كانت السياحة في لبنان أكثر القطاعات تضرراً جراء العدوان الإسرائيلي الذي شن عليه بين 12 يوليو و14 أغسطس الماضيين، إذ حرم الدورة الاقتصادية في البلد من نحو 4.4 مليارات دولار أميركي، كان يتوقع أن يصرفها ما بين 1.6 مليون و1.7 مليون سائح بحسب التقديرات التي وضعت قبل الحرب.

هذه الأرقام والتقديرات كانت تَعِدْ بسنة سياحة ذهبية، لم يشهد لبنان مثيلاً لها منذ استقلاله، وكان ينتظر أن تساهم في رفع نسبة النمو فيه إلى ما بين 5 و6%، وهو مستوى قياسي مقارنة بمستوياته خلال السنوات التي أعقبت الحرب الأهلية في مطلع تسعينات القرن المنصرم، حسبما قال وزير السياحة اللبناني جو سركيس في تصريحات لـ »البيان«.

وأوضح سركيس أن القطاع السياحي لم يتكبد خسائر مباشرة هامة، مشيراً إلى عدم تعرض أي من المؤسسات السياحية الكبيرة والمتوسطة إلى أضرار مباشرة جراء العدوان، كما بيّنت الاستمارات التي خصصتها وزارة السياحة للمتضررين، لكنه أشار إلى أن بعض المؤسسات الصغيرة مثل مكاتب وكالات السياحة والسفر في منطقة الضاحية الجنوبية، وبعض المقاهي الموسمية الواقعة على ضفاف نهر الليطاني في جنوب لبنان.

وبالنسبة إلى المكاتب التي تحدث عنها، لفت إلى أنها ستكون مشمولة ببرامج الإغاثة التي تحدث عنها رئيس الحكومة فؤاد السنيورة للتعويض على من تهدمت بيوتهم وعقاراتهم جراء القصف الإسرائيلي.

وعن الأضرار غير المباشرة، أوضح »لدينا جزءان واحد أساسي وآخر لا يمكننا أن نأخذه في عين الاعتبار، وهو المتمثل بالفرص التي لم يتم تحقيقها، كتقديرات مطعم معين بالأرباح التي كان يتوقع أن يجنيها خلال الصيف وحرمه منها العدوان،

وإذا كنا واقعيين فنحن لا نستطيع أن نعد أحدا بالتعويض على هذا النوع من الأضرار لأنه سيفتح علينا أبوابا لا نقدر على إقفالها، وبالنهاية فاللبنانيون جميعاً تضرروا. ما نحاول القيام به هو حصر الموضوع بعنوان أساسي هو كيف نؤمن استمرارية المؤسسات السياحية خلال هذه الفترة الصعبة لكي لا تنهار، بانتظار عودة الحركة السياحية إلى البلد إلى سابق عهدها«.

وأشار سركيس إلى أن التوقعات التي وضعتها الوزارة قبل 12 يوليو، تاريخ بدء العدوان، قدرت عدد السياح الذين كان من المتوقع أن يزورا لبنان خلال الصيف، ما بين المليون و600 ألف ومليون و700 ألف سائح، علماً أن عدد السياح بلغ في العام 2005 مليونا و180 الفا، في حين كان العدد أكبر في العام 2004، إذ قارب نحو مليون و250 ألف سائح.

وأضاف أن »هذه التوقعات كانت واقعاً عشية 12 يوليو، لأنا كنا قد تجاوزنا نصف السنة، وكان عدد السياح في لبنان تجاوز الـ730 ألفا تقريباً، ما كان يدل على أننا نسير ضمن المخطط المتوقع، من حيث عدد السياح، في حين كنا نتوقع أن يدر القطاع السياحي والاستثمارات السياحية على الخزينة اللبنانية في هذا العام نحو 4.4 مليارات دولار أميركي،

وكان سيساهم هذا المدخول، لو حدث، بنمو اقتصادي يتراوح بين 5 و6%، وهي نسبة ممتازة جداً بالنسبة إلى لبنان، لأننا كنّا في الماضي نجد صعوبة لكي يصل معدل النمو إلى 1%، لذلك كان العام 2006 واعداً جداً لو سمحت الظروف باستمرار الأمور على وتيرتها، لكانت السنة الذهبية في السياحة اللبنانية منذ استقلال لبنان (في عام 1943)«.

وأوضح أنه »في العام 1974، أي عشية الحرب الأهلية في لبنان(التي اندلعت في العام 1975)، كانت السياحة في أوجها، دخل إلى لبنان أقل من مليون و500 ألف سائح، وكانت السياحة آنذاك تشكل نحو 20% من الدخل القومي، بينما منذ ذلك الحين وحتى الأمس، يحكى عن مساهمة لا تتعدى 9 و10% من الدخل القومي، في حين كنا نتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى ما بين 13 و14%«.

ويعتَبِر سركيس أن واقع الخسارة حصل، مستدركاً أن جزءً من مداخيل السياحة وصلت إلى الخزينة، ولكن الموسم لم يأخذ مداه لأن »ثقل السياحة يحدث عادة في الصيف، لأنه في موسمه يأتي، إضافة إلى الرعايا العرب، يعود المغتربون اللبنانيون، الذين هم من الزبائن المفضلين للبنان،

لأن حنينهم وارتباطهم بالبلد يشجعهم على صرف مبالغ غير متوقعة، لا تذهب فقط في المرافق السياحة، إنما تشمل عائلاتهم الموجودة أصلاً في لبنان، فيعمدون مثلاً إلى شراء مستلزمات لبيوتهم ولحياة عائلاتهم التي تعيش في البلد، وهي أمور تساهم في تحريك الدورة الاقتصادية بشكل عام«.

فضلاً عن ذلك، قال إن »موسم الصيف عادة يشهد زيارة مستثمرين كثر، يأتون لتمضية إجازاتهم هنا فيثير اهتمامهم تنفيذ استثمارات في البلد، وهذه هي الخسارة الأساسية للبنان جراء العدوان«.

وعلى الرغم من أهمية زيارة المغتربين اللبنانيين لبلدهم، أكد أيضاً على أهمية زيارة السائح العربي والخليجي بشكل خاص، مشيراً إلى أن الإحصاءات تظهر أن 40% من السياح الذين يزورون لبنان هم من العرب، ومعظمهم من الخليج، يليهم نسبة 25% من الأوروبيين، والبقية موزعين على رعايا دول العالم الأخرى.

وتحدث سركيس عن طلبه المساعدة من المنظمة العربية للسياحة والمنظمة العالمية للسياحة اللتين ينتمي إليهما لبنان ويقوم بدفع الاشتراكات المطلوبة منه للمنظمتين، موضحاً أنه »بناءً على طلبي، زارنا رئيس منظمة السياحة العربية (السعودي) الشيخ بندر بن فهد آل فهيد، يرافقه وفد رفيع المستوى،

وخرجنا نحن وهم بفكرة تقوم على إنشاء صندوق تضامني مع القطاع السياحي في لبنان، وتخصيص فنادق الأربع والخمس نجوم في العالم العربي، والتي تضم عشرات الآلاف من الغرف، دولارا أو اثنين عن كل ليلة فندقية، توضع في صندوق مخصص لمساعدة المؤسسات السياحية اللبنانية على المحافظة على اليد العاملة لديها«.

وأكد على أن المنظمة العربية تبنت الفكرة، وأنه »يبقى على القطاع الخاص والنقابات في لبنان، الذين هم على تواصل مع نظرائهم في البلدان العربية، القيام بالاتصالات اللازمة من أجل بدء العمل بالصندوق المذكور، الذي ستشرف عليه الوزارة والنقابات المحلية، والنقابات العربية المانحة لكي نضمن الشفافية وقد أخذت موافقة وزير المالية (اللبناني جهاد أزعور) لفتح حساب في البنك المركزي، مخصص للتعويض على القطاع السياحي«.

وأشار إلى أن ذلك سيترافق مع قوانين وتشريعات جديدة لمساعدة المؤسسات السياحية على الاستمرار، »من خلال تأجيل الاستحقاقات المالية والرسوم، طبعاً لا يمكننا كدولة أن نقوم بإعفاء هذه المؤسسات من دفع المستحقات والرسوم والضرائب، لكن يمكننا أن نمدد المهل أو نؤجل مواعيد الدفع أو العمل مع المصارف من أجل خفض الفوائد. ولهذه الغاية سأعمل مع الحكومة والمجلس النيابي،

وحالياً أنسق مع جميع الوزارات الإنتاجية، وقد عقدنا أخيرا لقاء في الوزارة، شارك فيه وزراء المالية والسياحة والزراعة والصناعة، لكي نضمن العمل معاً، لأن جميع القطاعات التي نتولى مسؤوليتها لديها المشاكل نفسها، وسنخرج بقانون يشمل تعاطي قطاعاتنا مع المصارف والرسوم البلدية ورسوم الميكانيك. وإذا كنّا بحاجة إلى تشريع فإن النواب في البرلمان جاهزون لتسهيل الأمر«.

بيروت ــ سهيل شهاب: