قال محللون إن الحكومة الصينية دأبت على وضع عراقيل جديدة أمام المستثمرين الأجانب، في الآونة الأخيرة، بما في ذلك فرض رقابة مشددة على الاندماجات المدعومة خارجياً، ورسم خطوط مقترحة في حقول تمتد من الصيرفة إلى تجارة التجزئة وصولاً إلى الصناعات التحويلية، ولا يمكن الاعتداد بهذا الاتجاه باعتباره موجة شبيهة بالمشاعر الشعبية المعادية للأجانب، التي عمت في أعقاب قصف السفارة الصينية في بلغراد عام 1999،
بقدر ما هي انهماك الحكومة المتصاعد في مساعدة الصين لتوسع شركاتها المحلية على النطاق العالمي، والقضايا الاجتماعية الملحة كالفقر، والتمايز في توزيع الثروات، ويصر كبار القادة على أن الصين التي تشهد نمواً متسارعاً، وأكبر متلق في العالم للاستثمارات الأجنبية لسنوات عدة متتالية، ليست في وارد إغلاق اقتصادها، إلا أن القيود الجديدة، تثير بوجه خاص الفزع في أوساط الشركات الأجنبية.
كونها ليست نابعة من اتجاه مؤقت لمعاقبة الاستثمارات الأجنبية، وإنما من تحول واسع النطاق في الأولويات الصينية. ولقد عمدت الشركات المحلية الضخمة والتي صعد بعضها من جهوده للتوسع الخارجي، إلى اغتنام الفرصة للمضي قدماً في تحركاتها، آملة في تعزيز قوتها في مواجهة المنافسين الخارجيين.
ففي مجال إنتاج السيارات، على سبيل المثال، وهو حقل طالما هيمنت عليه الشركات الأجنبية، العاملة من خلال مشاريع مشتركة فإن الحكومة قالت في شهر مارس، إنها لن توافق على أي توسعات جديدة في الطاقة الانتاجية، ما لم تنصع الشركات للمتطلبات الجديدة التي لم تحدد بعد.
لتصنيع الطرز المحلية، ودعم التطور الانتاجي المحلي، ومن شأن هذه السياسة، إعطاء دفعة لشركات مثل شنغهاي أو توموتيف أند ستري كورب، التي تمتلك منذ زمن طويل مشاريع مشتركة مع جنرال موتورز وفولكسفاغن، وتقول الآن انها ترغب في تصنيع السيارات تحت اسمها وتحدي العلامات التجارية الكبيرة لقاء حصة من السوق وإلى ذلك،
قال هنري وانغ المحامي لدى جء رايبر رونديك غري كاري في شنغهاي، إنه من صيرورة الشركات الصينية المحلية أكثر تنافسية، فإنها أصبحت أكثر تصميما على استخدام السبل كافة المتاحة لديها، للمحافظة على مواقعها. مضيفا أنها أخذت تستخدم مزيجا من الإعلام والدعم الحكومي.
ومن الأمثلة الأخرى، قانون إجرائي يحدد توسع منافذ مبيعات التجزئة الكبرى، والذي جاء نتيجة لضغوط مكثفة مارسها تجار التجزئة الصينيون، وفقاً لمصادر عليمة ومن شأن القانون، في حال إقراره، أن يضع شركات أجنبية مثل متاجر وول مارت وكارفور في وضع مزر لا تحسد عليه.
ومن شأن مجموعة أخرى من القوانين، صدرت في شهر يوليو، أن تضع عراقيل أمام الشركات الأجنبية العاملة في مجال الانترنت، في حين ستجعل مشاريع قوانين مصرفية ناظمة وزعت في شهر أغسطس، جهود البنوك الأجنبية لتوسعة أعمالها المصرفية للأفراد أكثر صعوبة.
والصين تسمح في هذه الأثناء للاستثمارات الأجنبية بالتنافس في أسواقها المحلية إلى حد لا تضاهيها فيه الدول النامية. ومنذ انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، عمدت الصين إلى إزالة كثير من حوافزها السابقة لدخول الشركات الأجنبية،
وتعمل في الصين نحو 280 ألف شركة مدعومة بمستثمرين أجانب تمارس أنواع التجارة كل من تسليم الطرود إلى تصنيع السيارات وبيع معاجين الأسنان، ولكن وفيما تسعى الصين، لاجتذاب أحجام مختلفة من الاستثمارات الأجنبية في حدود 60 مليار دولار سنويا فإن تلك التدفقات زادت خلال العامين الماضين ومن المتوقع ان تزداد أكثر ما لم تبرز إلى الوجود فرص استثمارية جديدة.
ولقد خلق الانعطاف الحكومي الداخلي، تساؤلات محيرة، حول انفتاح الصين في وقت محوري، فثمة مخاوف متزايدة من تباطؤ خطى إصلاحات الانفتاح السوقي، بصورة كبيرة، أو التوقف بعد استكمال الصين لمعظم التزاماتها تجاه منظمة التجارة العالمية نهاية العام.
ومن جهته، قال فرانك لافين، وكيل وزارة التجارة لشؤون التجارة الدولية، ان الدعوات الأخيرة لتحديد الاستثمارات الأجنبية تمثل اتجاهاً مثيراً للقلق، مضيفا بأن القادة الصينيين، يمكن ان يكونوا فقدوا الشهية لمزيد من الاصلاحات، التي تفيد التجارة الأجنبية، في حين قالت سوزان شواب، الممثلة التجارية الأميركية، انها تراقب عن كثب أية مؤشرات على تحولات جذرية تجاه التأميم الاقتصادي في الصين.
ومن شأن هذه المشاعر ان تضع عراقيل جديدة أمام الشركات الأجنبية المعنية باستملاك التجارات الصينية. ناهيك عن أن اتحاد الصناعة الصيني، يعارض علانية أي اتفاق مبدئي من قبل شيفلر غروب الألمانية لشراء ليوانغ بيرنغ غروب إحدى كبريات الشركات المحلية في قطاعها.
وفي شهر أغسطس، سأل اتحاد الاسمنت الصيني الحكومة لاسترجاع أية استحواذات أجنبية لشركات الاسمنت المحلية التي تجاوزت مئة مليون دولار في حجمها، هذا بالإضافة إلى أن شركات تصنيع الصويا، أخذت تشهد أياماً مضيئة مع مطالبة مجموعات الضغط لحظر الوجود الأجنبي القوي في الاقتصاد.
وبالرغم من أن تلك الشركات لم تقطف ثماراً، إلا أن هناك حالات على ضلوع مجموعات صناعية محلية، بصورة مباشرة في صنع السياسة. ومن الأمثلة على ذلك، وبعد نشر الحكومة وثيقة في شهر يونيو، تعلن فيها أن صناعة الآلات والمعدات الثقيلة هي دعامة الاقتصاد الوطني، وأنها ستتلقى دعماً خاصاً، فإن اتحاد صناعة المعدات الصيني، عمل إلى جانب الحكومة على صياغة سياسات معينة،
كان أكثر اشتراطاتها تشدداً، توفير مراقبة أشد على أي استحواذات أجنبية الطابع ولقد ساهمت السياسة الجديدة في أجواء الشك المحيطة بمساعي شركة الاستثمارات الخاصة مجموعة كارلايل، لشراء صانعة معدات البناء خوونغ غروب، التي ظلت المصادقة عليها معلقة شهوراً عدة وعلى هذا الصعيد،
قالت اليزابث نوب، العضو المنتدب في كامسكي آسوسييتس، شركة الاستشارات التي تتخذ من بكين مقراً لها، ان ثمة شعوراً قاطعاً بأن الفرص الاستثمارية تتقلص بصورة متزايدة، وأن هناك صعوبات أكثر من ذي قبل ولا ريب، أن تلك الجهود التنظيمية لم تكن حسنة التنسيق، الأمر الذي يوحي بأن استجابات الحكومة كانت خاضعة لحالات فردية، بدلاً من اتباع أجندة عريضة لتحديد الأنشطة التجارية الأجنبية.
وعلى صعيد متصل، قال وانغ زيل، مدير مركز الدراسات في ترانسنا شونال كوربوريشنز، وهي هيئة تقدم المشورة للحكومة المركزية، إن الشركات الأجنبية ليست بحاجة للقلق بخصوص تراجع الصين، مضيفاً ان الدعوات لتقييد الاستثمارات الأجنبية لا تمثل اتجاهاً رئيسياً لدى الحكومة،
ورغم ذلك كله، فإن تواتر التغييرات التنظيمية والانتقاد الصارخ للاستثمار الأجنبي، يتزامن مع تحول كبير في أولويات الصين فمنذ تسلمها زمام السلطة في عام 2003، قالت إدارة الرئيس هو غينتاو ورئيس وزرائه غيا باو بأنها ترغب في أن يكون النمو الصيني مستداماً، وأكثر تركيزاً على الساحة الداخلية، مدفوعاً بنزعة تصديرية.
ترجمة: وائل الخطيب
