في نوع من التفكير بصوت عالٍ دار هذا الحوار الافتراضي مع النفس.هل هناك علم اقتصاد؟ نعم بالتأكيد بدليل أن هناك كليات جامعية للعلوم الاقتصادية وأساتذة في العلوم الاقتصادية وخبراء اقتصاديين عالميين.
إذا كان هناك علم للاقتصاد فلماذا تختلف المدارس الاقتصادية؟ ولماذا يوجد أكثر من نظام اقتصادي في العالم ينجح في تحقيق التنمية بالرغم من أنه يختلف عن الآخر الذي يحقق نفس النتائج بدرجات متفاوتة؟
أظن أن الاقتصاد فلسفة أكثر من كونه علما بدليل نجاح الصين المذهل وهى تتبع نظام الاقتصاد الشيوعي ونجاح أميركا الضخم وهى تتبع نظام الاقتصاد الرأسمالي وتجربة ماليزيا المتقدمة بينما تتبع نظام الاقتصاد الإسلامي.
فهل معنى ذلك أن كل هذه النظم وكل هذه الفلسفات صحيحة، وإذا تبعت أيا منها يمكنك إحراز التقدم وتحقيق التنمية؟ ربما لا أظن مثل هذا الظن، ولكني أتصور ان أي نتيجة هي محصلة إنسان وظرف ونظام يتلاءم مع فلسفة هذا الإنسان وطبيعة هذا الظرف، وإدارة علمية وعملية وإنسانية تحيل هذه الفلسفة وهذا النظام النظري إلى ديناميكية منتجة على أرض الواقع.
والنجاح في التجارب الاقتصادية يتحقق حينما يتوفر الإنسان المناسب مع الظرف المناسب بالنظام المناسب، أى بانسجام وتكامل المنظومة الثلاثية كلها العلمية والفكرية والفنية.
وما معنى المناسب هنا؟ مناسب لماذا ؟العلوم ليست شيئا مجردا عند التطبيق لأن الذي يوظفها إنسان، والإنسان جزء من مجتمع له عقيدته وله أخلاقياته وقيمه التي تمثل بالنسبة له المرجعية الفكرية التي تحدد لهما هو مأمول وما هو مقبول وما هو معزول، أي ما هو مناسب وما هو غير مناسب.
مناسب لمرجعياته الفكرية التي قد تختلف من إنسان إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر، لكنه في النهاية لا يوجد إنسان بلا فلسفة ولا يوجد مجتمع بلا مرجعية فكرية تشكل ملامح النظام الذي يناسبه سواء كان هذا النظام سياسيا أو اقتصاديا.
تحقيق التقدم المادي وإحراز التنمية الاقتصادية يمكن أن يتم باستخدام العلوم والتقنيات وفنيات الإدارة في ظروف تتوافر فيها عناصر الإنتاج لأي من هذه النظم الاقتصادية المختلفة بدرجات نسبية.
ففيم الخلاف بينها إذن؟ إنها تختلف حول الغايات المأمولة من هذا التقدم، والوسائل المتبعة للوصول إلى هذه الغايات. والذي يحدد هذا الخلاف هو الفكر الذي يحرك ويصنع الدوافع لهذا النمو.
ويمكنك العودة لدراسة تجارب المتقدمين في العالم ليتضح لك ترجمة هذه المعاني العامة التقدم الأميركي الرأسمالي أباحت له فلسفته وأخلاقه إبادة شعب أصلي في أراض شاسعة بالحرب تفيض فيها كل عناصر الثروات الطبيعية والاستيطان الأوروبي المهاجر والمغامر واستخدام العبيد الأفارقة
وتسخيرها كقوى عاملة ومنتجة لتحقيق التقدم وإنتاج مزيد من الثروة لصالح قلة من المستوطنين البيض. والتقدم الصيني الشيوعي تدفعه فلسفة العمل والإنتاج وتحديات التخلف والفقر إلى الاستجابة لهذه التحديات بمزيد من العمل ومزيد من الإنتاج ربما في ظروف صعبة لكنها بعيدة عن الاستغلال أو العبودية أو اغتصاب أراضى الغير بالحرب، في الوقت الذي تتوفر لعملية التنمية الصينية طاقة بشرية هائلة، وأراض شاسعة زاخرة بالثروة.
والنهضة الاقتصادية الماليزية والتي أضحت تجربة مضيئة في التنمية للدول النامية استمدت نجاحها من مرجعية مغايرة لكلا التجربتين، حيث كانت ترجمة المبادئ الإسلامية إلى تجربة عملية حية غايتها أخلاقية ووسيلتها أخلاقية تستهدف تحقيق فكرة نفى الفقر،
حيث لا يجب أن يكون هناك فقير واحد في مجتمع مسلم. وتسعى إلى تحقيق المشاركة في الثروة والسلطة. وتتوسل بنظام إداري مناسب وناجح لإدارة عملية التنمية على أساس من الاستقرار والتسامح والعدل.
إن كل تجربة من هذه النماذج الثلاثة نجحت في تحقيق التقدم وزيادة الثروة ولكن السؤال هو كيف تحققت هذه الثروة.. ولمن آلت إليه هذه الثروة ؟
إن الخلاف بين هذه النظم الاقتصادية لم يكن فيما هو علمي بل كان في الوسائل والغايات التي حددتها مرجعيات كل منها الأخلاقية والفكرية والفلسفية.. وعلم الاقتصاد وحده لا يكتمل تطبيقه إلا بتحديد وظيفته الإنسانية وليست المادية فقط.
وعندما سئل مهندس التجربة الماليزية»محاضر محمد« عن سر النجاح في ماليزيا وسر الفشل في بلاد إسلامية أخرى قال أظن اننا حولنا في بلادنا أن نطبق مبادئ ديننا، بينما يمكن أن تنبع المشكلة في بلاد إسلامية أخرى في أنها لا تحاول تطبيق مبادئ دينها، في الوقت الذي تطبق فيه مبادئ الآخرين!
مستشار إعلامي
mamdoh77t@hotmail.com