يؤثر الوضع السياسي الحالي في بنغلاديش، والتي تتوقع انتخابات عامة في يناير المقبل، على القرارات الاقتصادية المهمة التي ترسم مستقبل الميلاد الاقتصادي. فالحكومة التي تريد الفوز في الانتخابات المقبلة تستغل مشاعر شعبية هي في الحقيقة ضد مصلحة البلاد الاقتصادية التي تقتضي اقتناص الاستثمارات الأجنبية المتاحة من أجل إنعاش الاقتصاد الذي يفتقر إلى التمويل الداخلي والخارجي والطاقة، في الوقت الذي تهدد فيه الحكومة هذه الاستثمارات لصالح الحسابات الانتخابية.
ويبدو أن بنغلاديش في حاجة شديدة إلى مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية المتاحة، في ظل فقر البلاد وجوعها للطاقة ورأس المال، بعد أن أدى تكاملها مع الاقتصاد العالمي، خاصة من خلال صناعة الملابس إلى إخراج ملايين من سكان الريف من دائرة الفقر. وتجلت حاجة البلاد الشديدة من خلال التظاهرات العنيفة التي جرت مؤخراً في داكا بشأن انقطاع الكهرباء، الأسوأ منذ تولي الحكومة الائتلافية برئاسة الحزب الوطني منذ 5 سنوات.
وسجل اقتصاد بنغلاديش نمواً يزيد على الربع منذ عام 2001 لكن طاقة توليد الكهرباء لم ترتفع، ولا يبدو أن الائتلاف الحاكم يهتم للأمر، لأنه ينبغي أن يتنحى عن السلطة في أكتوبر لتولي حكومة مؤقتة للاشراف على انتخابات يناير المقبلة. وقد غض الائتلاف الحاكم النظر عن 4 مليارات دولار من الاستثمارات الأجنبية، وهو رقم يزيد على نصف الاستثمارات الأجنبية في البلاد حالياً،
وتحتاج بنغلاديش إلى مصادر تمويل محلية وأجنبية لتحقيق هدف الحكومة في خفض عدد الفقراء إلى النصف بحلول 2015، لكن العوامل السياسية تحول دون ذلك.فقد ألغت الحكومة مشروعاً للفحم باستثمارات 4 ,1 مليار دولار بالتعاون مع شركة آسيا إنيرجي البريطانية بعد قتل الشرطة لخمسة متظاهرين على الأقل في موقع التعدين في شمال غربي البلاد.
واضطرت الحكومة إلى الوفاء بالوعد بمطالب المتظاهرين بالغاء الاتفاقية مع شركة آسيا انيرجي ووقف تعدين الفحم في المنجم المفتوح، وكان المقرر أن ينتج المشروع 15 مليون طن من الفحم، لكن هناك كثير من الجدل حوله، فهو يتطلب إعادة توطين نحو 50 ألف شخص، في أكثر الدول في العالم ازدحاماً بالسكان، لكن إلغاء تعدين الفحم في الموقع يكرس إحدى سمات ضعف الاقتصاد البنغالي، وهي عدم قدرته على الوفاء بحاجات الطاقة المتزايدة.
ويفوق عدم قدرة الحكومة أو ضعفها على هذا الاخفاق، بعد عامين من التفاوض لإقامة مشروع بقيمة 3 مليارات دولار لإنتاج الفحم والصلب والغاز والأسمدة بالتعاون مع شركة تاتا الهندسية. ويؤيد المانحون لبنغلاديش مشروع الفحم، لأنه كما يقولون سوف ينمي ويطور منطقة الشمال الغربي الفقيرة ويدر الكثير من العملة الصعبة ويحسن موارد الطاقة، لكن المفاوضات توقفت بسبب خلاف على سعر الغاز المطلوب كوقود لتشغيل المشروع.
ويحتمل أن انتشار عواطف ضد الهند في البلاد قد أعطى الحكومة مبرراً لعرقلة المشروع، في وقت تقترب فيه الانتخابات. وتدعي الحكومة أنها تحمي الموارد الطبيعية للبلاد من الأجانب الطامعين، وثبت أن هذه السياسة لها شعبية، لكن اقتصاد البلاد، من دون استثمارات أجنبية كبيرة، سيجد من الصعب جداً أن يتواكب مع النمو السكاني، وسوف يصل عدد السكان في البلاد إلى 243 مليون نسمة بحلول منتصف القرن، في الوقت الذي تبلغ مساحة بنغلاديش ضعف مساحة أيرلندا.
لكن السياسة الانتخابية هي التي تقود السياسة الاقتصادية حالياً. فقد حثت بعثة من الاتحاد الأوروبي في زيارة حديثة، الحزبين الرئيسيين على الأقل على التعاون في الانتخابات، وقد تؤدي الخلافات حول تشكيل حكومة مؤقتة ولجنة الإشراف على الانتخابات إلى انسحاب أحزاب المعارضة، لكن كلا الطرفين يتبنى تقليد عدم التعاون، فالفائز في الانتخابات في بنغلاديش لابد أن يفوز بكل شيء وحده.
ترجمة: أشرف رفيق