دافع الكتابة عن هذه القضية القديمة الجديدة مشروعي «جميرا بيتش رزيدنس» و«دبي مارينا» السكنيين في دبي وما قد يواجهانه من ازمة حقيقية بسبب ازمة مرور متوقعة ولكن قبل الخوض في المشكلة وصولا للحل دعونا نبدأ من منظر «ارتال» مئات المركبات وهي تتحرك ببطء شديد على شارع يخيل لك بأنه مفروش بـ «البيض» ويخشى الجميع عليه من الكسر لو مشى بسرعة،

بات مشهدا إجباريا في دبي ولن يتغير ريثما تنتهي الدوائر المعنية من انفاق نحو 4 مليارات جديدة على شبكة الطرق التي سبق وان كلفت الحكومة فيما مضى نحو 1 ,9 مليارات درهم، وسيتركز الإنفاق الجديد (وهو استثمار بحد ذاته) على إنشاء طريق جديد مواز لشارع الشيخ زايد يصل ابوظبي مع الشارقة مرورا بدبي من دون الدخول الى الطرق المزدحمة، وإضافة مسارات جديدة لطريق الإمارات الذي يشهد ازدحاما منذ افتتاح القرية العالمية، وللذين يستخدمون الطريق بشكل يومي بين دبي والشارقة،

ومن ضمن تلك المخططات تطوير شارع الشيخ زايد. وبالطبع فان تلك المليارات الأربعة ليست ضمن الـ 13 مليار درهم التي سيتكلفها مشروع «المترو» الذي يتوقع ان ينقل يومياً نحو مليون شخص، ليرتفع حجم الإنفاق على قضية السير في المدينة الى 15 مليار درهم، ومن ضمن الحلول التي تتناولها الصحف عن لسان المسؤولين للقضاء على الاختناق المروري الذي تعاني منه دبي مشروع إنشاء طريق سريع معلق من وسط ديرة دبي الى حدود إمارة أبوظبي بحدود 60 كيلومتراً،

ودراسة إنشاء جسر علوي من ثلاثة مسارات في اتجاهين ارتفاعه 7 أمتار يربط بين جسري المكتوم والقرهود بدبي إلى حدود أبوظبي بطول 60 كيلومتراً، ويسير فوق طريق الشيخ زايد كخط سريع من دون توقف عبر المدينة، وسوف يدفع السائقون رسوما لاستخدامه. فقبل نحو سنتين، قامت لندن باستيفاء رسم 5 جنيهات يومياً باسم «رسم ازدحام لندن»، ويبدو أن العديد من المدن سوف تحذو حذوها.

واستناداً لجريدة الأوبزيرفر، فإن 26 من أصل 34 مدينة في 15 دولة أوروبية قد أظهرت دعماً كبيراً لفرض أحد أشكال الرسوم. وفي 11 دولة في أميركا اللاتينية، أظهرت 47% من المدن دعماً كبيراً، وقالت 40% من المدن انها تفكر في الأمر.

ضريبة

بالطبع فان جلوس دبي في «مقاعد الدرجة الأولى» على متن الرحلة المتوجهة الى «العالمية» يرتب عليها مجموعة تحديات أبرزها غلاء المعيشة، لكن غلاء المعيشة هذا لم يقف حائلا أمام حصول الآلاف حتى من أصحاب الدخول المتدنية على سيارة لان الأخيرة هي ابسط ما توفره لك المدينة لتدفع الأخيرة لاحقا ثمنا باهظا متمثلا بازدحام مروري فتضيع جاذبيتها الاستثمارية ودفع بالكثير من الشركات العالمية الى التفكير مليا قبل الانتقال اليها.!!

ومع ان الكثيرين اشبعوا هذه القضية نقاشا وجدلا الا اننا على ما يبدو امام تحد آخر يتمثل بالمشاريع العقارية التي يجري تشييدها الان دون ان يظهر بأنها ستتلافى هذه المشكلة لاسيما ونحن نرى بان أعمال الطرق طالما تشهد تغييرا في مساراتها

لان المعنيين اكتشفوا لاحقا بأن هناك مشروعا سيشيد هنا ثم يقوموا بإلغاء طرق هناك وسرعان ما يعودون لمدها لانهم هذه المرة اكتشفوا بان هناك مشروعا اخر سيشيد هنا لتظهر على السطح عبارة مفادها «بان التنسيق غائب تماما بين تلك الجهات»!! وحتى لا نلعن الظلام سنوقد شمعة ولأهل القرار ان يأخذوا بها او يديروا لها ظهورهم.

بالأرقام

تشير الإحصائيات السكانية لمدينة دبي أن عدد سكانها يصل الى 2 ,1 مليون نسمة (بعد ان بلغ 000 ,183 نسمة عام 1970) وينتظر للعدد أن ينمو بنسبة 4 ,6% ليصل إلى 3 ملايين إنسان عام 2017، وتستقبل نحو 6 ملايين سائح سنويا، فيما يصل عدد المركبات الحالية التي تجوب شوارع دبي الى أكثر من مليون مركبة تقوم بأكثر من 3 ملايين رحلة يومياً، (منها اكثر من 465 ألف مركبة الآن مسجلة،

إضافة إلى 5 الاف سيارة أجرة) وبمعدل فاق 10% سنوياً وبينما يتزايد عدد المركبات باستمرار، تتفاقم ازمة الازدحام المروري لتبقى مشكلة يواجهها سكانها خلال الفترة القادمة، هذا غير عدد كبير من المركبات لسكان الإمارات المجاورة ممن يعملون في دبي،

ومن المتوقع أن يستمر النمو على هذا النحو، فيما تشير التوقعات بان عدد السكان سيصل نحو 4 ملايين شخص، وعدد السياح 20 مليوناً في عام 2020م. وتتوقع الأمم المتحدة أن يكون هناك 23 مدينة (بينها دبي) أو ضاحية كبرى يبلغ عدد سكانها أكثر من 10 ملايين نسمة حول العالم بحلول العام 2015.

لكن لماذا لا نريد ان نقتنع بان هناك حدوداً لعدد الطرق الجديدة التي يمكنك تشييدها فلمواجهة تزايد حركة الانتقال خلال العقود الثلاثة الماضية بنت البلدية طرقات يصل طولها محسوباً بالمجرى الواحد إلى 100 ,9 كم بتكلفة 4 ,8 مليارات درهم،

والإمارة لا تستطيع المضي في توسيع شبكة طرقاتها دون توقف.ونظام نقل حديث بالقطارات ليس فقط ضرورياً لمواجهة ازدياد عدد سكان الإمارة، لكنه أيضاً سيضع دبي على قدم المساواة مع كبريات مدن العالم الأخرى مثل لندن وهونغ كونغ وباريس، فضلاً عما سيضفيه على مكانة المدينة في الشرق الأوسط.

المشكلة

إزاء المشهد الذي رسمته الكلمات دعونا نتخيل ما يمكن ان يحدث في قلب ومحيط مشروعي «جميرا بيتش رزيدنس» و«دبي مارينا» السكنيين في دبي وما قد يواجهانه من أزمة حقيقية بسبب كل ما ذكرته، فالمشروعان على وشك الاكتمال فمن جهة هناك جميرا بيتش رزيدنس ويتكون من نحو 7000 شقة يقابلها 15000 مركبة يملكها سكان المشروع

ومن جهة أخرى هناك مشروع دبي مارينا الذي يتوقع ان يضم نحو 30000 شقة يقابلها 60000 مركبة ما يعني ان المشروعين المتلاصقين سيشهدان تحرك نحو 75000 مركبة يوميا منها واليها وتخيلوا اي طرق يمكنها ان تتحمل هذا الزخم في تلك المنطقة التي غاب عن ذهن المخططين فيها ان يشيدوا فيها مركزا صحيا او مستشفى او حتى مركزا للشرطة!!

المهم ما يرفع احتمالات ان يواجه المشروعان من الناحية التخطيطية مشاكل على صعيد السير والمرور يكمن في إنهما مخصصان للسكن ما يعني ان السكان في هذه المنطقة سيتحركون في اتجاه واحد وبشكل جماعي كما يحدث في مشاريع جاردنز وتلال الإمارات.

الحل

برأيي المتواضع ان الحل يكمن في ان يصدر قرار بشكل او بآخر بتحويل نصف المشروع الى الاستخدام التجاري اي يتم تخصيص نسبة 50% للمكاتب والشركات ويمكن ان يقفز الى الأذهان مباشرة حجم المكاسب التي يمكن ان نجنيها وتتركز في ان حركة السير في هذين المشروعين ستكون بالاتجاهين وليس باتجاه واحد وبتوقيتين وليس بتوقيت واحد وبالطبع فان تحويل نسبة المشروع الى «تجاري» ليس بالأمر الصعب أو المستحيل

لان الحاجة التي فرضت على أصحاب المباني في شارع الشيخ زايد تحويل مبانيهم من سكني الى تجاري هي الحاجة نفسها التي تواجهنا في هذين المشروعين. على إننا نشدد هنا على ضرورة ان يتم تحويل تلك النسبة من المشروعين الى الاستخدام التجاري لمدة ربما لا تزيد على 5 سنوات

ريثما تكون طرق المدينة ومساربها باتت على مقدرة اكبر على استيعاب حركة المرور بمرونة عالية.... ربما من المناسب ان نفكر بتطبيق هذا الحل او غيره قبل ان «تسقط فاس الزحام المروري على رأس المشاريع العقارية الجديدة».

تخطيط المدن

يخضع تخطيط المدن سواء المدن الخاضعة للتوسع أو المدن الجديدة لمنهج تنظيمي عام حدده (لو كوربوزيه ) برسوم وأنظمة تحدد المبادئ والطرق لإعادة صهر التجمعات ونموها ضمن المدن مع المحافظة على الثروة التاريخية والطبيعية ومبينا الأماكن التي يجب أن تزال وهو لا يحتوي على تفاصيل معمارية ولكنه يحدد المعالم المعمارية. كما أنه يحدد المباديء والتوجيهات العامة

وعلى هذا يكون المخطط وما يحويه من معلومات له صفة التوجيه وليس صفة التنفيذ وبذا يكون قد ترك للمخطط التوجيهي حرية خصوصية كل مدينة . الا أنها تبقى مشمولة بالتصنيفات التي وضعها . والمخطط التنظيمي يلحظ الحقبة الزمنية التي يمكن التنبؤ بها وهي عادة ما تكون عشرين عاما. وقدتكون هناك تطورات خارج دائرة الحسبان والتوقعات لذا يحسب للمخطط أن يكون مرنا ليحقق متطلبات التغيير الطارئة .

ولا بد من أن يلحظ المخطط ما يلي :

- المناطق السكنية والكثافة السكانية فيها.

- مناطق العمل وتوزيعها.

- مواقع المرافق العامة وتجهيزاتها.

- مواقع المناطق الأثرية ومواقع الأبنية الموضوعة تحت الحماية ومناطق الحماية الطبيعية.

- مواقع الحدائق والساحات العامة والمتنزهات.

- مواقع شبكة الطرق والمطارات (المرافيء .الطرق النهرية محطات القطارات).

هناك عدة عوامل تتبادل التأثير فيما بينها. منها ما هو اقتصادي و منها ما هو جغرافي أو بيئي أو اجتماعي أو تاريخي وغيرها وهذه العوامل تتطور زمانيا ومكانيا وتأثيرها متبادل فيما بينها ولذا يضعها مهندس التخطيط وفريق عمله في الحسبان ولعل أفضل المخططات هو الذي تستطيع المدينة تنفيذه .

إن مدينة اليوم هي امتداد لمدينة الماضي. لذا تكون مدينة المستقبل امتداداً لهما وقد بدأ الاهتمام الفعلي بتخطيط المدن العربية في خمسينات القرن المنصرم .وقد تعاقدت الأمم المتحدة مع الدكتور سيد كريم الحاصل على درجة الماجستير والدكتوراه من جامعة زيوريخ في تخطيط المدن على تخطيط مدن العالم العربي في كل من السعودية والأردن والكويت والجزائر والمغرب وذلك في العام 1956 . وقد خطط مدينة بغداد الجديدة ودمشق الجديدة.

وخليجيا كانت جدة هي البداية وقد راعى في تخطيطها الجدول الزمني الخمسيني أي وضع المدينة بعد خمسين عاما ، أما مدينة أبو ظبي فعندما بدأ بتخطيطها وذلك في العام 1968 لم يكن بها فنادق أو طرق معبدة أو عمارات حديثة وقد راعى في تخطيطها شبكة طرق حديثة وعريضة ذات مواصفات عالمية مع خصوصية البيئة والتطور الذي بدأ ت رياحه تهب على المنطقة .

وفي العام 1985 افتتحت حديقة المطار الجديد بمساحة 25 هكتاراً بهندسة رائعة شملت خدمات منظورة إلى جانب الإشغالات الزراعية التزيينية من أشجار ومساحات خضراء ومساحات مائية ويعتبر شارع المطار القديم مفخرة حضارية بالتزيينات الزراعية على جانبيه من أشجار وورود بتنسيقات ساحرة وفوا رات مائيه صناعية

وبحيرات والأراضي المزروعة في أبو ظبي بلغت 400ألف هكتار علاوة على ما يقارب المليون شجرة . وهذا ما ميز مدينة أبو ظبي بكثرة المساحات الخضراء والبحيرات الصناعية والنوافير وانتقلت كا لحلم من مدينة صحراوية إلى مدينة مزدهرة تنافس أجمل مدن العالم.

management@diamond-investments.ae