تقف الولايات المتحدة وبقية دول العالم المتقدم الغنية على شفير مشكلة اقتصادية عويصة، فخلال العقدين المقبلين سيخرج ملايين من أبناء طفرة، المواليد الذين ولدوا عقب الحرب العالمية الثانية في أميركا وأوروبا واليابان، من قوة العمل نتيجة تقدم العمر.ويتوقع الكثير من هؤلاء تقاعداً مريحاً من المعاشات من الشركات الخاصة والرعاية الطبية المدعومة من الحكومة.
غير أنه إذا لم تستغل هذه الدول التغيرات السكانية والاقتصادية الجذرية الواقعة حالياً سوف يجد هؤلاء حياتهم أكثر صعوبة بل وفقراً، وذلاً من تقاعد مريح سوف يتعرض الكثير من أبناء طفرة المواليد لإحباط من إخفاق البرامج الاجتماعية الحكومية وانخفاض قيمة الأصول الذي يستنزف مدخراتهم، ولا يقوم هذا التوقع، كما يقول أستاذ للتمويل في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا لصحيفة وول ستريت جورنال،
على التخمين بل على حقائق فعلية، ويفسر ذلك بقوله إن الجميع يدرك عدد الذين سيصلون إلى نسبة 20 سنة والذين سيصلون إلى 65 سنة أي سن التقاعد، خلال العقدين المقبلين، فقد قال بيتر دروكر أستاذ الإدارة من قبل ان علم السكان هو التاريخ الذي حدث بالفعل.
التغيرات الديموغرافية قدر
توضح أحدث بيانات اللجنة الديموغرافية التابعة للأمم المتحدة كيف سيهرم سكان الدول المتقدمة وكان هناك سبعة أفراد في سن العمل مقابل كل متقاعد في أميركا عام 1950، والآن هناك خمسة في سن العمل لكل متقاعد، لكن بحلول 2030 سيصل هذا إلى شخص ونصف الشخص في سن العمل لكل متقاعد، أي أقل من اثنين إلى واحد.
والشيخوخة في أوروبا واليابان أكثر حدة، منها في أميركا، وبحلول منتصف القرن الحالي ستصل نسبة الذين في الفئة العمرية 20 ـ 65 سنة (القادرين على العمل) إلى المتقاعدين واحد إلى واحد فقط.وفي ذاك الوقت سيكون غالبية السكان في سن 75 ـ 80 سنة، وسيحدث نفس الشيء في ايطاليا واسبانيا اليونان ودول أوروبية أخرى،
وسترفع مطالب المتقاعدين من أوروبا واليابان أسعار السلع التي تشتري وتباع في الأسواق العالمية. ولذلك لن تستطيع أميركا حماية نفسها من ارتفاع مطالب المسنين في دول أخرى، رغم أن سكانها أكثر شباباً.
إفلاس الحكومة
رغم أنه من المعروف أن التطورات الديموغرافية تهدد برامج الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي فهناك كثيرون يعتقدون أنهم راكموا ثروات خاصة كافية لتمويل تقاعدهم غير أن الأمر لن يكون كذلك، فالمشكلة التي تصيب برامج المعاشات العامة يمكن أن تصيب براج الشركات الخاصة للمعاشات أيضاً.
لأنه لن يكون هناك عاملون بكمية كافية لتحقيق دخل لن يكون هناك مدخرات كافية لشراء أصول يجب أن يبيعها المتقاعدون لتمويل معاشاتهم ولا يستطيع المتقاعدون تمويل مدخراتهم إلى إنفاق استهلاكي لأن الثروة تتحول إلى سلع وخدمات فقط إذا بيعت للراغبين في الإنفاق،
وفي الاقتصاد الحديث لا تمثل الثروة إنفاقاً مدخراً فلا يمكن أن تستهلك الأسهم لكن لابد من بيعها أولاً لشخص يريد أن يسيلها لإنفاق ثمنها في وقت لاحق. وإذا لم يكن هناك مدخرون بأعداد كافية يسبب ذلك متاعب للسوق والأسهم والسندات والعقارات
بحيث لا يكون هناك أصول كافية ليستمتع المتقاعدون بمعاشاتهم وهناك من يعتقدون أن بعض الثروة في الأسهم تتحول بشكل لا يؤثر عليه الطلب من العمالة المستقبلية لكن الورثة الذين يرثون هذه الأموال غالباً ينفقون ثروتهم أسرع من الذين ادخروها،
ويتطلب هذا الإنفاق غالباً بيع كميات كبيرة من الأسهم.الأكثر من ذلك أن حسابات البنوك الضخمة والسندات والأوراق المالية الأخرى التي ينبغي تسييلها لتمويل المعاشات قد ترفع بشدة أسعار الفائدة وتخفض أسعار الأسهم.
عكس الاتجاه
انخفاض أسعار الأصول هو سبب واحد يبرر الاتجاه طويل المدى بأن التقاعد سوف يتغيرر فعندما صدر قانون الضمان الاجتماعي عام 1935 كان متوسط عمر التقاعد 69 سنة لكن هذا الرقم انخفض إلى 67 سنة عام 1950 ثم إلى 62 سنة حالياً، واختار الأميركيون في عام 2003 لأول مرة قبول مزايا اجتماعية أقل عند عمر 82 سنة من المزايا الكاملة للتقاعد عند عمر 65 سنة،
برغم تحسن مستوى الصحة تفيد الدراسات أن غالبية الأميركيين والأوروبيين يريدون التقاعد المبكر، وليس المتأخر، ويقول أستاذ التمويل بجامعة بنسلفانيا انه لابد من رفع سن التقاعد 10 سنوات أو أكثر لإنتاج سلع وخدمات لتمويل معاشات التقاعد، لأن سن السكان يرتفع وسيفوق هذا الارتفاع الزيادة المتوقعة في طول الحياة ويؤدي إلى تخفيض كبير في عدد سنوات التقاعد.
الحل العالمي
ليس هناك حل سهل لهذه المشكلة، فإن ارتفاع الإنتاجية يؤدي إلى ارتفاع الدخل، لكنه يعود بفوائد اجتماعية أكبر للمتقاعدين أيضاً على أساس الدخل، وهجرة العمالة مرتفعة الدخل ستخفض من حدة الوضع لكن أعداداً اكبر من العاملين سوف تضغط لخفض سن التقاعد.
وهناك حل لمساعدة الدول المتقدمة فالدول النامية لديها عمالة شابة بأعداد أكبر من الأولى وهذا الاختلاف في العمر يشكل فرصة للمقايضة والسلع، التي تنتجها العمالة الشابة في الدول النامية يمكن مقايضتها بأصول الدول المتقدمة، وهذه المقايضة ليست جديدة، فإن تحويل السلع إلى أصول يحدث على مدى التاريخ،
أولاً، بين أفراد العائلة (الآباء يدعمون الأبناء مقابل الرعاية عندما يكبرون في العمر) ثم يتحول ذلك إلى الجماعات والقبائل والمجتمعات ثم إلى دول بكاملها، ويمكن أن يحدث ذلك على أساس علمي، فالعالم النامي لديه القدرة على امتداد الدول المتقدمة بالسلع مقابل الحصول على الأصول وملء الفراغ الذي تتركه العمالة كبيرة، السن.
ويعتمد هذا الحل الذي سماه أستاذ التمويل «الحل الدولي لموجة ارتفاع السن» على تدفقات مالية عالمية فعالة وتوضح دراساته أن تدفق السلع والخدمات المنتجة في الخارج مقابل الأصول يمكن أن يكون له تأثير فعال وينخفض سن التقاعد في أميركا من 70 إلى 60 سنة.
ويقول الباحث لا يمكن الهرب من هذا المصير لكن يمكن اتخاذ خطوات لمستقبل أفضل للمتقاعدين وتكامل اقتصادات وأسواق مال العالم هو مفتاح المستقبل المشرق، وإذا تجاهلت الدول المتقدمة ذلك، سوف يكون مستقبلها أقل بهاء من ماضيها.
ترجمة ـ أشرف رفيق
