خطاب أتاتورك حول معركة جناق قلعة، الذي يعد بحق وثيقة من الوثائق الخالدة في الفلسفة الإنسانية.

وعلى القسم الشمالي الغربي من جناق قلعة تترامى المدن التاريخية من الشمال نحو الجنوب. وتطل علينا على بعد 30 كيلومتراً من جنوب غرب جناق قلعة مدينة طروادة ذائعة الصيت بحصانها الخشبي، حيث كانت مسرحاً لشخصيات ملحمة الإلياذة لمؤلفها هوميروس الأناضولي مثل الملك برياموس وهكتور وباريس والحسناء هيلينا.

ولو ابتعدنا عن طروادة ناحية الجنوب نغور في خضم التاريخ لنشاهد أطلال نياندريا والكسندريا وتروس وكرايس واسوس على التوالي، والأخيرة تعد كمنتدى للنخبة المثقفة وكمنتجع لقضاء الإجازات السنوية، وهي تعرف باسم بهرام قلعة. أمّا معبد أثينا داخل حصن اسوس، فقد شيد في القرن السادس قبل الميلاد.

وتمتلك منطقة إيجة، حسبما قال المؤرخ المعروف هيريدوت ـ وهو من بودرم ـ أجمل سماء وأفضل مناخ في العالم، والمنطقة غنية بمعالمها التاريخية والطبيعية على السواء. وقد جعلت المسارح التاريخية والمعابد الأثرية والقلاع والحصون الغابرة، إيجة منطقة تتنفس بالأساطير. ازمير لؤلؤة إيجة: تعتبر ازمير المدينة الفاتنة، وموطن ولادة الروائي الملحمي الأناضولي هوميروس، مرتعاً مهماً للسياحة والفن والثقافة والتجارة والصناعة.

ويعود ماضي ازمير إلى 3000 قبل الميلاد، وكانت تدعى بيراقلي عند استيطانها أول الأمر، ودخلت تحت نفوذ الدولة الحيثية بعد عام 1500 قبل الميلاد. وفي القرن الرابع قبل الميلاد قام الاسكندر المقدوني الكبير بإعادة تنظيم المدينة فوق سفوح «قطيفة قلعة»، وذلك بإنشاء قلعة موازية لقطيفة قلعة لا تزال قائمة حتى يومنا.

وازدادت أهمية القلعة إبّان عهد الإمبراطورية الرومانية. وبعد الحكم البيزنطي انتقلت المدينة إلى السيطرة العثمانية. ويتربع المنتزه الثقافي في وسط المدينة. وفي هذا المنتزه يقام كل عام معرض ازمير الدولي الذي يلقى إقبالاً واسعاً. كما تحتضن المدينة مهرجان ازمير الدولي كواحد من أضخم مهرجانات تركيا.

اسطنبول ـ «البيان»