قال تقرير جديد صادر عن البنك الدولي إن الجهود المبذولة من أجل تخفيض معدلات الفساد في البلدان الاشتراكية السابقة قد بدأت تحقق نتائج إيجابية، إلا أنه أشار إلى ضرورة مواصلة ما تتخذه تلك البلدان من إصلاحات لمنع حدوث أية انتكاسات. ويلقي هذا التقرير الصادر بعنوان مكافحة الفساد في البلدان السائرة على طريق التحوّل إلى اقتصاد السوق نظرةً مُفصلةً على بيانات مسوحات أجُريت على مستوى الشركات، ويخلص إلى أن التقدم الذي حققته هذه المنطقة في تخفيض الفساد هو عمل لا يمكن للعين أن تخطئه.
وبالرغم من ذلك، مازالت معدلات انتشار الفساد في بلدان أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي السابق أعلى من مثيلاتها في كثير من بلدان أوروبا الغربية، كما شهدت الشركات الكبيرة الحجم انخفاضاً في جرائم الرشوة يفوق بكثير الانخفاض الذي شهدته الشركات الصغيرة الحجم، علماً بأن الأخيرة تلعب، في أحوال كثيرة، دوراً محفزاً في تحقيق النمو وخلق فرص العمل.
ويعد التقرير هو الثالث في سلسلة من تقارير البنك الدولي التي تتتبّع مستويات الفساد في العلاقات بين منشآت الأعمال والإدارات الحكومية منذ عام 1999. وكما كان الحال في الإصدارين السابقين، فإنه يستند إلى استقصاء بيئة الأعمال وأداء مؤسسات الأعمال ، وهو مبادرة مُشتركة لكل من البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير والبنك الدولي. علماً بأن هذا الاستقصاء الذي يتم إجراؤه كل ثلاث سنوات،
والذي أُجري مؤخراً في عام 2005، يغطي 26 بلداً من البلدان الاشتراكية السابقة وتركيا، فضلاً عن خمسة بلدان مناظرة من أوروبا الغربية، هي: ألمانيا، واليونان، وأيرلندا، والبرتغال، وإسبانيا. وتم منذ بدء إجراء هذا الاستقصاء إجراء مقابلات مع أكثر من 20 ألف شركة.
ويقول جيمس أندرسون، أحد مؤلفي هذا التقرير والخبير الاقتصادي الأول في مكتب منطقة أوروبا وآسيا الوسطى التابع للبنك الدولي، «إن وتيرة وحجم الرشاوى التي تدفعها الشركات العاملة في معظم بلدان هذه المنطقة قد انخفضتا بصورة نسبية منذ عام 2002، كما أفادت تلك الشركات بأن الفساد لم يعد يشكل مشكلةً كبيرةً مقارنة بما كان عليه الحال في الماضي. فالفرضية الشائعة القائلة بأن الفساد يزداد سوءاً باطراد ليس لها ما يؤيدها».
وبالإضافة إلى تتبع اتجاهات الفساد السائدة، ينظر هذا التقرير إلى الأسباب التي تقف وراء التقدم الذي تحقق في بعض بلدان تلك المنطقة. ويقدم شواهد ملموسة على أن الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية قد بدأت تؤتي أكلها، حيث يسود انخفاض أكثر وضوحاً في معدلات الفساد في المجالات التي تضطلع بإصلاحات مكثفة، في حين تميل المجالات التي لم تشهد إلا قدراً أقل من الإصلاح إلى التأخر.
وشهدت إدارة الضرائب والجمارك أكثر أمثلة التقدّم المُحرز وضوحاً، حيث تتصدر البلدان السائرة على طريق التحوّل إلى اقتصاد السوق موقع الصدارة على مستوى العالم فيما يتعلق باعتماد نظم ضريبية مبسطة منخفضة أو موحدة على الدخل مع جميع الفئات بصفة عامة، ومع وجود استثناءات قليلة. وكانت استونيا أول بلد يقوم بذلك في منتصف تسعينيات القرن العشرين. كما بذلت تلك البلدان جهوداً ضخمة لتحسين الإدارة الضريبية.
ففي الجمهورية السلوفاكية، على سبيل المثال، أدى التحوّل إلى اعتماد نظام ضريبي موحد إلى تحسين تصورات الشركات بشأن النظام الضريبي بصورة ملحوظة. كما انخفضت معدلات التهرّب الضريبي، وأضحى طلب الرشاوى أقل تواتراً.
من جهة أخرى، انخفض طلب الرشاوى في الجمارك في كثير من البلدان السائرة على طريق التحوّل إلى اقتصاد السوق نتيجة للتنقيحات التي قامت بها تلك البلدان في قوانين وتشريعات الجمارك، وذلك بمساعدة الاتحاد الأوروبي، وهي تنقيحات تتفق في أحوال كثيرة مع المعايير المعمول بها في الاتحاد الأوروبي. كما استثمرت عدة بلدان في الحصول على تكنولوجيا معلومات جديدة، وانتقلت إلى اعتماد نموذج تقييم يراعي المخاطر،
مماأدى إلى تخفيض دور الصلاحيات التقديرية في اختيار البنود التي تخضع للتفتيش الفعلي. كما شهد جنوب شرق أوروبا تحسّناً ملحوظاً جزئياً بفضل مشروع تيسير التجارة والنقل في برنامج جنوب شرق أوروبا. ومن شأن هذا الجهد المتعدد البلدان، الذي يجمع بين تحديث إدارة الجمارك والإصلاح المؤسسي وزيادة الشفافية، أن يؤدي إلى تخفيض الزمن اللازم لعمليات التخليص الجمركي على الحدود وقيام موظفي الجمارك بطلب الرشاوى.
وفي المقابل، غالباً ما أغفلت تلك البلدان إصلاح الجهاز القضائي في السنوات الأولى من عملية التحوّل إلى اقتصاد السوق، وبصورة عامة، لا يبدو أن الفساد المستشري في المحاكم قد شهد أي انخفاض. وقد بدأت بلدان تلك المنطقة حالياً في التصدي لتلك المشكلة عن طريق: زيادة رواتب القضاة (كما هو الحال في كل من جورجيا وروسيا)، واعتماد نظم آلية لإدارة القضايا بغرض تحسين الكفاءة والشفافية (كرواتيا)، وملاحقة القضاة المتورطين في أعمال فساد قضائياً (الجمهورية السلوفاكية).
كما لم تشهد أنظمة المشتريات الحكومية إلا تقدّماً محدوداً. ويُعزا ذلك إلى أنه بينما قام الكثير من بلدان المنطقة بإصلاح قوانينها الخاصة بالتوريدات، فقد تم إدخال استثناءات في مشاريع القوانين الأخرى. وتعمل البلدان السائرة على طريق التحوّل إلى نظام السوق إلى زيادة المساءلة السياسية، ويشمل ذلك القوانين المتعلقة بتضارب المصالح، والمراجعة والرقابة الماليتين، وإقرارات الذمة المالية (مستوى الدخل والممتلكات).
ففي رومانيا، على سبيل المثال، أصبحت إقرارات الذمة المالية أكثر تفصيلاً، وبات بمقدور المجتمع المدني الإطلاع عليها بسهولة ويسر، وثمة جهود حالية ترمي إلى تدعيم إنفاذها بصورة رسمية. كما حقق كثير من بلدان هذه المنطقة تقدّماً في إعداد قوانين قوية لحرية المعلومات، إلا أن الحصانات المفرطة التي يتمتع بها المشرعون ـ والتي تجعل البرلمانيين فوق مستوى النقد ـ مازالت مسألة واسعة النطاق.
القيادة القوية سلاح ناجع
تقول تشريل د. غري، إحدى مؤلفي هذه الدراسة ومديرة أحد القطاعات بمكتب منطقة شرق أوروبا وآسيا الوسطى التابع للبنك الدولي، «القيادة القوية سلاح أساسي في الحرب ضد الفساد. ولدى كل بلد شهد تقدّماً ملموساً في تخفيض الفساد نصير قوي بين كبار مسؤوليه جعل من الشفافية والمساءلة أولويته القصوى». وتشير تشريل غري في ذلك إلى جورجيا، حيث استحوذت كوادر جديدة من القادة على السلطة على خلفية مكافحة الفساد، ووضعت قضية نظام الإدارة العامة على صدارة أجندة الإصلاح.
وقد تم استخدام بيانات استقصاء بيئة الأعمال وأداء مؤسسات الأعمال كذلك في إجراء تحليل متعمق لعملية إصلاح الجهاز القضائي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى. ويمكن الاطلاع على هذا التقرير وعلى كافة بيانات استقصاء بيئة الأعمال وأداء مؤسسات الأعمال على الموقع التالي على شبكة.