خمسة وأربعون عاماً من حياته كرّسها الفنان السوري سليم صبري للتمثيل والإخراج، اعتلى خشبات المسرح، ووقف أمام عدسات السينما والتلفزيون، وأدى مختلف الأدوار: الشريرة والخيّرة، الجادة والكوميدية، الرومانسية والقاسية، ظهر في دور الضحية وفي دور الجلاد وعبّر عن طموحات المواطن العربي ومآسيه، وفي كل ما قدّمه حافظ على السوية الفنية والأداء الرفيع اللذين يعكسان رسالة الفن الهادف والملتزم بقضايا البناء الاجتماعي والثقافي، وحول تجربته الفنية الطويلة والغنية كان لنا معه الحوار:
* في فيلم «رؤى حالمة» مثّلت دور الأب الذي ينتمي إلى جيل الهزيمة، ولأنه كذلك يحاول أن يقمع ويهزم الأجيال التي تلته، فكيف يمكننا تجاوز ثقافة الهزيمة؟
ـ تخليت عن مهنة المحاماة واشتغلت بالتمثيل لأني مقتنع ان هذه المهنة يمكن أن تسهم إسهاماً كبيراً في عملية البناء، وقد تكون الخطوات بطيئة على هذا الصعيد، ولكن إذا كانت واعية فهي تصل إلى هدفها، وأعتقد أني على مدار الخمس وأربعين سنة التي قضيتها في هذه المهنة مخرجاً كنت أم ممثلاً لم أخطئ في عملية البناء، فعلى الفنان أن يكون واعياً بهذا الخصوص، وأن لا يسمح بتسلل الأفكار الهدامة إلى الفن.
* بعد انقطاع طويل عن خشبة المسرح عدّت بدور جميل في مسرحية «الرقصة الأخيرة» وهو دور الفنان الذي يتعرض إلى التهميش لأسباب مختلفة، ويقضى وحيداً، وأود أن أسألك عن إحساسك وأنت تقف ثانية على خشبة المسرح، وعن إحساسك بالشخصية التي أديتها، وكيف يمكن ان نحمي مبدعينا من نهايات مشابهة، لاسيما وأنك كنت أحد المؤسسين لنقابة الفنون الجميلة؟
ـ بدأت مسرحياً، وأحب المسرح كثيراً، لكن أسباب الدعم المفقودة له، جعلتنا كممثلين نتراجع عن المسرح، ونذهب باتجاه التلفزيون، المسرح منارة ثقافية، وهذه المنارة لا تضاء إلا بالدعم الحكومي، أما بالنسبة لدوري في الرقصة الأخيرة فهو تعبير عن مشاعر كل مواطن يشعر في لحظة ما أن كل شيء تخلى عنه، وأرجو أن لا يعيش الوطن العربي مثل هذه الرقصة الأخيرة.
وأما فيما يخص حماية المبدع فالمسألة تعود أولاً وأخيراً إلى إدراك أهمية الفن، والمسؤولية هنا هي دوماً مسؤولية الدولة، فهي العقل المفكر الأول، وحين أتحدث عن رعاية الدولة للفنون لا أقصد ان تقوم هي بإنتاج الفنون.
الرعاية لها أشكال مختلفة، وإدراك الدولة لأهمية الفن هو الذي يكرّس هذه الرعاية، فالدعم مسألة فكرية وليست شكلية ويجب أن يُكرّس بكل الوسائل، كي نحمي الفنان من خطر تقديم التنازلات تحت ضغوط اقتصادية أو غيرها ليست في صالح الفن، وكي نحصل على أعمال مهمة ذات سوية فنية عالية، فالفنون هي إحدى ركائز بناء المجتمعات وبناء شخصية الفرد.
*إذا كانت الدراما السورية انتعشت وانتشرت بفضل الشركات الخاصة، فهل تعتقد ان هذه الدراما سوف تستمر، أم انها سوف تتوقف كما هي تجربة القطاع الخاص في السينما والمسرح؟
ـ التلفزيون بحاجة إلى دعم تجاري، ونحن استطعنا ان نضع هذا الدعم على سكة واعية، وهذا هو سبب عدم فشل القطاع الخاص في إطار الدراما السورية، فنشاط الإنتاج التلفزيوني اعتمد على القطاع الفكري لفنانين وضعوا جهدهم لإظهار هذه الدراما ووضع رأس المال في خدمة الفكرة.
ونجاح الفكرة اقتصادياً هو الذي أدى إلى نجاح الفكر الدرامي السوري السليم الذي نحاول دائماً ألا يحيد عن مبادئه، والقطاع الخاص لا يمكن إيقافه إلا إذا امتدت أياد لمحاربته، ومحاربة هذا الفكر المتقدم، ضمن الأيادي الموجهة ضد صحوة الفكر العربي عموماً، ومن هنا ندعو دوماً لحماية الدولة لهذا القطاع.
* وهل تعتقد أن الدراما السورية استطاعت أن تلامس بصدق الإشكالات الحقيقية لواقعنا المعاصر، وأن تفرز خصوصيات فنية تميزها عن باقي الدرامات العربية؟
ـ هذا الجانب يحدده كتاب الدراما، وأنا أعتقد ان الكاتب السوري يتمتع بفكر واع لإشكالات واقعه ليس على صعيد الدراما وحسب وإنما أيضاً على صعيد مختلف الأجناس الأدبية، وهذا هو الحصن الذي تحتمي وراءه الدراما السورية، وإذا كنت تلاحظين نحن لا نحتمل التفاهات والكلام النافل، وهذه الجدية في تناول الموضوعات وتجديدها حسب متطلبات المجتمع هو ما يميز الدراما السورية عن غيرها، ويجعلها في تطور مستمر.
* خمس وأربعون سنة من العطاء الفني، وقفت خلالها على خشبة المسرح وأمام كاميرا السينما والتلفزيون مع أهم المخرجين والممثلين، أين وجدت نفسك، ومع من تألقت كفنان وكإنسان؟
ـ كما ذكرت لك الأمر الذي كان يشغلني خلال هذه السنوات ليس أين ومع من، كنت أحاول دوماً أن أضبط مسيرتي الفنية أينما كنت، أركز على السيرة الفنية كي لا يأتي يوم واخجل أو أندم على عمل قمت به، فقد كان هدفي حين اخترت الفن ان يكون جهدي مهماً بالنسبة للآخرين، لذلك فأنا أتعامل مع كل الناس وأحبهم كي أشعر بوجودي.
وبصورة عامة أتعامل مع كل الفنانين - الشبان والمخضرمين- من خلال وجهة النظر هذه، وأسعى إلى التفاهم معهم، وإذا أردت التخصيص أذكر هيثم حقي معه اشعر اننا متفاهمان دون كلام، أيضاً أشعر بالتقارب مع المخرجين الجدد أمثال حاتم علي والليث حجو.
* ما هو الدور الذي لعبته وشعرت انه يشبهك ويخصك أكثر من سواه؟
ـ لا توجد شخصية تشبهني، ولكن في كل شخصية مثلتها جزء مني، جزء من الوعي الباطن أو الذاكرة.
* وكيف تعمل على بلورة الدور؟
ـ أدخل إلى باطن الشخصية، وأعيش فيها، وأتمثّل تاريخها، وأدافع عنها، وهذا ما يضطرني أحياناً للخروج عن النص، وأحياناً إلى الارتجال أثناء التصوير.
* في رمضان الحالي لديك مسلسل من إخراج أنيسة عساف، فماذا تقول عن المخرجات السوريات؟
ـ أنا متحمس لدخول الجهود النسائية إلى العمل الفني، واحترم جرأة مخرجاتنا وشجاعتهن في طرح الكثير من القضايا المسكوت عنها، وبهذه المناسبة أذكر فيلم «رؤى حالمة» لواحة الراهب فكم من الأفكار الجريئة والجادة وضعتها هذه المخرجة أثناء كتابة وتنفيذ هذا الفيلم.
دمشق ـ تهامة الجندي:
