كتبت عنه الصحافة يوما بأنه «فنان أصيل.... طريقه طويل»، والفنان التونسي الزين الحداد هو فعلاً كذلك، فمسيرته التي ابتدأت منذ سنوات عديدة لم تفتح له مجال الانتشار العربي الواسع، وعلى الرغم من أنه غنى في العديد من المهرجانات المهمة إلا أن غيابه عن مهرجان قرطاج يعتبر لافتا وهو مع ذلك لا يبدي أي امتعاض. التقيناه بعد سلسلة حافلة من الحفلات والمواقف الإنسانية في مكتبه الكائن بقلب العاصمة التونسية وكان لنا معه هذا الحوار:

* غنيت في العديد من المهرجانات الكبيرة والمهمة مثل جرش ودار الأوبرا المصرية ومع ذلك لم تغن على مسرح قرطاج نهائياً على الرغم من سجلك الحافل بالنجاح، لماذا؟ ـ الفنان يجب أن يقدم للفن وألا ينتظر من الفن أن يقدم له شيئاً ،

وأنا أؤمن بجدوى العمل بصرف النظر عن ما سيقدمه لي هذا العمل من مهرجانات وحفلات، وقرطاج بالنسبة لي محطة ربما أمر بها يوماً ما، كما انني أملك الثقة في ما أقدمه للناس وما قدمته أوصلني لمهرجان يوازي قرطاج في أهميته العربية وهو جرش، كما غنيت في دار الأوبرا المصرية وكل هذه المحطات أعتز بها وأعتز بما قدمته من فن عليها، وقرطاج بالنسبة لي محطة وليست هدفا.

* هل تعتقد أن فنانا لا يملك في رصيده الفني غير أغنية او إثنتين غنى على مسرح قرطاج أجدر من فنان يحمل الهوية التونسية في صوته وأغانيه وحتى لباسه؟ ـ أنا أحترم اختيارات إدارة المهرجان وحقاً لا أنظر لنفسي على أنني شخص مقموع أو مقهور، بل أحاول أن أجتهد وأعمل لأرضي نفسي وجمهوري، كما أن الفنان الحقيقي هو من يستمر وليس من يقدم أغنية (ضاربة) على رأي السوق ثم يختفي ويتوارى خلف الأضواء فلا يصح في النهاية إلا الصحيح،

ولا ننسى ان إدارة رؤوف بن عمر ركزت على الفنان التونسي بدليل أن برمجة قرطاج كانت حافلة بالعديد من الأسماء المهمة في تونس، كما أنني أعتبر أن قصر العبدلية التابع لمهرجان قرطاج فضاء مهم ومميز وكان لي الشرف أن أقف وأغني عليه وأختتم دورته بصوتي.

* على ذكر حفلتك في قصر العبدلية علمنا أنك قمت بالتبرع بعائدات الحفل لصالح الشعب اللبناني؟ ـ صحيح، هذا أقل شيء يمكن أن أقدمه لشعب شامخ ومحترم، وهناك من تبرع في تونس بشيء أغلى من المال وهو الدم، وأنا أعتز بموقف تونس التي أعلنت الحداد لثلاثة أيام وسهلت لنا مهمة التبرع بفتحها حسابا جاريا لصالح الشعب اللبناني.

* غنيت في نفس الحفل «منتصب القامة أمشي» لمارسيل خليفة وأعلنت بعدها أنك تتمنى أن تغني من أشعار سميح القاسم ومحمود درويش فهل نفهم من ذلك أنك ستعتزل الأغاني الرومانسية وتغنى للثورة والحرب والإنسانية؟ ـ أنا معجب جداً بأشعار درويش والقاسم وأتمنى أن أنوع مسيرتي الفنية وأقدم ما يلامس الجراح اللبنانية والفلسطينية والعراقية ويصور معاناة تلك الشعوب المظلومة، فمجزرة قانا آثرت في نفسي تأثيرا قويا ومازلت أشعر بحرارة الموقف وكأنه حصل اليوم.

* أصدرت في أول موسم الصيف ألبومك الجديد «يا قمرنا» فهل تأثرت مبيعات الألبوم بالأحداث التي حصلت في العالم العربي؟ ـ شركات الإنتاج لا تعطي الفنان الرقم الحقيقي للألبومات مهما حصل وهذا ما يحدث معنا للأسف ولكنني أتوقع أنه تأثر قليلاً حاله حال كل الألبومات التي صدرت في موسم الصيف، وفي المقابل حاولت أن أغني منه في حفلاتي حتى أعرف الناس به.

* هل تعتقد أن إصرارك على الغناء باللهجة التونسية كان السبب وراء عدم انتشارك عربياً؟ ـ لا تُشكل اللهجة أي عائق بالنسبة للمغني بدليل أننا نستمع للأغاني التركية والهندية، كما أن بعض الفنانين الشرقيين أعادوا غناء بعض الأغنيات التونسية مثل «تحت الياسمينة،

وجاري يا حمودة، ولاموني اللي غاروا مني» وغيرها، وهذا دليل قاطع على أن اللهجة التونسية مفهومة وواصلة للعالم العربي ككل، كما أن الفنان الذي تكون مخارج حروفه سليمة ونطقه يكون واضحاً سُيفهم وفي النهاية فإن اللهجة التونسية مشتقة من اللغة العربية.

* كونك درست في معهد الموسيقى في الراشدية واطلعت على أنماط متعددة من الموسيقى التونسية ، فلماذا لم تقدم أغنية «ضاربة» بحجم أغنيات الهادي الجويني والجاموسي واكتفيت بإعادة أداء أغانيهما في حفلاتك ؟ ـ عندما غنت علية «عاللي جرالي» وغنى الهادي الجويني «تحت الياسمينة»

وسعاد محمد «وحشتني» لم يتوقعوا أن تشتهر أغنياتهم اليوم وبتلك الطريقة، مع العلم أنها لم تشكل أية أهمية في الوقت الذي أصدروها فيه، والخلاصة هي أن على الفنان أن ينتج ويعمل ويجتهد وربما تتوج إحدى أغنياته وينشهر بها يوما ما.

* أي أن الفنان يجب أن يكرم بعد موته ويبقى في الظل طوال حياته؟ ـ أخالفك الرأي وأقصد أن بعض الفنانين الذين يسلكون النهج الطربي الأصيل ولا يحيدون عنه سيكرمون يوماً ما ولن تضيع أعمالهم سدى سواء في حياتهم أو بعد موتهم.

* يصفك النقاد بأنك فنان أكاديمي فإلى أي مدى آثر فيك هذا الرأي؟ ـ هو رأي إيجابي طبعاً وكونهم يعتبرونني كذلك فلأنهم يعرفون أنني ملتزم بخط الفن الوتري الراقي ولا أحب أن أحيد عنه.

* هل ستكون لك مشاركات فنية في الشهر الكريم علما أننا نعلم أنك لك بعض الأغنيات الصوفية والدينية؟ ـ نعم ستكون لي عدة محطات في مهرجانات محلية وسأركز على الغناء الصوفي مع بعض الأغاني الجديدة من البومي الأخير «يا قمرنا»، وبعد رمضان الكريم أفكر في تصوير إحدى الأغنيات الجديدة حتى يلاقي الألبوم حظه في الانتشار.

تونس ـ ضحى السعفي: