ذابت نورة جمشير في عملها كمدير تنفيذي لبورصة دبي للألماس وذاب عملها فيها بحيث أضحى الاثنان تعبيرا عن شيء واحد، وبحيث صار العمل ـ على حد تعبيرها ـ مرادفا لحياتها، واعتركت الحياة المهنية بكل ما فيها من مثالب وتحديات واضعة نصب عينيها هدفا محددا وهو تحقيق المزيد من النجاحات لبورصة دبي للألماس، من خلال تجاوز عقلية الاقتصاد القائم على التأجير والعمل على توظيف الموارد.

وتوفير التدريب وخلق الحافز لدى قطاعات الشباب على المستوي المحلي وتوسيع قاعدة التعليم لتشمل السوق والمهنيين والمهتمين والجماهير، بحيث تكون الرؤية هنا منصبة على توسيع كعكة سوق الألماس عبر توسيع الأفاق والإمكانيات، وتقديم البورصة بوصفها نموذجا من زاوية نوعية الخدمات والمنتجات. واجهت طيفا متنوعا من التحديات، حيث كان عليها أن تواجه تحدى صغر سنها بالبرهنة على كفاءتها وقدرتها على النهوض بمسؤولياتها، كما كان عليها أن تواجه تحدى ارتيادها مهنة ارتبطت بالرجال، وعملت على اجتياز هذه الأمواج المتلاطمة من التحديات من خلال التعلم من خبرات الآخرين، ويحضرها في هذا المجال سيدتان تمثلان بالنسبة لها نموذجا ساطعا، أولها معالي الشيخة لبنى القاسمي وزيرة الاقتصاد والتي تعلمت منها السيطرة على الذات والتحكم في الانفعالات.

وثانيها مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، ويحلو لها في هذا المجال أن تسرد قولها المأثور بأنه إذا ما ثار الرجل، كان ذلك أمرا طبيعيا ومألوفا، ولكن إذا ما ثارت المرأة وصمت بأنها عاطفية، وتقر بأنها تمكنت من تسجيل نجاحات بفضل مؤازرة ودعم أحمد بن سليم المدير التنفيذي للعمليات في مركز دبي للسلع المتعددة. وكشفت في حديثها بعض الأوراق التي في جعبتها، من بينها الإشارة إلى أن مركز دبي للسلع المتعددة يخطط على المدى القريب لإقامة مركز تصنيع متكامل للألماس، وتطوير قانون يسري على أعضاء البورصة وغير الأعضاء على حد سواء.

حقائق أولية... ولعل انصهارها في عملها، جعل الشيء الأول الذي يراود ذهنها في الحديث الذي أدلت به لمجلة «جميرا بيتش» هو تسليط الضوء على المكانة المتميزة التي تشغلها الدولة على خريطة صناعة الألماس العالمية، ولهذا استهلت حديثها بأن لفتت الانتباه إلى حقيقتين صاغتهما على هيئة تساؤلات. وبادرت بالسؤال الأول قائلة : هل تعلم أن الإمارات العربية المتحدة تعتبر أكبر مركز تجاري في العالم للألماس الخام، وقد نمت تجارة الألماس الخام في دبي بنسبة 25,46% في عام 2005 لتصل قيمتها إلى 734,3 مليارات دولار من 553 ,2 مليار دولار في العام السابق عليه، وخلال العام ذاته، بلغت قيمة صادرات دبي من الألماس 248 ,2 مليار دولار، فيما لامست الواردات مستوى قيمته 484 ,1 مليار دولار. ثم طرحت سؤالها الثاني قائلة : هل تعلم أن الإمارات العربية المتحدة تعد أول دولة في المنطقة العربية توقع على عملية «كيمبيرلي» وهو الأمر الذي أكفل إضفاء الصبغة الشرعية والقانونية على كافة واردات دبي من الألماس الخام.

اختارت نورة جمشير المدير التنفيذي لبورصة دبي الألماس هذين السؤالين لمجرد التأكيد على واقع موجود فعلا، وليكونا محطة انطلاقها نحو سرد سيرتها المهنية والتعليمية، والتعبير عن تصميمها على دفع صناعة الألماس صوب المزيد من النجاحات.

البدايات الأولى

تعود نورة جمشير بذاكرتها إلى الوراء، وتستعيد مشاهد بدايات اعتراكها الحياة المهنية، ويطل في هذا المقطع الحيوي من حياتها الدور الذي لعبه والدها في تشجعيها على الخروج على حياة الرتابة والاسترخاء ودفعها نحو الانخراط في العمل منذ اليوم الأول لتخرجها وحصولها على شهادة بكالوريوس العلوم من كلية بابسون بجامعة ويلسيلي الأميركية.

تتحدث نورة جمشير عن هذه البدايات قائلة : حفزني والدي على عدم الاستسلام لحياة الاسترخاء وطلب مني أن أتحرك وأبحث عن وظيفة، وبالفعل عملت كمحللة مالية في بنك «ترانس آربيان إنفستمنت»، وفي غضون فترة تقل عن عام، ترقيت إلى منصب مدير محفظة استثمارية تتعامل مع 100 مليون دولار، ورغم التحديات التي واجهتها في هذه المرحلة من حياتي المهنية، إلا أنني اكتسبت خبرات في مجال إدارة الثروات والمحافظ الاستثمارية، وصارت قيمة العمل مرادفة لحياتي.

تنتقل نورة جمشير في حديثها إلى مقطع آخر من حياتها المهنية، وهو توليها ملف عملية كيمبيرلي في عام 2002 وانضمامها إلى بورصة دبي للألماس، وتتحدث عن هذه المرحلة قائلة : عندما فاتحني مركز دبي للسلع المتعددة في مسألة العمل فيه، انتابتني مشاعر التردد، فقد كنت في ذلك الوقت أعمل في غرف التداول، وهو ما يمثل انتصارا لأي سمسار أو مستثمر أو مصرفي ولكنني كنت على قناعه بأن هناك فرصا تلوح في الأفق إذا ما قبلت بارتياد المخاطر.

ملف كيمبيرلي

وبحكم إسنادي ملف عملية كيمبيرلي، تعلمت كل شيء يتعلق بتجارة الألماس، وتمكنت من إحراز نجاحات بفضل مؤازرة ودعم أحمد بن سليم المدير التنفيذي للعمليات في مركز دبي للسلع المتعددة. وانطوت الحياة العملية على العديد من التحديات، إذ كان صغر سني يمثل تحديا، حيث كان من المتعين أن أبرهن على كفاءتي وقدرتي على النهوض بالمسؤوليات المطلوبة مني، كما أن كوني سيدة مثل تحديا، وفي التوقيت ذاته مثل ميزة، كما كان من المتعين أن أطلق وأدير عملية كيمبيرلي في ظل بيئة عمل تحفها الكثير من التحديات.

وتتوقف هنا نورة جمشير قليلا لتعطي نبذه مختصرة عن اتفاقية كيمبيرلي قائلة : أود أن أطلع هؤلاء الذين ليس لديهم معرفة بعملية كيمبيرلي عن ماهية هذه العملية، إذ إنها تمثل استجابة من جانب صناعة الألماس للنداءات الدولية بتقديم المساعدة في وضع نهاية للحروب الأهلية والأعمال الوحشية المرتبطة بها في العديد من الدول الإفريقية.

ولهذا ابتكرت الصناعة خطة لمنح شهادات منشأ للألماس من المنبع ووجهت الدعوة إلى الحكومات والشركات المنتجة للألماس لإصدار شهادات لكل الألماس الذي يتم تعدينه وتصديره بطريقة شرعية، وتمثل الهدف في مكافحة الألماس الذي يتم تعدينه والاتجار فيه على نحو غير مشروع.

حيث كانت تجري عمليات بيع لكميات كبيرة من الألماس من جانب جماعات التمرد في هذه البلدان بغرض تمويل مشترواتها من الأسلحة ودعم استمرار عملياتها، وفي النهاية وافقت 50 دولة على إقامة مكاتب لمراقبة تجارة الألماس الخام ضمن برنامج جرى تسميته باسم عملية كيمبيرلي، لتقضي بأنّه يجب أن يكون الألماس مصدّقاً من بلد المنشأ قبل تصديره. وتقضي بأنه يجب أن يكون الألماس مصدّقاً من بلد المنشأ قبل تصديره وأن يُحظر على حكومات العالم شراء المجوهرات التي لا تتم المصادقة عليها من بلد المنشأ.

وتعتبر هذه المكاتب - والكلام ما زال على لسانها - بمثابة خطوط مواجهة أمامية ضد تجارة الألماس غير الشرعية وضد الألماس والذي يعتقد بعض المحققين أنه يستخدم في دعم الأنشطة الإرهابية، ونحن الدولة الوحيدة الشرق الأوسطية التي تعتبر جزءا من هذا النظام.

نجاح بورصة دبي للألماس

ولا يساور نورة جمشير أدنى شك بأن بورصة دبي للألماس قد وصلت إلى المستوى المجدي اقتصاديا من ناحية أحجام الصفقات واجتذابها المشاركين في السوق، وتصف في هذا المجال البورصة بأنها تعتبر بورصة رائدة علاوة على كونها الوحيدة من نوعها في العالم العربي، وتتمتع كذلك بعضوية الاتحاد العالمي لبورصات الألماس، وتشير هنا إلى أن البورصة استضافت خلال عام 2005 عروضا للماس الخام زادت قيمتها على 66 مليون دولار. وتوقعت أن تنمو التداولات في البورصة بشكل كبير خلال الفترة المقبلة، نظراً إلى أن الإنتاج العالمي من الماس الخام غير المقطوع أو المصقول يقدر بنحو 9 ,5 مليارات دولار سنوياً .

وأضافت أنه تم تداول 435 ألف قيراط من الماس الخام في البورصة منذ افتتاحها حتى أكتوبر 2005، لتتجاوز بذلك قيمة التداول 66 مليون دولار وأن الإقبال على عروض الماس فاق التوقعات، مع زيادة مطردة في أعداد المشاركين في كل عرض جديد. ومن الناحية التجارية، تشغل دبي ـ من وجهة نظرها ـ مكانة خامس أو سادس أكبر مركز لتجارة الألماس في العالم، كما أنها البورصة الوحيدة في المنطقة التي تتبنى رسالة مساعدة صناعة الألماس على التوسع وتلبية احتياجات الدورة المتعددة الحلقات لتجارة الألماس بدءا بالتعدين ومرورا بالتصنيع وانتهاء بتجارة مجوهرات الألماس.

وتشكل رسوم العضوية ـ والكلام على لسانها ـ مصدر الدخل الوحيد للبورصة، وفي مقابل هذه الرسوم، تقدم البورصة لأعضائها توليفة متنوعة ومتسعة من الخدمات، منها البرامج التدريبية والتعليمية التي توفر الرؤى والتصورات بشأن كيفية إدارة مزادات الألماس، إلى جانب تقديم خدمات من شأنها أن تسهل تجارة الألماس.

تطرقت نورة جمشير إلى موضوع نشر ثقافة الشفافية قائلة : من الناحية التقليدية، تدار صناعة الألماس من وراء الأبواب المغلقة، ويندر الإعلان عن قيم الصفقات التي يتم إبرامها، ولكننا نحاول نشر ثقافة الشفافية والإفصاح داخل الصناعة عن طريق إقامة نظام قانوني قوي لحماية التجارة من الأحجار الاصطناعية والمعالجة، بهدف ضمان إتاحة أحجار الألماس الصحيحة بأسعار صحيحة، ونحن نحاول تطوير قانون في هذا المجال يسري على الأعضاء وغير الأعضاء على حد سواء.

وتسلط نورة جشمير الضوء على الفارق بين الألماس الطبيعي و الاصطناعي بقولها : أن سعر الألماس الذي يتم تشكيلة من خلال التغييرات الطبيعية عبر ملايين السنين، ويتم تعدينه يدويا أعلي مقارنة بالألماس الذي يتم تصنيعه آليا، وذلك على الرغم من تماثل التكوين الكيميائي بين النوعين.

كما أن سعر الألماس الذي يتم العثور عليه بشوائب قليلة يمكن معالجتها يكون أعلي بالمقارنة مع الألماس الاصطناعي، ولهذا، يكون من المتعين على أعضاء البورصة الإفصاح عن نوعية الألماس الذي يتاجرون فيه، وما إذا كان هذا الألماس من نوع الألماس الاصطناعي أو الألماس المعالج.ونحن نحرص على فعل الأشياء بشكل مختلف، وينصب تركيزنا على القاعدة، وما يمكن إنجازه من نتائج.

الاتجاه نحو المزيد من الشفافية

وتؤمن نورة جشمير وعلى خلاف وجهات نظر بعض المنتقدين أن أسواق الأسهم تتجه نحو المزيد من الشفافية قائلة : إنني أعتقد وعلى نحو يخالف وجهات نظر الكثير من المنتقدين أن أسواق الأسهم ستصبح أكثر شفافية، وفي الوقت الحالي تثور قضايا حول ما إذا كانت الشفافية تمثل عائقا أمام التداول على نطاق كبير.

وما إذا كان ذلك من شأنه أن يقيد حجم السوق، ويدفع بكبار اللاعبين إلى الخروج من السوق، وبالتالي، سيكون لهذا الأمر وقعه السلبي، بأن نجازف بسمعة أسواقنا، بيد أن هذا العامل سيتضافر مع عوامل أخرى في أعطاء قوة دفع نحو تحقيق مستويات عالية من الشفافية.

وتتمثل هذه العوامل في وجود إدراك على المستويات القيادية بأن هناك تحديات يتعين مواجهتها، وأنه يجب الإمساك بزمام المبادرة باتخاذ أفعال حقيقية وابتكار إستراتيجية يتم تنفيذها على المحك العملي. ومن ثم، فانه من المتوقع أن نشهد تغييرات خلال الثلاث أو الخمس سنوات المقبلة.

وتعود نور جمشير في حديثها إلى القضايا المتعلقة بأسواق الألماس قائلة: ان الإمارات ليست دولة منتجة للألماس ولا تختزن في أراضيها مناجم للألماس، ومع ذلك فان الدول التي تمتلك مناجم الألماس وتقوم بتعدينه تتطلع إلى الوصول إلى مستويات السيولة العالية التي تتمتع بها المنطقة كمصدر للاستثمارات، وتقديم تسهيلات أفضل لمناجمها.

وفي الوقت الحاضر- والكلام ما زال على لسانها - لا يشكل تصنيع الألماس قطاعا مهما في الإمارات المتحدة، بيد أن مركز دبي للسلع المتعددة يخطط على المدى القريب لإقامة مركز متكامل لتصنيع الألماس، وهو أمر على درجة عالية من الأهمية، ويستحوذ على قدر عال من الاهتمام.

وتطرح نورة جشمير وجهات نظرها بشأن قضية الاقتصاد القائم على التأجير قائلة : أن صناعة الألماس آخذة في النمو المطرد والمتواصل، وأنه إذا ما كان الأمر على خلاف ذلك، فإن هذا من شأنه أن يؤثر سلبا على الاقتصاد، وأن الخبرات توضح أن الاقتصاد القائم على التأجير له مثالبه العديدة، حيث يكون الاهتمام منصبا على جني مكاسب مالية لتغطية النفقات.

ولكننا نعمل على توظيف مواردنا ونوفر التدريب للناس من اجل تجاوز مثل هذه العقلية في التفكير، بأن يروا الصورة بشكل أكبر، وهكذا تركز الخطط الحالية والمستقبلية لبورصة دبي للألماس على خلق الحافز لدى قطاعات الشباب على المستوي المحلي .

ونحن نرغب- والكلام مازال لها - أن تكون البورصة نموذجا من ناحية نوعية وجودة الخدمات التي تقدمها لتجارة الألماس، والشيء الرائع هنا هو أننا نمتلك سوقا ضخما لا يوجد ما يناظره في العام، ولكن الصناعة آخذه في التقدم المتواصل والمستمر، وهو ما يملي علينا أن نعمل بدأب على تحقيق هدفنا من خلال توسيع قاعدة التعليم لتشمل السوق والمهنيين والمهتمين والجماهير.

وتتمثل رؤيتنا في توسيع كعكة سوق الألماس، حيث أننا لا نعمل على منافسة الآخرين، بل نعمل على توسيع الآفاق والإمكانات، بحيث يكمل الآخرون ما نقوم بعمله وفعله.

دبي - مجدي عبيد