برزت خلال الفترة الأخيرة مشكلة جديدة أمام الاقتصاد الصيني تتمثل في النقص الكبير في أعداد الشباب وارتفاع نسب المسنين في المجتمع الصيني. ومع الانخفاض المتواصل الذي شهدته نسبة الزيادة الطبيعية للسكان الصينيين في السنوات الأخيرة، وضع العلماء والمتخصصون المشكلة أمام صناع القرار وأثاروا سؤالاً مهماً حول الكيفية التي يمكن من خلالها إيجاد القوة الشبابية اللازمة لدعم التنمية بعد 50 عاماً.

كما برز أيضاً سؤال حول كيفية الحصول على رأس المال اللازم لإعالة المسنين الذين سيتجاوز عددهم مئة مليون. ونشر مؤخراً كتاب عرف »الكتاب الأخضر للسكان والأيدي العاملة«.

ويلاحظ تساي تشوانغ أحد مؤلفي هذا الكتاب أن الصين قد وصلت خلال مدة 30 عاما ما وصلت إليه الدول المتقدمة خلال مئة عام، حيث انخفضت بسرعة نسبة إجمالي الإنجاب من 5.4 عام 1971 إلى أقل من مستوى التغيير (إنجاب كل امرأة طفلين كمعدل ) فدخلت بذلك قائمة الدول ذات نسبة الإنجاب المنخفضة.

ومنذ عام 1998، قلت نسبة زيادة السكان الطبيعية عن عشرة في الألف بشكل متواصل ، بل إنها انخفضت إلى اقل من 6 في الألف عام 2004. ويعني ذلك أنه وبفضل تنفيذ سياسة تنظيم الأسرة، انخفض عدد المواليد الجدد مئات الملايين في الصين.

لكن مع تغير طبيعة زيادة السكان، ظهرت مشكلة أخرى تتمثل في شيخوخة السكان. فإذا زادت نسبة السكان الذين تتجاوز أعمارهم 65 سنة على 7% من سكان بلد ما، دخل هذا البلد مجتمع الشيخوخة حسب معايير الأمم المتحدة. والصين تدخل حاليا »نادي الشيخوخة العالمي« حسب نتيجة إحصاء السكان الخامس الذي أجري عام 2000.

الجدير بالاهتمام أن متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي كان بين 5000 ـــ 10000 دولار أميركي عندما دخلت الدول المتقدمة مجتمع الشيخوخة، بينما تجاوز قليلا متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي 1000 دولار أميركي بالصين، ولا تزال الصين ضمن شريحة الدول ذات الدخل المنخفض من بين الدول ذات الدخل المتوسط، وان قدرتها الاقتصادية على مواجهة الشيخوخة لا تزال ضعيفة.

ويعني ذلك أن سياسة تنظيم الأسرة نجحت في السيطرة على عدد السكان، وفي نفس الوقت أسرعت بـ»إنجاب« بلد الشيخوخة الوحيد في العالم قبل أن تحقق الرخاء. حيث تنخفض باستمرار سرعة ارتفاع نسبة السكان الذين هم في سن العمل بينما ترتفع بسرعة نسبة المسنين، مما شكل أهم خاصية لتغير السكان منذ عشرات السنين وسيكون الأمر كذلك في الصين خلال العقود المقبلة.

وحسب توقعات المركز الصيني للسكان والتنمية، سترتفع خلال السنوات القادمة، نسبة السكان الذين هم في سن العمل، لتبلغ 72.1% بحلول عام 2013 في الصين، وبعد ذلك سيظهر توجه بالانخفاض السنوي، وسيبلغ عدد السكان الذين هم في سن العمل قمته، أي نحو 997 مليون نسمة بحلول 2016، ثم سيبدأ بالانخفاض.

وحسب توقعات الأمم المتحدة، ستنخفض نسبة زيادة السكان الذين هم في سن العمل تدريجيا في الصين، لتنخفض عن متوسط المستوى العالمي. وقدمت لنا كل نتائج التوقعات المماثلة معلومات مهمة تتلخص فيه: أن تغيرات العدد المطلق للسكان الصينيين الذين هم في سن العمل وعددهم النسبي ستختلف عن التوجه الذي شهدناه في الفترات الطويلة الماضية،

وان وضع عرض الأيدي العاملة لا يدعى للتفاؤل حتى يمكن للناس أن يروا في مستقبل غير بعيد يوم انتهاء عرض الأيدي العاملة غير المحدود الذي يعتبر أحدى نقاط التفوق الأساسية للصين في التنمية الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة. ومن المؤسف أن اتجاه التوسع في الطلب على الأيدي العاملة بالصين سيستمر وقتاً طويلاً.

إن بوادر قلة الأيدي العاملة قد ظهرت فعلا ولا داعي لأن ننتظر إلى عام 2020 أو 2030، حيث برزت ظاهرة »عدم وجود العدد الكافي من الفلاحين« في منطقة دلتا نهر اللؤلؤ الأنشط اقتصاديا بالصين قبل العام الماضي، ثم تبعتها منطقة دلتا نهر اليانغتسي،

أضف إلي ذلك صعوبة استئجار الأيدي العاملة في المنطقة الواقعة بين بكين وتيانغين وتانغشان والقاعدة الصناعية القديمة بشمال شرقي الصين حتى مقاطعتي جيانغشي وهونان وغيرهما من المقاطعات الكبيرة. وتعد هذه الحالة غير مسبوقة في الصين التي تتميز بوفرة الأيدي العاملة غير المحدودة والفرق الكبير بين الريف والحضر في الدخل.

وتتجلى أمامنا حقيقة خطيرة تتمثل في تناقص وفرة الأيدي العاملة الناجم عن دخول الصين إلى مجتمع الشيخوخة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن الطلب كبير على الأيدي العاملة لان الصين لم تحقق الرخاء بعد، الأمر الذي من المحتمل أن يؤدى إلى انتهاء تفوق الصين الحالي خلال تنميتها الاقتصادية في المستقبل.

متابعة ــــ كفاية أولير