نشرت مجلة يوروموتي التي تعني بالشؤون الاقتصادية تحليلاً تناولت فيه الاقتصاد العالمي من جميع جوانبه، فقالت إن الولايات المتحدة تعاني من ارتفاع حجم الديون التي يعود معظمها إلى أعداء سابقين أو حاليين. فيما يزداد رجل أميركا المريض شيخوخة واعتلالاً أما أميركا اللاتينية، وأوروبا الناشئة، وآسيا، فقد انكبت على استغلال مواردها للبناء للمستقبل، وتعزيز نفوذها في العالم. ووصفت المجلة ذلك التحول، بأنه نظام مالي جديد، وأن الأسواق لن تعود إلى سابق عهدها.
فلقد ضخ ارتفاع الصادرات وأسعار النفط المرتفعة، ثروات مالية طائلة في خزائن البلدان الناشئة، خلال السنوات الأربع الماضية. وراكمت بنوكها المركزية، وصناديق ثرواتها السيادية احتياطيات كبيرة، وأصبحت من أكبر الدائنين إلى الولايات المتحدة المثقلة أصلا بالديون في تحول مذهل للنظام الاقتصادي العالمي القديم.
واليوم لم تعد البلدان الواقعة في مشاكل مالية، مضطرة للجوء إلى صندوق النقد الدولي، وما عليها سوى استجداء إحدى الدول الغنية طلباً للغوث، ففي وسع السعودية مساعدة لبنان، وفنزويلا يمكنها شطب ديون الأرجنتين، وفي وسع بلدان كالصين أو روسيا المطالبة بصندوق نقد دولي أو نادي باريس خاص بها، والذي من خلاله، تستطيع مراقبة سياسات الإنفاق، والدول قليلة النمو في أوروبا وأميركا. غير أن التحدي الأكبر، أمام تلك البلدان هو التنوع، بعيداً عن سندات الدين الحكومية الأميركية، او اليورو، ويتوجب عليها، استخدام ثرواتها للاستحواذ على أصول عقارية لاستقطاب نشاط اقتصادي أقوى ضمن حدودها، بأسرع وقت ممكن.
وفي هذا السياق لم يكن ندرو روزانوف، كبير المديرين في مجموعة المؤسسات الرسمية في ستيت ستريت غلوبال أد فايزرنو، مازحاً عندما حدد الخطوط العريضة لنادي مقرضي الأسواق الناشئة السياديين وهو شبيه بنادي باريس أو صندوق نقد دولي مهمته مراقبة السياسات المالية للدول المقرضة، في الاقتصادات القديمة للعالم المتطور. وقال باعتبارها مالكة ومشترية محتملة للمطالب المالية والعقارات في دول السبع الكبار، فإن الدول المقرضة، تتمتع باهتمام مشترك للتأكد من اتباع الدول السبع الكبار سياسات عاقلة ومنطقية لضمان قيمتها وجودتها.
وأضاف: ان أي إجراء على سبيل المثال، تقوم به دولة مقرضة، كي تحدد بصورة مفاجئة وحادة، الملكية الأجنبية لصناعات استراتيجية معينة أو تتفادى أي مسؤولية خارجية كبيرة سيكون موضوعاً طبيعياً للقلق والنقاش في مثل ذلك المنتدى، وبطبيعة الحال. أن منطق هذا القول، هدفه أن يكون استفزازيا لأن كبرى الدول المقرضة في العالم، وهي الولايات المتحدة أظهرت تصميماً قوياً لتحديد الملكية الأجنبية للصناعات الاستراتيجية مثل شركات النفط والموانئ.
لا بأس أن يستثمر المصدرون الآسيويون، ومنتجو البترول في الشرق الأوسط احتياطاتهم، وفائض ثروتهم في سندات الخزينة الأميركية طويلة الأجل، منخفضة العائد، غير أنها مدعوة لمحاولة شراء أصول عقارية أو ربما شركات كاملة، ولكن في أسواق رأسمالية عالمية يفترض بأنها مفتوحة، فإن الثروة المالية الطائلة التي تتجمع الآن في الأسواق الناشئة، قد تجد صعوبة في احتوائها.
فأين تذهب أموال النفط؟ سؤال تسهل الإجابة عليه، كما يقول ستيفن برايس، الرئيس الاقليمي للدراسات لشؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا في ستاندارد تشارترد إن في وسعها التوجه إلى أي مكان وهذا يشمل أسواقاً مالية محلية واستثمارات خارجية، بما فيها العقارات وشركات الملكية الخاصة.
فائض النفط
ولفتت المجلة إلى أن ثمة صعوبة في تعقب فائض النفط الحكومي لأن مديري صناديق الثروة السيادية مقارنة بمديري البنوك المركزية أكثر خضوعاً للمراقبة والتنظيم. ويقومون بتشغيل حجم كبير من استثماراتهم عن طريق طرف ثالث ومن جهة أخرى فقد اكتسبت الأسواق الناشئة ثقة كبيرة في النفس فبالرغم من الفشل الذي منيت به الصينية خدد، في شراء يونوكال بدلا من شيفرون، فإن وقوفها أمام شركة نفطية اميركية كبيرة في منافسة شرسة، نظير إصدار جديد، نابع من أكثر من مجرد نمو سوقي محلي مضطرد.
ولقد أعرب مديرو احتياطيات البنوك الآسيوية وسدنة الأصول في الصناديق السيادية لمصدري النفط عن قلق واسع إزاء المخاطر المباشرة، المحدقة بقيمة مقتنياتهم من سندات الخزانة الأميركية والمتمثلة في انهيار الدولار. وقد تنامى هذا الشعور المقلق على مدى ثلاث سنوات، منذ اجتماعات صندوق النقد الدولي في دبي.
تراكمات الثروة
تراكمت ثروة الدول المصدرة للنفط، بسرعة كبيرة منذ بداية ارتفاع أسعار النفط الحادة في عام 2002. وفي عام 2005، أدركت تلك الدول، أن أسعار النفط المرتفعة، وضعتها في تحد جديد متوسط الأمد، متمثلاً في كيفية إنفاق تلك الثروة. وفي المقابل فإن احتياطيات المصدرين الآسيويين كانت تتراكم قبل ذلك بوقت وتحديدا منذ أزمة 1998، وكضمان لأزمات قادمة، وقد تحولت مؤخراً إلى فائض، وفي شهر مارس من عام2005، بين بن بيرنانكه، المدرك بحنكته آنذاك، لمصاعب الموافقة السياسية على خلافته لألان غرين سبان،
كرئيس لمجلس النقد الاحتياطي الفيدرالي، لتفسيره المرضي للعجوزات الأميركية، باعتبارها حاضناً للفوائض العالمية الاحتياطية والآسيوية منها خصوصا. ولقد ساهمت الأسواق الناشئة والدول المصدرة للنفط، في تمويل أكثر من 65 في المئة من الإقراض العالمي الصافي للولايات المتحدة.
قوى إقتصادية
النظام العالمي القديم، الذي كانت فيه الدول المتقدمة التي تمتاز بانخفاض نسب التضخم فيها، بتوزيع ثرواتها، من خلال الاستثمار الأجنبي المباشر، والقروض واستثمار السندات في الأسواق الناشئة سريعة النمو، انقلب رأساً على عقب. ففي مستهل هذا العقد، كان الإصلاحيون الاقتصاديون، الذين يوجهون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يصيغون خطة إصلاح اقتصادي، مصممة للارتفاع بالاقتصاد الروسي، على المدى المتوسط، إلى النقطة التي يوازي في حجمه الاقتصاد البرتغالي، أفقر البلدان في منطقة اليورو.
ولقد قام ارتفاع أسعار النفط بالمهمة خير قيام وفي أقصر الطرق. فجأة أصبحت روسيا الاقتصاد العاشر على المستوى العالمي، على أساس تعادل القوة الشرائية، وتمتلك فائضاً تجارياً وصل إلى 120 مليار دولار، وفائضاً في الميزانية بلغ 5 ,7 في المئة من الناتج الإجمالي المحلي، ووصلت الاحتياطيات العالمية إلى 245 مليار دولار بالإضافة إلى 70 مليار دولار أخرى، أودعت احتياطاً في صندوق استقرار النفط عكفت على سداد ديونها، واكتسبت مرتبة التصنيف الاستثماري.
وأصبحت شركاتها مضرب الأمثال من حيث النمو، فقد نمت الرسملة السوقية لـ «غاز بروم» من 80 مليار دولار منذ 18 شهراً إلى 250 مليار دولار. بعد أن كانت منذ خمس سنوات 20 مليار دولار. وتعتبر اليوم واحدة من أكبر الشركات في العالم. وعندما جرى تقويم روزنفت، في بورصة لندن، في يوليو من هذا العام، في أكبر خامس إصدار أولي عام في التاريخ وبالرغم من الدعاوى القضائية والاحتياجات إلى هيئة الخدمات المالية وبورصة لندن، حول استحواذ الشركة الحكومية على أصول يوكوس، فإن كثيراً من المستثمرين مازالوا يجدون الأسباب لدفع أغلى الأثمان للمساهمة في غازبروم.
البحث عن الذات
لم يقتصر الأمر على خبراء الاقتصاد الكلي وصناع السياسة، الذين تهافتوا لتبني النظام الاقتصادي العالمي الجديد، الذي ظهر فجأة بعيد تفجر فقاعة الأسهم التكنولوجية، وانهيار «انرون» وهجمات الحادي عشر من سبتمبر، وما يسمى الحرب على الإرهاب، ولقد تحدث مايكل كلين، الرئيس التنفيذي للصيرفة العالمية، والصيرفة التجارية والبنكية في سيتي غروب.، باستفاضة عن التحول الواسع في الثروة المالية من الدول المتقدمة إلى الدول النامية، وحاجة البنوك العالمية كبنكه، إلى بذل جهود متجددة وجذرية لمواكبة ذلك التحول.
تشجيع الاستثمارات في الأسواق الناشئة
يطالب الخبراء بضرورة حل المشكل عن طريق القيام باستثمارات ضخمة في الأسواق الناشئة، ولابد من التفكير في وضع المزيد من الأشخاص والرساميل والإقراض، والدراسات، والبنى الأساسية التجارية في شنغهاي، وموسكو، والخليج والهند، بالإضافة إلى سنغافورة، وهونغ كونغ، كما لابد من توجيه البنية التحتية برمتها.
وتهيئة طواقم العمل، وإطلاعهم على ضرورة التعرف على القادة، والشركات الخاصة الجديدة، وكيانات القطاع العام الجديدة، الناشئة، باعتبارها مشاركة في الأسواق المالية العالمية، كما لابد من إعادة صياغة القرارات الرئيسية الخاصة بالاستثمارات الخاصة الناظمة للسوق، والإستراتيجية التجارية المغيرة للصناعات، فهذه العناصر لم تعد تنحصر في نيويورك ولندن وهونغ كونغ وإنما في مواقع جديدة في أرجاء المعمورة. وكانت 5 في المئة من أكبر ألف شركة عالمية في عام 2000، أسماء تجارية ناشئة، أصبحت الآن 13 في المئة وبحلول 2010، ستتجاوز النسبة 20 في المئة.
