من المرجح أن يواصل المصرف المركزي سياسته الخاصة بالاعتماد الأكبر على ربط العملة المحلية الدرهم بالدولار سواء كان مواصلة لسياساته السابقة أو التزاما بقرارات مجلس التعاون الخليجي بخصوص ربط جميع عملات المجلس بالدولار تمهيدا لتطبيق مشروع العملة الموحدة المحدد له مبدئيا عام بداية عام 2010.
حيث سيكون للدولار الدور الرئيسي في العملة الموحدة لدول مجلس التعاون الخليجي في ظل اعتماد اقتصادات دول الخليج على إيرادات النفط، ولذلك فمن المؤكد أن يكون الدولار أهم عملة.
ولكن وبالنظر إلى هيكل الاقتصاد الوطني الإماراتي وبالنظر إلى المصدر الرئيسي للعملات الأجنبية في الإيرادات الحكومية على مدى العقود الماضية، فقد فضلت الدولة ربط الدرهم بالدولار بدلا عن تعويمه أو اعتماد سلة عملات عالمية بديلا لذلك،ولهذا السبب يبحث المصرف المركزي تحويل بعض احتياطياته المقومّة بالدولار إلى اليورو، خاصة بعد تخلص المصرف المركزي في عام 2003 عن كل احتياطاته من الذهب.
وبذلك يستفيد المصرف المركزي من هامش عملية البيع والشراء لعملة اليورو وسعره المعقول حاليا قياسا بالدولار المتقلب لدعم الدرهم والحفاظ على قوته وتدعيم احتياطيه ليكون في وضع أفضل مما هو عليه الآن، للاستفادة من الفروقات الكبيرة في أسعار الفائدة بين اليورو والدولار، والتنقل بين العملتين العالميتين الرئسيتين من أجل بناء استراتيجية نشطة للاستثمار.
وبالرجوع إلى سياسة معدل صرف الدرهم لعام 2005، ونظرا لثبات معدل صرف الدرهم مقابل الدولار فقد تعرض الدرهم للانخفاض نتيجة تراجع الدولار مقابل معظم العملات الرئيسية خلال عام 2005، حيث انخفض الدرهم مقابل اليورو (9.2%) والجنية الإسترليني (10.2%) والين الياباني (7.3%) والفرنك السويسري (7.3%) ووحدة السحب الخاصة (5.5%).
وعلى ضوء هذا الانخفاض الحادث للدرهم، يتحرك المصرف المركزي لتحويل جزء من الاحتياطي من العملات الأجنبية إلى اليورو بسبب تنامي الواردات من الاتحاد الأوروبي، وكذلك الصادرات إليها وقياسا بعام 2005 فإن حجم الصادرات الإماراتية إلى أوروبا وحجم الواردات من أوروبا إلى الإمارات يعادل 3 مرات حجمهما مع الولايات المتحدة الأميركية، ولذلك بات من الضروري الاهتمام المتزايد باليورو وضرورة تحويل جزء من الاحتياطي الخاص بالمصرف المركزي إليه لدعم الدرهم.
ويعكس تنامي الاحتياطيات الأجنبية في الدولة من الدولار الضعيف نسبيا الآن، النمو السريع في عائدات الصادرات الإماراتية من النفط وبشكل عام إلى الولايات المتحدة واليابان وبخاصة في الأشهر الأخيرة مع ارتفاع سعر النفط مؤخرا، فعندما يستعيد الاقتصاد الوطني الدولارات من خلال بيع النفط المقوّم بالدولار في الخارج.
يقوم البنك المركزي بتبديل الدولارات، إلى العملة المحلية، وأحياناً يقوم بشراء الدولارات كاملة من الحكومة والبنوك العاملة بالدولة ليبطئ ارتفاع قيمة الدرهم.
ويتم استخدام كل تلك العملة الخضراء لبيعها لدعم الطلب على العملة المحلية، وبالتالي منع المضاربات، وعادة ما يدعم المصرف المركزي أرباحه من خلال ارتفاع موجوداته من العملات الأجنبية وارتفاع أسعار الفائدة عليها إضافة إلى استثمار جزء من أصوله في سندات أجنبية.
تجارب الدول الآسيوية ودول التعاون
ويعد الدولار أكثر عملات العالم سيطرة على عملات المخزون العالمي، وتظهر الصين واليابان ميلاً إلى تخفيف حجم الأصول بالدولار للاحتياطي الخاص بهما، كذلك تقوم هذه الدول بنقل بعض الأصول إلى عملات أخرى مثل اليورو، وهو ما أراد المصرف المركزي الإماراتي فعله بالضبط. وفي الصين خصوصاً، تقوم الحكومة بإعادة ضخ الأموال في البنوك التي تعاني من مشاكل مالية.
كما تتجه الصين إلى استبدال جزء من احتياطيات النقد الأجنبي بالنفط، بوصف ذلك أنسب الطرق للخروج من معضلة امتلاكها كميات ضخمة من الأصول المقومة بالدولارات الأميركية ضمن احتياطياتها من العملات الأجنبية والتي باتت بكين تنظر إليها على أنها محفوفة بمخاطر ضخمة.
وفي الوقت نفسه، تبحث كل من ماليزيا وكوريا الجنوبية عن طرق لتنويع جزء كبير من احتياطياتهما. والهدف من ذلك هو حماية المخزون من هبوط آخر في قيمة الدولار. الأمر الذي يقلل من قيمة عملتيها، وكذلك بهدف الحصول على عائدات أفضل.
وتنظر الدوائر الصينية إلى خطط استخدام احتياطات النقد الأجنبي لشراء النفط المستورد على أنها تستهدف لتحقيق هدفين مزدوجين: أولهما. تحقيق الاستخدام الأمثل لموارد البلاد من النقد الأجنبي. ثانيهما، ضمان استمرار تدفق الإمدادات النفطية.
ولقد زاد احتياط النقد الأجنبي الآسيوي بشكل كبير إلى حوالي 3. 2 تريليون دولار في عام 2004، بعدما كان يبلغ 8. 1 تريليون دولار في العام السابق عليه. ورغم استئثار كل من الصين واليابان بثلاثة أرباع هذا الاحتياطي إلا أن نمو الاحتياطي بات في حد ذاته يشكل ظاهرة آسيوية.
وتعتبر الصين واليابان اكبر دولتين في تراكم الاحتياطي، بتسجيلهما زيادات في نسب الاحتياطي للناتج المحلي الإجمالي بلغت 6. 12 % و5. 9 % لكل منهما على التوالي. وتأتي في المراتب التالية كل من تايوان وكوريا الجنوبية وسنغافورة واليابان.
وأرجع ستيفين جرين المحلل الاقتصادي في بنك ستاندارد شارترد أسباب هذا التراكم في الاحتياطي إلى عوامل ثلاثة، وهي الفوائض التجارية المدفوعة بانتعاش الطلب الأميركي واهتمام المستثمرين الأجانب بمنطقة شرق آسيا،وتوقعات السوق بزيادة قوة العملات الآسيوية خاصة العملات المرتبطة بالدولار كعملتي الصين وماليزيا.
وعلى صعيد نفس الموضوع في دول مجلس التعاون الخليجي، وفي تطور آخر أعلن محافظ البنك المركزي القطري مؤخرا أن قطر تبحث تحويل بعض احتياطياتها المقومة الى حد كبير بالدولار الى اليورو مرة أخرى بالنظر إلى انخفاض العملة الأوروبية الموحدة هذا العام.
وقال عبدالله بن خالد العطية محافظ البنك المركزي القطري انه يتوقع أن تبقى أسعار النفط مرتفعة لبعض الوقت بسبب الطلب القوي رغم ان التكاليف العالية للطاقة تمثل خطرا على الاقتصاد العالمي.
وقال العطية ان أكثر من 90% من احتياطيات البنك المركزي القطري بالدولارات، فيما يمتلك كمية أصغر من اليورو، حيث قام البنك ببيع اليورو للاستفادة من الفروقات الكبيرة في أسعار الفائدة بين اليورو والدولار.
وأضاف قائلا: إننا نفكر في العودة مرة أخرى لأن سعر اليورو معقول وفي نهاية اليوم نحن نتنقل بين العملات. نحن نتبنى استراتيجية نشطة للاستثمار، وتمتلك قطر ما يقارب عشرة مليارات دولار من الأصول الأجنبية، والريال القطري يرتبط بالدولار مثل باقي عملات دول الخليج العربية.
كما قال نائب محافظ البنك المركزي الكويتي نبيل المناعي إن الدولار سيكون له الدور الرئيسي في العملة الموحدة لدول مجلس التعاون الخليجي.وأضاف المناعي لوكالة (رويترز) انه في ظل اعتماد اقتصادات دول الخليج على إيرادات النفط فمن المؤكد ان الدولار سيكون أهم عملة.
وقال: (لا يمكنني تخيل العملة الخليجية بعيداً عن الدولار). وتابع انه (بالنظر إلى هيكل الاقتصادات وبالنظر إلى المصدر الرئيسي للعملات الأجنبية في الإيرادات الحكومية فأشك أنها (العملة الخليجية)ستكون معومة).
وفي البحرين ارتفع احتياطي النقد الأجنبي في البحرين ليبلغ نحو 778.1مليون دولار أميركي أي نحو 670 مليون دينار بحريني ، ويمثل هذا الرقم زيادة قدرها 52 مليون دولار مقارنة مع نهاية العام الماضي، مما يعد تطورا ايجابيا، كما أشارت إلى ذلك نشرة انترنتاشيونال فياننشيال ستاتيستكس.
وقالت مصادر في حقل الأوراق المالية ان أكثر من 94% من هذا الاحتياطي من القطع الأجنبي، غير أنها لم تعط تفصيل عن نوعية العملات، في حين قال مصدر واسع الاطلاع ان نسبة كبيرة منها من هذا الاحتياطي من نصيب الدولار باعتبار أن الاقتصاد البحريني مرتبط بالعملة الأميركية وبالخصوص صادرات النفط والألمنيوم والبتروكيماويات، ومن المعروف ان الدينار البحريني مرتبط بسعر موحد بالدولار الأميركي إذ ان سعر شراء الدولار مثبت عند 378 فلسا للدولار الواحد.
وتختلف البحرين عن الإمارات في أن الاحتياطي يشمل الذهب إلا انه يعتقد على نطاق واسع ان قيمة الذهب التي تمتلكها البحرين محدودة في أحسن الأحوال.
وعلى صعيد الدول العربية الأخرى، توقع صندوق النقد الدولي أن تبلغ احتياطات الصرف في الجزائر مطلع سنة 2009 نحو 95 مليار دولار.وجاء في تقرير للصندوق ان عوائد النفط الجزائرية ستكون مهمة في السنوات الخمس المقبلة وتوقع أن تبلغ 1. 39 مليار دولار خلال السنة الجارية و2. 37 مليارا في العام 2006 و1. 38 مليارا في 2007 و4. 37 مليارا في 2008 ونفس الرقم في سنة 2009.
وأشار التقرير الى أن هذه العائدات ستزيد من احتياطات الصرف التي ستبلغ 55 مليار دولار في 2005 و 1. 67 مليارا في 2006 و3. 78 مليارا في 2007 و5. 87 مليارا في 2008 و9. 94 مليارا في 02009 وبني التقرير هذه التوقعات على متوسط سعر يبلغ 7. 42 دولارا للبرميل الواحد في 2005 و2. 38 دولارا سنة 2006 و36 دولارا 2007 و35 دولارا سنة 2008 و34 دولارا سنة. 2009 وربط ذلك أيضا بمؤشرات زيادة الطلب العالمي على النفط.
انخفاض الدولار أمام اليورو
من المؤكد أن تراجع أسعار الدولار الأميركي أمام معظم العملات، خاصة الأوروبية سيؤثر سلبًا على اقتصادات الدول الخليجية، وأن انخفاض الدولار يثير القلق بالفعل، حيث تحتفظ باحتياطات ومخزونات نقدية من الدولار بكم كبير، وهو ما يعني خسارة كبيرة لكل هذه الدول التي تحتفظ بنوكها المركزية باحتياط نقدي بالدولار، وليس سلة عملات منوعة.
إن الدولار وصل مؤخرا عند أقل مستوى سعري له منذ 10 سنوات أمام كل العملات الرئيسية اليورو أو الإسترليني أو الفرنك السويسري أو الين الياباني، وغيرها من العملات وسجل انخفاضًا قياسيًا أمام اليورو، الذي كان يعادل 84 سنتًا في يونيو عام 2002.
ويصل الآن إلى ما يقترب من 1.25 دولار، ويزعج هذا الانخفاض المرتبطين بالعملة الأميركية، خاصة أنها عملة التسعير لأهم السلع العالمية مثل النفظ على سبيل المثال، وتؤكد التقارير أن هذا الانخفاض للدولار يقلص الدور الذي لعبه الدولار منذ 60 عامًا، باعتباره عملة الاحتياط في البنوك، والعملة التي تسعر المنتجات عالميًا.
ومن هنا فإن هذا الانخفاض يثير قلق الدول الخليجية والكثير من الدول العربية، وذلك لأنه ومنذ حدوث الأزمة المالية في شرق آسيا عام 1997 لجأت الكثير من الدول النامية وبينها دول عربية إلى زيادة احتياطاتها من العملة الأميركية كطريقة للوقاية من التقلبات المالية والأزمات الاقتصادية، التي تحدث في العالم من وقت إلى آخر، والاحتفاظ بهذا المخزون الاحتياطي النقدي لطمأنة الأسواق العالمية على استقرار العملة المحلية.
وكلما ازداد احتياطي دولة من العملة الأجنبية قلت تقلبات أسعار تلك العملة أمام العملة الأجنبية، ولكن مع هذه الانخفاضات ستتكلف هذه الدول خسائر ضخمة بانخفاض قيمة المخزون الذي لديها أمام كل العملات، ويقل مخزونها النقدي الحقيقي.
المخزون الدولاري
وتؤكد التقارير أن قيمة الاحتياط النقدي والعملة الأجنبية بالدولار في الدول الخليجية وصلت إلى 10% وحتى 20% من إجمالي ناتجها المحلي وهذه الدول تحتفظ بهذا المخزون الدولاري، مما أدى إلى وجود مدخرات هائلة وضخمة بالعملة الأميركية معتمدة على القدرة السياسية والمكانة الاقتصادية للولايات المتحدة الأميركية.
وتفترض هذه الدول أن قيمة مخزونها من الاحتياط النقدي بالدولار سوف يزيد، ولو بنسبة ضئيلة، مما يرفع القيمة الحقيقية للاحتياطي النقدي لديها ، ولكن ما حدث هو العكس تمامًا، حيث انخفض الدولار بشكل كبير وفقد حوالي 40%من قيمته أمام اليورو، مما يهدد الدول الخليجية بخسارة.
خاصة إذا ما أقدمت أي دولة على بيع احتياطيها من الدولار أو جزء منه، مما يؤدي لتعميق جراح الدولار أكثر، وسينعكس ذلك على أسعار النفط وباقي السلع المقومة بالدولار.
وباتت الدول الخليجية على يقين من أنه لابد من الاحتفاظ ولو بجزء من المدخرات والمخزون النقدي بعملة أخرى حيث رأت أن الأنسب هو اليورو في الوقت الحاضر، من أجل المحافظة على الثروات الوطنية، خاصة وأنها عوضت انخفاض الدولار في العام الماضي بارتفاع أسعار النفط وحققت عائدات جيدة.
تسعير النفط
إن أي تحول من جانب الدول المنتجة للنفط لاستخدام اليورو بصورة جزئية في تسعير البترول الخام أي في إطار سلة عملات تتضمن الدولار سيعني استمرارية الارتفاع في أسعار البترول، وذلك في حالة مواصلة الدولار التراجع أمام العملات الأجنبية الأخرى، ومن الملاحظ أن تمسك الدول الرئيسية المنتجة بمبدأ عدم إجراء زيادات في سقف الإنتاج المتفق عليه، حرصًا على عدم انخفاض الأسعار.
وهناك حلول أخرى يمكن أن تلجأ إليها الدول الخليجية وكذلك الدول المنتجة الأخرى إذا ارتأت ذلك مع استمرارية ضعف سعر الدولار أمام باقي العملات، وهو الإبقاء على سعر البترول الخام فوق مستوى النطاق المستهدف كتعويض عن الانخفاض الفعلي في القوى الشرائية لسعر البرميل ومادامت الأسعار عند سقف يرضي الدول المنتجة فسترضي بأن تقل بنسبة انخفاض الدولار، إلا إذا انهار الدولار لمستويات تؤثر فعليًا على عائدات نفط هذه الدول.
خاصة ان هذه الدول لديها احتياطات من النقد الأجنبي كلها تقريبًا بالدولار في معظم الدول المنتجة للبترول، ومنها الدول الخليجية، مما يعني خسارة مضاعفة، سواء في انخفاض قيمة المخزون النقدي، ولذلك يمكن أن تلجأ إلى استمرار رفع الأسعار، حتى لو تقلص المعروض أو الإنتاج في سبيل تعويض انخفاض القيمة الشرائية.
