انطلق في العاصمة اللبنانية مساء أمس، مهرجان بيروت السينمائي الدولي وعاد إلى الظهور مجدّداً في المشهد السينمائي اللبناني بعد غياب أعوام عدّة، عبر دورته السابعة التي تمتد حتى الحادي عشر من أكتوبر الجاري وذلك على الرغم من الظروف الصعبة التي لا يزال لبنان يواجهها بسبب التداعيات المتنوّعة التي خلّفتها الحرب الإسرائيلية الأخيرة.
وكانت مديرة المهرجان كوليت نوفل، التي رافقته منذ ولادته في العام 1999، قد قرّرت أن تنظّم هذه الدورة بفضل تشجيع مدير «مهرجان البندقية السينمائي الدولي» ماركو مولر لها، الذي دعاها إلى حضور الدورة الثالثة والستين (30 أغسطس/9 سبتمبر 2006) لمهرجانه، والذي نظّم لها مؤتمراً صحافياً للإعلان عن إقامة الدورة السابعة للمهرجان البيروتي، وعن الخطوط العريضة للبرنامج المنوي تنفيذه.
وقد افتتح المهرجان في السابعة والنصف مساء بتوقيت بيروت في «قصر الأونيسكو»، بالعرض اللبناني الأول للفيلم الأخير للمخرج الإسباني بيدرو ألمودوفار «فولفر»، والذي يعاد عرضه خمس مرّات في صالتين من صالات مجمّع «كونكورد» (السابعة والنصف مساء الجمعة والعاشرة ليل السبت والخامسة بعد ظهر الأحد والسابعة والنصف مساء الاثنين والعاشرة ليل الثلاثاء).
وتقول كوليت نوفل: «لولا هذا التشجيع والإصرار على ضرورة إقامة الدورة السابعة للمهرجان البيروتي، الذي عرفته من ماركو مولر وعدد آخر من الأصدقاء اللبنانيين والأجانب، لما أنجزت الترتيبات اللازمة في نحو ثلاثة أسابيع فقط. هناك من اقتنع بمبادرتي هذه، كيارا لي ممثّلة جمعية «غاند ولي» التي تساهم في تمويل الدورة الحالية.
والتي أصدرت بياناً بعنوان «إصنع سينما لا حرباً»، جاء فيه أن إقامة المهرجان تأكيد مهم وانتفاضة ثقافية مقاوِمة للحرب، على غرار الدور الذي لعبه مهرجان السينما في سراييفو في خلال الحرب في يوغوسلافيا» وتشير نوفل إلى أنها تلقّت دعماً وتمويلاً من وزارة السياحة اللبنانية التي وضعت مهرجانها على لائحة المهرجانات الفنية والثقافية التي تموّلها الوزارة.
وتضيف: «كدت ألغي الدورة الجديدة. ففي ظلّ الأحداث الأليمة التي عرفناها مؤخّراً، كان يصعب عليّ القيام بواجبي السينمائي هذا. انتهت الحرب؟ نعم. استقرّ الوضع في لبنان؟ نعم، أقلّه في الفترة المقبلة. لذا، لم يعد هناك سبب لعدم تنظيم الدورة السابعة».
ولعلّ كوليت نوفل وجدت في إصرار إدارة مهرجان الفيلم العربي «أيام بيروت السينمائية» على تنظيم الدورة الرابعة بين السادس عشر والثالث والعشرين من سبتمبر الفائت دفعاً جديداً لها، فانكبّت على العمل مجدّداً، و»أنهيت كل شيء تقريباً في فترة قياسية، علماً أني قلّصت عدد أيام الدورة الجديدة، وخفّفت من النشاطات المرافقة.
وقلّلت عدد الأفلام المشاركة، من دون أن أتغاضى عن مسألة اختيار أفلام جدّية ومهمّة، عرفت نجاحاً جماهيرياً ونقدياً لافتاً للانتباه في عروضها الدولية، سواء في المهرجانات الأساسية أو في الصالات التجارية. كان هناك دعم حقيقي من قبل موزّعين ومنتجين مختلفين. وهذا ما سهّل عليّ عملي».
وعشية الثاني عشر من شهر يوليو الماضي (اليوم الذي اندلعت فيه الحرب الإسرائيلية على لبنان)، كانت نوفل قد أعدّت لائحة كبيرة من الأفلام: «خسرت حقوق عرض الكثير منها لأن موزّعيها اعتقدوا أن المهرجان تعرّض للإلغاء». حتى على مستوى المسابقة التي كانت تزمع إقامتها، تغيّر كل شيء: «كان يُفترض برئيس لجنة التحكيم أن يكون الممثل الكبير جون مالكوفيتش. اتصلت أيضاً برئيسة «المركز الوطني للسينما» في فرنسا فيرونيك كايلا.
وأجريت مفاوضات مع الممثل بروس ويليس في الدورة الأخيرة (مايو 2006) لمهرجان «كان» بهدف استضافته. كل شيء تغيّر في دورة هذا العام. لا يسعني إلاّ التمنّي بأن تكون الدورة المقبلة في العام المقبل أفضل وأكبر».
إلى ذلك، قالت كوليت نوفل، التي اختارت شعاراً للدورة السابعة لهذا المهرجان يتلاءم والظرف اللبناني الآنيّ، وهو: «لبنان القائم من الرماد كطائر الفينيق»، إن إطلاق هذه الدورة «كان أسهل من المرّتين الماضيتين، حين واجهتني صعوبات متنوّعة، بعضها مرتبط بالوضع الأمني في لبنان حينها أيضاً. اليوم، انتهت الحرب، وأشعر أن الاستقرار سيسود البلاد، في خلال الفترة المقبلة.
وذلك، خلافاً للعامين الفائتين، إذ كان مصير لبنان معلّقاً في الفراغ، أو بالأحرى «على كفّ عفريت»، كما يُقال. في السابق، تملّكنا الخوف. اليوم، وعلى الرغم من أن ما جرى يولّد نوعاً من الإحباط، إلاّ أني أشعر بارتياح أكبر إلى مصير المهرجان».
وعن أسماء الضيوف المدعوين تقول كوليت: « أخبروني أنهم سيُعلنون عن أنفسهم أمام الصحافة والإعلام في اليومين الأخيرين. لا بأس في هذا. المهمّ أن يأتي الضيوف، فهذا دعم للمهرجان ولبيروت أيضاً. في المقابل، أستطيع القول إن فريق عمل الفيلم المصري «عمارة يعقوبيان» لمروان حامد، الذي سيختتم الدورة السابعة في الحادي عشر من الشهر الجاري، سيكون موجوداً في حفلة الختام. سيأتي المخرج وبعض الممثلين، ربما عادل إمام ونور الشريف ويسرا. لا شيء مؤكّد لغاية الآن.
أما بالنسبة إلى فيلم الافتتاح، وهو «فولفر»، فقد اتصلت بمخرجه الإسباني بيدرو ألمودوفار لدعوته، لكنه اعتذر منّي قائلاً لي إن لديه جولة إعلامية للترويج لفيلمه هذا في بعض الدول في الفترة نفسها».
إلى هذين الفيلمين، تُعرض أفلامٌ أخرى لا تقلّ أهمية عنهما: «باريس، أحبّك»، فيلم جماعي يحمل توقيع عشرين مخرجاً (بعدد دوائر باريس) كغاس فان سانت وألفونسو كوارون ووس كرافن وأوليفييه أساياس وآخرين.
هناك أيضاً الفيلمان الإنجليزيان «الملكة» ستيفن فريرز و«لوّني كوبريك» لبريان كووك (تمثيل جون مالكوفيتش)، بالإضافة إلى «كيلومتر صفر» للمخرج الكردي هاينر سليم والفيلم الأميركي «ماريا الممتلئة نعمة» لجوشوا مارستون و«ماروك» للمغربية ليلى مراكشي و«ملك وكتابة» للمصرية كاملة أبو ذكري و«يوم جديد في صنعاء القديمة» لليمني بدر بن حرصي وغيرها.
لكن، ماذا عن الأفلام اللبنانية؟ تقول كوليت نوفل: «هناك فيلمان لكاتيا جرجوره، أنجزت الأول في المرحلة التي تلت اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، بعنوان «الناهي»، والثاني حقّقته في ظلّ الحرب الإسرائيلية التي وقعت أخيراً، بعنوان «بيروت ما بتموت».
في الأول، تحدّثت المخرجة الشابة عن شاب تمتّع بحضور لافت للانتباه في خلال تلك المرحلة، وقرأت من خلاله الواقع اللبناني، في حين أنها تناولت في الثاني مجموعة شباب بين الخراب الفظيع الذي أحدثته إسرائيل في الضاحية الجنوبية لبيروت».
لم تشأ نوفل أن تتطرّق أكثر من هذا في موضوع الفيلم اللبناني. غير أن المسألة واضحة: فقد عُرض الفيلمان اللبنانيان الروائيان الطويلان الجديدان «أطلال» لغسان سلهب و«فلافل» لميشال كمّون في «أيام بيروت السينمائية» للمرّة الأولى في لبنان. كما أن «أطلال» سيُعرض تجارياً في بيروت بدءاً من العاشر من أكتوبر الجاري. في حين أن المشاريع الروائية الطويلة الأخرى لم تُنجز لغاية الآن. وهذا يعني أن لا أفلام طويلة يُمكن اختيارها ل(مهرجان بيروت السينمائي الدولي).
بيروت ـ نديم جرجوره
