اختتمت الجمعية السينمائية اللبنانية «بيروت دي سي» مساء أول من أمس، الدورة الرابعة لمهرجانها المتخصّص بالسينما العربية تحت عنوان «أيام بيروت السينمائية»، بحضور عدد من المخرجين والفنانين السينمائيين اللبنانيين والعرب والأجانب، الذين عُرضت أفلامهم الجديدة، أو الذين أرادوا زيارة العاصمة اللبنانية للتضامن مع اللبنانيين ومع المهرجان بعد العدوان الإسرائيلي الأخير.

ويُقام هذا المهرجان مرّة واحدة كل عامين ولا يتضمن مسابقة رسمية مكتفيا بعرض مجموعة من الأفلام الروائية والوثائقية. وكان شارك في هذه الدورة 26 فيلماً عربياً وأربعة أفلام أجنبية في إطار «إطلالة على العالم العربي»، و«نشاطات موازية» ضمّت أفلاماً قصيرة جداً أنجزت خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان واللبنانيين عُرضت بعنوان «أفلام تحت الحصار».

كما عُرض الفيلم الشهير الذي أنجزه المخرج الإيطالي جيلو بونتيكورفو (مواليد العام 1919) بعنوان «معركة الجزائر» (إنتاج جزائري إيطالي مشترك - 1966). وقد تنوّعت المواضيع الدرامية التي اشتغل عليها المخرجون المقيمون في أوطانهم العربية أو المهاجرون إلى دول الاغتراب الأوروبي والأميركي، واختلفت أساليبهم ورؤاهم وهواجسهم من ضمن فاعليات مهرجان يبحث عن المختلف في سينما عربية لا تجد غالبية أفلامها طريقها إلى جمهورها المحلي.

وكانت إدارة المهرجان اختارت في دورتها الرابعة فيلمين روائيين طويلين جديدين، هما «فلافل» (2006) الروائي الطويل الأول لميشال كمّون (عُرض للمرّة الأولى عالمياً في افتتاح هذه الدورة، وهو سيشارك في مهرجاني «نامور» في بلجيكا و«مونبيلييه» في فرنسا في خلال الشهرين المقبلين، مفتتحاً جولة طويلة سيقوم بها في المهرجانات السينمائية الأخرى) و«أطلال» )6002( الروائي الطويل الثالث لغسان سلهب، الذي عُرض لمرّة أولى ووحيدة في الدورة الأخيرة (أغسطس الفائت) لمهرجان «لوكارنو» في سويسرا.

تكمن ميزة هذين الفيلمين في امتلاكهما مواصفات الفيلم اللبناني المنبثق من واقع الحال الإنساني. فعلى الرغم من الدعم الأوروبي (الفرنسي تحديداً) الذي لا بُدّ منه لتحقيق أي فيلم لبناني، فإن «لبنانية» هذين الفيلمين واضحة تماماً:

الموضوع، الممثلون، السيناريو، الحبكة، الديكور (الجغرافي والإنساني والنفسي)، الحوار، آلية التقاط نبض الحياة اليومية وفضاءاتها المنفتحة على التباسات اللحظة والعلاقات، المناخ، إلخ. كما أنهما يغوصان في تشريح هذه الخصوصية اللبنانية، ويتعمّقان في تداعيات الذات الفردية المحاصرة بألمها الصامت أو المخنوق، وبارتباطها بحيّزها الجغرافي والاجتماعي والبشري.

إلى ذلك، شارك فيلم روائي قصير بعنوان «إلى اللقاء لاحقاً» (2006) للمخرج اللبناني فؤاد عليوان، الذي يستمرّ في إنجاز أفلام روائية قصيرة، منتظراً الفرصة المناسبة لتحقيق فيلمه الروائي الطويل الأول.

من الأفلام المتميّزة التي عُرضت ايضا خمسة أفلام عربية روائية طويلة أنجزت مؤخّراً، وهي: «باماكو» أي «المحكمة» (مالي/فرنسا، 2006) للمخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو، «بلاد رقم واحد» (الجزائر/فرنسا، 2005) للجزائري رباح عامر زايماشي، «الرحلة الكبرى» (المغرب، 2004) للمغربي إسماعيل فروخي، «بذور الشكّ» (مصر/ألمانيا، 2005) للمصري الألماني سمير نصر و«غير صالح» (العراق/ألمانيا، 2004) للعراقي عدي رشيد.

للوهلة الأولى،تبدو هذه الأعمال مختلفة عن بعضها بعضا، على مستويي الشكل والمضمون. غير أن التمعّن النقدي في تفاصيل حكاياتها وشخصياتها يؤدّي إلى كشف خيط جمالي ودرامي (قد يكون رفيعاً) يجمع بينها، ويرسم ملامح توجّهاتها الفنية والثقافية.

فهي، على اختلافها الشاسع، تكشف بعضاً من المأساة الإنسانية العربية، في داخل المجتمعات العربية أو في بلاد الاغتراب والمهاجر والمنافي. وهي، على اتّساع خريطتها الجغرافية والإنسانية، تتوغّل في الذات الفردية العربية، كي تفضح الجماعة وتسلّط الضوء على بؤسها وتناقضاتها وآلامها.

واللقاء الدرامي بين الأفلام الخمسة كلّها يبقى واضحاً على مستوى التنقيب الجمالي والفني في شؤون الفرد وعلاقاته المختلفة بمن يحيط به، وبالبيئة (الجغرافية والاجتماعية والإنسانية والثقافية والحياتية) التي يقيم فيها، أو يقف على تخومها، أو يسعى إلى التحرّر من متاهاتها وتعرّجاتها، كون الأحداث الدرامية للأفلام الخمسة هذه تدور في أصقاع عربية وأوروبية وعالمثالثية مختلفة.

بيروت ـ نديم جرجوره: