علا طبري مخرجة سينمائية من فلسطين، ولدت في مدينة الناصرة في العام 1970، من ضمن ما يسمى عرب 1948الذين يعيشون تحت سلطة الاحتلال الإسرائيلي في ضياع بين هويتين، الأولى تكمن في حقيقتهم الفلسطينية الراسخة، والثانية:
واقعية مريرة، كونهم يحملون«جنسية» الدولة المحتلة لأرضهم، أي فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر، من دون قدرة الاحتلال على محو الذاكرة الفلسطينية الجماعية أو منع التواصل الروحي والثقافي بين أبناء الشعب الواحد، كما تقول علا طبري التي ترى «أن القتل والقمع يزيدان من تمسك الفلسطيني بمقاومته وبهويته الأصلية.
في إطار إنساني أكثر عمقاً من المعنى السياسي الآني أو الظرفي، لأن المعاناة حين تتراكم تأخذ بعداً مختلفاً عن المتوقع العادي، بمعنى أن فلسطين تحولت إلى هوية شاملة لكل متطلع نحو الحرية في العالم، بوصفها أعلى قيم الإنسانية التي تمنح الحياة معنى الوجود».
عملت علا طبري مع المخرج الفلسطيني إيلي سليمان في فيلميه «سجل اختفاء» (1996) و«الحلم العربي» (1998)، بعد أن نشطت في مجال المسارح العربية الفلسطينية في القدس ورام الله و«تل أبيب».
وأشرفت على البرنامج التلفزيوني «ليلك» الذي يتناول أحوال المرأة الفلسطينية، ثم أخرجت أول أفلامها القصيرة «خلقنا وعلقنا» (2002)، بعد أربع سنوات على إقامتها في العاصمة الفرنسية باريس، وتدور أحداث الشريط حول الثنائية التي تتمتع بها شخصيات مدينة الناصرة مسقط رأسها، التي أحبت علا أن تبعث إليها برسالة حب عن بعد.
وحول فيلمها الثاني «سافا عليك»، عن حياة الأجانب في فرنسا، تقول علا طبري إنها اكتشفت خلال تصويره معاني جديدة للغربة:«عرفت أن الغربة والعزلة لا تتعلقان بالهجرة من المكان الجغرافي فقط، حين اكتشفت البعض من الفرنسيين يعيشون غربتهم في بلدهم، ولم يكن هذا بالنسبة لي إجابة، بل لحظة لطرح السؤال حول عناوين الأفكار السلفية التي نحملها طوعاً.
ونصبح أسراها بشكل جامد ومكرر، بمعنى أنني إذا طرحت الغربة كعنوان لعمل أو كمقولة، ينتصب المتوقع مباشرة، فيفقد الفن خصوبته بكسر النمط التقليدي، ويصبح حالة استجابية لمطلوب من جماعة كسولة تركن الى العادي والاستسهال، بدل السهل الممتنع كصفة أساسية من صفات الإبداع.
إذ إنني بطبعي لا أحب الإجابات، وأميل أكثر إلى الأسئلة التي تخرج من رحم ذاتها على الدوام.وحين عرضت« سافا عليك» في سويسرا اهتم به العجائز أكثر من الأوروبيين الشباب، فتوصلت الى أن أوروبا تحتاج لانتفاضة فكرية وسلوكية، تبعث الأمل بالحلم الحر، وتوقظ من الرتابة، وتنبه الى أن السينما كفسحة مطلقة للتنوع والفرادة.
«شتات»
«شتات» عنوان الفيلم الثالث الذي أخرجته علا طبري، وعرض السنة الفائتة في مهرجان البندقية السينمائي في برنامج« آفاق» الخاص بالأفلام «الطليعية » ذات الصيغ التجريبية لسينما مغايرة، تحمل قضايا ورؤى.
وحاز «شتات» على استحسان النقاد ومن شاهده، ولاقى تعليقات جيدة من الصحافة الايطالية وغيرها الأوروبية، لطرحه الفني الجديد لقصة ليست جديدة، عن حياة امرأة مهاجرة تعيش على حدود عالمين وثقافتين، وبين رجلين، الأول في بلدها والثاني في بلد المهجر. وكعادتها اختارت طبري نهاية مفتوحة لشريطها، كونها تتعامل مع أبطال فيلمها ككائنات فعلية لها حق الاختيار والتقرير.
وتقول المخرجة طبري: «شخصيات أي حكاية هي موجودة بالفعل، لها خصوصيات وحيوات، ويخطيء المخرج حين يدفعها الى قدر قرره عنها، او ارتآه لأي سبب من الأسباب ومن المهم معرفة أن كل نهاية هي بداية جديدة ».
للوهلة الأولى، يبدو التعبير عن الغربة في شتات « تراجيديا»، وهو ليس كذلك، وتبدو المرأة أسيرة «الوطن÷الرجل» وهي لا، متمردة وناقمة أحياناً، ولا حول لها ولا قوة في أحيان أخرى، تعيش شتات روحها وجسدها بين الأمنية والقدرة، وبين بلد يسكنها وآخر تسكنه، والبعد يصير تمرينا، في مسقط الرأس وفي الغربة لا فرق، كون كل شيء لا يكتمل عند علا طبري التي تقول:
«السينما حلم، ولو نقلت الواقع، والثورة كذلك أيضا، ولكي أفسر أكثر، فإن الثورة الجزائرية حررت الأرض من المستعمر، وأعادت المرأة الى المطبخ، لأن الانتصار يبدو انه لا يحق سوى للذكور في المجتمعات الأبوية، وأميركا قضت على جهة سياسية، تراها من منظورها متطرفة.
وأتاحت للمرأة الأفغانية بان تستعمل مساحيق التجميل، لكنها غضت الطرف عن أن الجندي الأميركي هو من قتل زوج هذه المرأة، وهذا الخراب الروحي والمادي والمتناقض، تراه عند العربي الذي يعرف أن أميركا تنهب خيراته ومستويات من معنوياته، لكنه متعلق بالحلم الأميركي أكثر من الأميركيين أنفسهم».
تقول علا طبري ختاماً :«المرأة في «شتات» ليست فلسطينية بالضرورة، ويمكنها أن تكون، وصحيح ما قيل عن أن الفيلم يحمل شيئاً عني، عن الخسران وفقداني أبي الذي توفي ولم أره، لكنه أيضاً عن شتات الإنسان بين الذات والذات.
دبي - حسين قطايا:
