استضافت دبي خلال الفترة الماضية سلسلة من المؤتمرات التي تبحث في شؤون قطاع الطيران المدني وفرص النمو والتحديات التي تواجه هذا القطاع الذي يشهد نموا يكاد يكون الاكبر في العالم وفقا لتقارير الاياتا. وبرز في هذه المؤتمرات قطاع الطيران الاقتصادي الذي استأثر بجانب لا بأس به في ورش وجلسات عمل هذه المؤتمرات ومنها مؤتمر شركات الطيران الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي اضافة الى مؤتمر روتس دبي 2006 ومؤتمر منظمة النقل الجوي الأيكاو حول تحرير الاجواء الذي استضافته دبي يومي 18 و19 سبتمبر 2006.

وناقشت هذه الاحداث جملة من القضايا التي تهم قطاع الطيران الاقتصادي وتأثير سياسة الاجواء المفتوحة عليه اضافة الى فرص النمو والتحديات التي تنتظر هذا القطاع الحديث نوعا ما في منطقة الشرق الاوسط رغم ان عمره يمتد لأكثر من 35 عاما في الولايات المتحدة الأميركية وفي اوروبا.

ووفقا لاحصاءات قريبة فإن منطقة الشرق الاوسط تشهد نموا في تأسيس شركات الطيران الاقتصادي اضافة الى نمو سنوي في عدد الرحلات يصل الى 77 بالمئة مما انعكس ايجابا على سوق الطيران عموما كما ان عدد المقاعد هو الاخر ارتفع ليصل الى 46 مليون مقعد في المنطقة خلال شهر سبتمبر بنمو قدره 16 بالمئة مقارنة مع سبتمبر من العام الماضي.

كما ان رحلات الطيران الاقتصادي من والى منطقة الشرق الاوسط حققت نموا يصل إلى 135 بالمئة خلال شهر يونيو من العام الجاري مقارنة مع يونيو من عام 2005 ومن حيث عدد المقاعد بلغ عدد المقاعد لشركات الطيران الاقتصادي في الولايات المتحدة خلال يونيو من عام 2006 اكثر من 19 مليون مقعد بنمو 19 بالمئة وفي اوروبا 16 مليون مقعد بنمو 24 بالمئة وفي اسيا باسيفيك 6 ملايين مقعد بنمو 9 بالمئة.

ورغم ان العديد من شركات الطيران الاقتصادي او الطيران المنخفض التكاليف حققت بالفعل ارباحا جيدة خلال السنوات الاولى من انطلاقتها وهي تتوسع يوما بعد يوم الا ان العديد من التحديات ما زالت ماثلة امام هذه الشركات خصوصا تلك التي يمتلكها القطاع الخاص رغم ان بعض هذه التحديات او الصعوبات تعد جزءاً من التحديات التي تواجه صناعة الطيران المدني بشكل عام خصوصا فيما يتعلق بالارتفاع الصاروخي لأسعار النفط في الاسواق العالمية اضافة الى المنافسة الشديدة والارهاب وهي بمجملها لا تقتصر على شركات الطيران الاقتصادي.

والناظر للطيران الاقتصادي في المنطقة العربية يرى تسارعا في تأسيس مثل هذه الشركات خلال السنوات الاخيرة خصوصا في دول مجلس التعاون الخليجي دون ان نغفل عن تجارب اخرى في المنقطة حققت نجاحا ملموسا رغم انها ما زالت في بداية الطريق وتنتظرها الكثير من التحديات.

ويقول اندرو كوين مدير عام شركة سما وهي شركة سعودية أنشئت عام 2005 في المملكة العربية السعودية ان الطيران الاقتصادي ما زال ينتظر البنية التشريعية الملائمة التي تساعده على تعزيز انتشاره في الوقت الذي ستمهد فيه هذه القوانين الى نطلاق شركات اخرى.

لكن كوين وفي ورقة العمل التي قدمها في المؤتمر يشير الى ان الارتفاع المستمر لاسعار النفط عالميا قد يكون التحدي الاكبر الذي تواجهه شركات الطيران الاقتصادي ذلك ان وفقا لتقديرات منظمة النقل الجوي «الاياتا» فان تكلفة الوقود سترتفع لتصل الى 26 بالمئة خلال العام الجاري 2006 من اجمالي التكاليف مقارنة مع 14 بالمئة في عام 2000 ويتوقع ان تصل في بعض المناطق في العالم الى 38 بالمئة.

وتساءل كوين ـ ماذا يمكن ان يحصل اذا وصل سعر برميل النفط الى 100 دولار خصوصا ان امكانية حدوث مثل هذا الامر ليس بعيدا مع تزايد الطلب العالمي على النفط وتوتر الاجواء السياسية والنمو الاقتصادي العالمي مشيرا الى ان نظرة ثاقبة على واقع شركات الطيران بشكل عام يكشف تزايد نسبة الضريبة المفروضة على الوقود التي تعني زيادة في اسعار التذاكر .

ويبدو ان مثل هذه الاوضاع دفعت شركات الطيران جميعها بما فيها الطيران الاقتصادي اغلى البحث عن آليات واستراتيجيات عدة للتغلب على مصاعب ارتفاع اسعار النفط ومنها التحوط والتقليل من احتراق الوقود اضافة الى التقنيات الجديدة التي تضمن تقليل استهلاك الوقود في الطائرة وهي مسوؤلية مصنعي الطائرات التجارية. وتقدر الاياتا الى ان كل 1 بالمئة تحسين في فاعلية الوقود تعمل على توفير نحو 700 مليون دولار في القطاع.

وهناك مبادرات قامت بها شركات الطيران على هذا الصعيد ومنها تحسين مسارب الهبوط والإقلاع والعمل مع الحكومات لتوفير ممرات هبوط جديدة وتطوير اليات المناولة الارضية وزيادة فاعلية التنافس بين مزودي الوقود وادارة افضل للعمليات التي يدخل الوقود فيها اضافة الى استبدال الطائرات القديمة التي تستهلك وقودا اكثر بطائرات جديدة والتقليل من الاضواء غير الضرورية في الطائرات وعمليات المناولة الارضية.

اما التحوط فقد بدأت الكثير من شركات الطيران الى اللجوء الى هذه الآلية وهي شراء الوقود بعقود طويلة لضمان عدم ارتفاعه في المستقبل حيث تقدر الاياتا ان 50 بالمئة من فاتورة الوقود لعام 2006 جاءت من التحوط وهناك شركات مثل ساوث ويست مثلا استطاعت توفير 8 ,1 مليار دولار في الفترة من 1999 الى 2005 من توفيرات التحوط.

الشركات لم تكتف بذلك بل عمدت الى تبني عدد من التقنيات الجديدة التي تضمن التقليل من الفاتورة التي تتغول يوما بعد يوم ومن هذه التقنيات التحسينات الحالية في تكنولوجيا محرك الطائرة للتقليل من احتراق الوقود واستعمال المواد المركبة في تصنيع الطائرات وهو امر نفذته شركة بوينج الأميركية في طائراتها الجديدة خصوصا 787 دريم لاينر للتقليل من وزن الطائرة

حيث تشير تقديرات الاياتا ان تحسين فاعلية الوقود قد زادت بنسبة 20 بالمئة خلال العقد الماضي و5 بالمئة خلال العامين الماضيين فقط. وفي هذا الصدد كانت كل من شركة بريتش بتروليوم وجنرال الكتريك قد اعلنتا في يوليو الماضي عن مشروع مشترك لتطوير محطات طاقة تعمل بالوقود لكن مثل هذا التحالف قد لايرى النور في المستقبل القريب بالنسبة للمحركات الجوية.

وماذا عن وزن البشر ؟ هل يمكن تصديق ذلك؟

ـ الجواب نعم اذ ان دراسات أميركية اشارت الى ان معدل وزن الأميركي زاد بمقدار 5 كغم خلال التسعينات من القرن الماضي وهذا يعني زيادة في كمية احتراق الوقود بنسبة 350 مليون جالون تصل كلفتها الى 275 مليون دولار فقط.

ورغم تصاعد سعر النفط فان عائدات الطيران المدني وصلت خلال عام 2005 الى 400 مليار دولار رغم كل هذه التحديات مع تنامي حركة السفر والشحن الجوي في العالم والذي يتوقع ان تستمر في النمو خلال السنوات الثلاث المقبلة وفقا لتقديرات الاياتا مما يشير الى تعافي صناعة الطيران المدني في العالم وما زالت منطقة الشرق الاوسط تتمتع بأكبر نسبة نمو على هذا الصعيد .

وتبرز شركات الطيران الاقتصادي في مقدمة الشركات الرابحة في قطاع الطيران المدني كما انها تنمو اسرع من مثيلاتها في مختلف اسواق العالم ذلك ان اهتمامات المسافر تتركز في معايير الامن والصيانة وهي تتشابه مع كلا النوعين من الطيران فضلا عن الاسعار التي يوفرها الطيران الاقتصادي والتكلفة المنخفضة لعملياته .

ويشير نجيب بن خضر وهو رئيس شركة صبري لحلول الطيران ان عصر المعلومات الذي يتمثل في التذاكر الالكترونية واستخدام الانترنت سيعمل على تقليل مزيد من التكاليف لشركات الطيران الاقتصادي الامر الذي سيمكنها من توسيع شبكاتها وزيادة ارباحها.

واذا علمنا ان شركة مثل شل العالمية تقوم يوميا بتزويد 87 مليون لتر من وقود الطائرات لاكثر من 20 الف طائرة في العالم في 550 شركة طيران في 90 دولة و1100 مطار فاننا ندرك اهمية مسألة الوقود بالنسبة لشركات الطيران في العالم. ويؤكد عدد من الخبراء في مجال الطيران المدني ان شركات الطيران الاقتصادي عملت فعلا على تغيير وجه صناعة الطيران المدني في العالم

حيث تنتهج مبدأ البساطة والمباشرة في عملياتها سواء في النواحي المالية او المنتج والسماوات المفتوحة ودورها في نمو حركة التجارة والسياحة خصوصا في منطقة مثل الشرق الاوسط. مدير التسويق التجاري في شركة بوينج العالمية درو ماجيل يؤكد ان شركات الطيران الاقتصادي تعد اليوم من اكثر شركات الطيران ربحية في العالم بفضل عمليات تحرير الاسواق

وكلفتها الاقتصادية مقارنة بتكاليف الطيران المنتظم مشيرا الى ان هناك اكثر من 70 الف رحلة اسبوعيا تسيرها هذه الشركات في عام 2006 منها 37 الف رحلة داخل الولايات المتحدة وحدها و22136 رحلة داخل القارة الاوروبية و426 رحلة داخل منطقة الشرق الاوسط في حين تصل نسبة النمو في بعض المناطق الى 300 بالمئة.

وقال ان شركات الطيران الاقتصادي تتلقى عادة شكاوي اقل كما ان رضا العملاء اعلى في الوقت الذي تتوفر فيها معايير الامن والصيانة تماما كما هو الحال في شركات الطيران الاخرى اضافة الى قلة التكاليف الاخرى ومنها التشغيل والصيانة والشحن والتموين.

في حين يرى ان جهانجير واديا مدير عام شركة جو اير الهندية يؤكد اهمية التخطيط وتقديم الخدمات المميزة، وجذب الكوادر البشرية المؤهلة والأستثمار بأحدث الوسائل التكنولوجية لضمان استمرار نجاح شركات الطيران الاقتصادي.كما ان الرسوم المفروضة من قبل المطارات تبقى احدى العقبات التي تأمل شركات الطيران الاقتصادي في التغلب عليها.

لكن هذه الصورة تتفاوت بين شركات الطيران الاقتصادي ففي الوقت الذي تحقق فيه شركات في امريكا الشمالية والشرق الاوسط ارباحا عالية وتتوسع في خدماتها فان هذه الصورة تختلف في مناطق مثل افريقيا التي يؤثر عليها الوضع الاقتصادي في القارة السمراء عموما رغم وجود اكثر من 25 مليون سائح في القارة يمثلون 4 ,4 بالمئة من حجم السياحة العالمي وتحتاج الشركات هناك مثلا الى تطوير خدماتها وشراء طائرات جديدة وادارة افضل للوقود وفاعلية في عمليات الصيانة وغيرها.

ويؤكد خبراء ان شركات الطيران الاقتصادي استطاعت بالفعل تغيير صورة الطيران المدني وتغيير نمط وعادات السياحة والتنقل لدى الكثير من شعوب العالم خصوصا في كل من أوروبا وأميركا الشمالية حيث شهدت الرحلات المباشرة لهذه الناقلات تسارعا كما انها وبنفس الوقت غيرت من طبيعة عمل ونشاط شركات السياحة وضخت دماء جديدة في مطارات عديدة حول العالم.

ولا شك ان من ابرز انجازات هذه الشركات انها جعلت السفر الجوي ميسرا للجميع وسط اقبال منقطع النظير على هذه الشركات خصوصا في اوروبا الامر الذي جعل من شركة مثل ريان اير تنقل اعدادا من المسافرين في احدى الشهور اكثر من الخطوط الجوية البريطانية رغم ان البعض يتهم هذه الشركات بتدني مستوى الخدمة.

وطبقا لاحصاءات اوروبية مثلا هناك اكثر من 400 شركة طيران اقتصادي في اوروبا تشهد توسعا اخطبوطيا في شبكاتها مستفيدة من توسع الاتحاد الاوروبي نفسه كما توسعت هذه الشركات ايضا في خدمات الانترنت ووفرت الكثير من المعاملات الورقية التي قللت من نفقاتها واعطتها ميزة اضافية.وتعد قصر المسافة احدى الميزات في هذا القطاع ذلك ان معظم وجهاتها لا تزيد عن ساعتين وما زالت المملكة المتحدة اكبر سوق للطيران الاقتصادي في اوروبا ثم المانيا واسبانيا على التوالي.

والقصة قد تتكرر في الشرق الاوسط مع تزايد الدول التي تنتهج سياسة الاجواء المفتوحة وقيام شركات جديدة استنادا على نجاح التجربة في القارتين الأوروبية والأميركية وقد يشكل ذلك تهديدا للشركات الكبرى كما حدث في اوروبا ايضا حيث ادركت الشركات الكبرى قوة الطيران الاقتصادي وبدأت بإجراءات للمنافسة ومنها مثلا وجبة الطعام الاختيارية كما قامت شركات بتأسيس شركات طيران اقتصادي للمنافسة.

وفي نفس الوقت الذي كانت فيه شركات طيران اوروبية كبرى تعاني خسائر كبيرة كانت شركات مثل ريان اير وايزي جت تحقق معدلات ارباح عالية واشغال عال للمقاعد واستطاعت اختراق اسواق جديدة الامر الذي دفع شركة مثل ريان ايز مثلا لشراء 70 طائرة من شركة بوينج ليصبح اسطولها 225 طائرة وخيرا لشراء 200 طائرة اخرى.

وهناك حقيقة اخرى وهي ان رجال الاعمال يستخدمون ايضا الطيران الاقتصادي في رحلاتهم وهو امر كشفت عنه دراسة حديثة بينت ان 71 بالمئة من رجال الاعمال ساروا على شركات الطيران الاقتصادي و96 بالمئة منهم كانوا راضين جدا وسيكررون سفرهم على هذه الطائرات. فهل تتكرر القصة في منطقة الشرق الاوسط : الجواب ستكشف عنه السنوات المقبلة ومدى قدرة شركات الشرق الاوسط على التكيف مع الاوضاع المتغيرة وادارتها لمسألة ارتفاع الوقود بشكل ملائم.

دبي ـ علي الصمادي