أصدر معهد حوكمة الشركات »حوكمة« ومعهد التمويل الدولي تقريراً عن حوكمة الشركات الخليجية خلال الأسبوع الماضي،وهو يعد أول دراسة لقياس معايير الحوكمة المتبعة في المنطقة،
وهو ثمرة لسلسلة من الاجتماعات مع كبار المسؤولين في سلطات الأسواق المالية والمصارف المركزية والبورصات، ومديري الصناديق الاستثمارية المحليين، والمحامين والخبراء والمحاسبين والاستشاريين الإداريين المهتمين بحوكمة الشركات في مجلس التعاون.
ومن أهم نتائج التقرير أن حوكمة الشركات في دول الخليج لا تزال في مراحلها الأولى من التطور. لكنه يشير أيضاً إلى أن تقدماً حقيقياً حصل مع بدء الدول بتعديل القوانين الحالية للشركات وتعزيز آليات المحاسبة وتلبية متطلبات الحوكمة في الشركات.
وإدراكاً منهم لحقيقة أن الحوكمة الجيدة تشكل عاملاً أساسياً في ضمان استدامة النمو والتطور في منطقة الخليج، نرى أن صناع القرار بدأوا يمسكون بزمام المبادرة ويلتزمون تطبيق معايير أكثر أماناً لحوكمة الشركات في دول مجلس التعاون الست.
والحوكمة هي مجموعة من القوانين والنظم والقرارات التي تهدف إلى تحقيق الجودة والتميز في الأداء عن طريق اختيار الأساليب المناسبة والفعالة لتحقيق خطط وأهداف الشركة.
وتشير الحوكمة إلى القواعد والأسس التي تحدد كيفية اتخاذ القرارات وتوزيع السلطات داخل الشركة بين الجمعية العامة ومجلس الإدارة والمديرين التنفيذيين والذي يؤدي توافرها من ناحية وتطبيقها من ناحية أخرى إلى تقليل التعارض بين مصالح هذه الأطراف الثلاثة.
وتنقسم المبادئ الدولية الخاصة بالقواعد المنظمة لإدارة الشركات إلى ست مجموعات رئيسية ويندرج تحت كل قسم مجموعه من المبادئ التفصيلية. وهذه المبادئ هي
أولا: توافر إطار فعال لحوكمة الشركات
وثانيا: حقوق المساهمين
وثالثا: المعاملة العادلة للمساهمين
ورابعا: دور الأطراف ذات المصلحة أو الصلة بالنسبة للقواعد المنظمة لحوكمة الشركات
وخامسا: الإفصاح والشفافية وسادسا: مسؤوليات مجلس الإدارة.
وظهرت الحاجة إلى الحوكمة في العديد من الاقتصادات المتقدمة والناشئة خلال العقود القليلة الماضية خاصة في أعقاب الانهيارات الاقتصادية والأزمات المالية التي شهدتها عدد من دول شرق آسيا وأميركا اللاتينية وروسيا في عقد التسعينات من القرن العشرين ، وكذلك ما شهده الاقتصاد الأميركي مؤخرا من انهيارات مالية ومحاسبية خلال عام 2002.
ومنذ عام 1997، ومع انفجار الأزمة المالية الآسيوية، أخذ العالم ينظر نظرة جديدة إلى حوكمة الشركات. والأزمة المالية المشار إليها، قد يمكن وصفها بأنها كانت أزمة ثقة في المؤسسات والتشريعات التي تنظم نشاط الأعمال والعلاقات فيما بين منشآت الأعمال والحكومة.
وقد كانت المشاكل العديدة التي برزت إلى المقدمة في أثناء الأزمة تتضمن عمليات ومعاملات الموظفين الداخليين والأقارب والأصدقاء بين منشآت الأعمال وبين الحكومة، وحصول الشركات على مبالغ هائلة من الديون قصيرة الأجل في الوقت الذي حرصت فيه على عدم معرفة المساهمين بهذه الأمور
وإخفاء هذه الديون من خلال طرق ونظم محاسبية »مبتكرة«، وما إلى ذلك. كما أن الأحداث الأخيرة ابتداء بفضيحة شركة إنرون، وما تلا ذلك من سلسلة اكتشافات تلاعب الشركات في قوائمها المالية، أظهر بوضوح أهمية حوكمة الشركات حتى في الدول التي كان من المعتاد اعتبارها أسواقا مالية »قريبة من الكمال«.
وأدى اتساع حجم تلك المشروعات إلى انفصال الملكية عن الإدارة وشرعت تلك المشروعات في البحث عن مصادر للتمويل اقل تكلفة من المصادر المصرفية. ودفع اتساع حجم الشركات وانفصال الملكية عن الإدارة إلى ضعف آليات الرقابة على تصرفات المديرين والى وقوع كثير من الشركات في أزمات مالية ومن أبرزها دول جنوب شرق آسيا في أواخر التسعينات ،
ثم أزمة شركتي إنرون وورلد كوم في الولايات المتحدة في عام 2001 ودفع ذلك العالم للاهتمام بالحوكمة. واكتسبت حوكمة الشركات أهمية أكبر بالنسبة للديمقراطيات الناشئة نظرا لضعف النظام القانوني الذي لا يمكن معه إجراء تنفيذ العقود وحل المنازعات بطريقة فعالة. كما أن ضعف نوعية المعلومات تؤدي إلى منع الإشراف والرقابة وتعمل على انتشار الفساد وانعدام الثقة.
ويؤدي اتباع المبادئ السليمة لحوكمة الشركات إلى خلق الاحتياطات اللازمة ضد الفساد وسوء الإدارة، مع تشجيع الشفافية في الحياة الاقتصادية ومكافحة مقاومة المؤسسات للإصلاح.
وعلى سبيل المثال، فإن حوكمة الشركات الجيدة، في شكل الإفصاح عن المعلومات المالية، يمكن أن يعمل على تخفيض تكلفة رأسمال المنشأة. كما أن حوكمة الشركات الجيدة تساعد على جذب الاستثمارات سواء الأجنبية أم المحلية، وتساعد في الحد من هروب رؤوس الأموال، ومكافحة الفساد الذي يدرك كل فرد الآن مدى ما يمثله من إعاقة للنمو.
وما لم يتمكن المستثمرون من الحصول على ما يضمن لهم عائدا على استثماراتهم، فإن التمويل لن يتدفق إلى المنشآت. وبدون التدفقات المالية لن يمكن تحقيق الإمكانات الكاملة لنمو المنشأة.
وإحدى الفوائد الكبرى التي تنشأ من تحسين حوكمة الشركات هي ازدياد إتاحة التمويل وإمكانية الحصول على مصادر أرخص للتمويل وهو ما يزيد من أهمية الحوكمة بشكل خاص بالنسبة للدول النامية. إن حوكمة الشركات تعتمد في نهاية المطاف على التعاون بين القطاعين العام والخاص لخلق نظام لسوق تنافسية في مجتمع ديمقراطي يقوم على أساس القانون.
وتتناول حوكمة الشركات موضوع تحديث العالم العربي عن طريق النظر في الهياكل الاقتصادية وهياكل الأعمال التي تعزز القدرة التنافسية للقطاع الخاص، وتجعل المنطقة أكثر جذبا للاستثمار الأجنبي المباشر، كما تحقق تكاملا للمنطقة في الأسواق العالمية.
وأخيرا، فإننا نؤكد على أهمية الإسراع في تنفيذ التوصيات الواردة في تقرير معهد الحوكمة من أجل الارتقاء بحوكمة الشركات إلى مستويات جديدة تنسجم مع المعايير المعتمدة في معهد التمويل الدولي؛ حيث إن هناك بالفعل حاجة إلى المزيد من التزام تطبيق حوكمة أفضل للشركات من قبل السلطات السياسية وكبار المسؤولين الحكوميين المعنيين بتطوير أسواق المال من أجل تفعيل التغيير الحقيقي.
كما يحتاج المنظمون في دول مجلس التعاون الخليجي إلى التعاون بشكل أوثق لتعزيز أسواق الأسهم في المنطقة. كذلك تشكيل محاكم مختصة لتطبيق قوانين الأوراق المالية، مما يسرع بت القضايا ذات الصلة بالأوراق المالية والتمويل وتقليص تكاليف المحاكمات على جانب تعزيز الشفافية المالية من خلال توحيد قواعد إعداد التقارير المالية، خاصة التقارير السنوية المقدمة للمساهمين.
والحوكمة تؤدي في النهاية إلى زيادة الثقة في الاقتصاد القومي وتعميق دور سوق المال وزيادة قدرته على تعبئة المدخرات ورفع معدلات الاستثمار، والحفاظ على حقوق الأقلية أو صغار المستثمرين.ومن ناحية أخرى تشجع الحوكمة على نمو القطاع الخاص ودعم قدراته التنافسية وتساعد المشروعات في الحصول على التمويل، وتوليد الأرباح وأخيرا خلق فرص عمل.