الشقراء تحمل كمانها وتشد على الأوتار، الموصولة بسلك كهربائي ومكبرات صوت ضخمة، بانفعال وفرح. العيون مشدودة إليها، وإلى تلك الفتاة «الأكروبات» التي تطوع جسدها بطريقة مذهلة. الجمهور لا يجلس على مقاعد، والعرض ليس في إحدى الصالات المسرحية. ففي خارج المكان الذي يجتمع فيه الحشد، وتخترق فضاءاته الموسيقى، يبدو المشهد أكثر غباراً وضجيجاً. إنها منطقة «القوز الصناعية» في دبي، والتي تعج بالمصانع والورش.
لكنّ ذلك لا يمنع المسوقين من اعتبار تلك البيئة الصناعية، مكاناً قد يصلح لأن تنظم بين ورشه العروض التي يتم إطلاق أحدث المنتجات خلالها. لقد أصبحت صالات الفنادق مضجرة، لكثير من المسوقين، الذين لجأوا إلى تجارب «غريبة» وأكثر متميزة، فكان أن اتجهوا إلى.. الورش.
الطريق كان معبداً في الأساس. ففي السنوات الماضية الأخيرة، ظهرت في دبي «موضة» افتتاح صالات المعارض الفنية داخل منطقة «القوز الصناعية». ووجد أصحاب تلك الفكرة، ربما، أن ثمن الأرض في تلك المنطقة ارخص من مناطق أخرى، لاستئجارها أو شرائها.
أما التكلفة فهي أقل بكثير من تكلفة تجهيز صالة عرض في فندق أو مركز تسوق. وكل ما يقتضيه الأمر هو بناء حاوية من الألمنيوم، وتجهيزها بمكيفات الهواء وكشافات الإضاءة، كما استئجار نادلين يقدمون العصير الطازج، وسيكون أي فنان سعيداً بأن يذيل بطاقة الدعوة التي يرسلها إلى أصدقائه وجمهوره بعبارة: «مرحباً بكم في معرضي الفني في القوز».
موتورولا ومنتجات «بيكاسوية»!
لكن صالات عرض مثل «ميم غاليري» أو «ذا ثيرد لاين»، لم تعد هدفاً للفنانين فقط، بل لشركات التسويق التي وجدت أن تنظيم فعالياتها داخل المعارض الفنية، فكرة مثيرة تشد انتباه جمهور الصحافيين. وتقول ايلين واليس، مديرة في شركة «واليس» للتسويق، والتي نظمت فعالية لشركة «موتورولا» منذ أيام في صالة عرض «ذا ثيرد لاين» في منقطة القوز الصناعية، ان التجربة «مثيرة وهناك الكثير من الشركات التي بدأت تحذو حذونا».
وتفسر إقدام تلك الشركات على صالات العرض بالقول: «انه أمر مختلف عن الصالة الفندقية. هناك الأمور جاهزة وليس هناك درجة ليونة كافية تضمن تقديم أفكار غير معتادة، ابتكارية ومجنونة في تلك الصالات، بعكس حاويات المعارض. إن الأمر هنا أشبه بصندوق بوسعنا أن نشكله كما نشاء».
ولإطلاق سلسلة جديدة من الهواتف النقالة، تحت عنوان الموضة والأناقة، لجأت الشركة إلى صالة عرض فنية، «إذ أن الجمهور معتاد أن ذلك المكان له علاقة بالفن، ونحن نهتم بأن نضع علامة موتورولا في تلك البيئة ونربط القيم المتعلقة بالماركة بقيم الفن والأناقة والموضة».
وعرضت موتورولا تشكيلتها الجديدة التي تمتاز بأناقة التصميم، وسهولة الاستخدام، وسرعة الاتصال، أمام حشد من ممثلي الإعلام وعدد من الشخصيات البارزة في دبي، وعملاء من المنطقة الممتدة من شمال إفريقيا وحتى دول الخليج العربي. كما سلط المسؤولون في معرض ثيرد لاين، الضوء على الألوان، والموسيقى، والأشكال والمزايا التشغيلية التي تمتزج لتصوغ أفضل تشكيلة للهواتف النقالة الواجب اقتناؤها على مستوى العالم.
يقول رون شيفر، مدير المنتجات لدى قسم الأجهزة النقالة في موتورولا: «تشهد منطقة الشرق الأوسط في أيامنا هذه نهضة في الجوانب الفنية، والثقافية، والتعبير عن الذات، مما يمّكن الناس من التعبير عن ذواتهم من خلال لون وشكل هواتفهم النقالة، ويساعدهم على تحديد خطوط الموضة الخاصة بهم ».
ويتابع شيفر حديثه بالقول: «ترسي تشكيلة الهواتف المحمولة وملحقاتها التي تم إطلاقها اليوم، معايير جديدة للموضة والتصميم. وتلبي هذه المجوعة الأحدث من هواتف موتورولا الاحتياجات المختلفة لجميع مستخدمي أجهزة الهاتف النقال في الشرق الأوسط.
ونحن نتوقع طلباً كبيراً على هذه الأجهزة عبر المنطقة خلال شهر رمضان المبارك والأعياد».ولا تعتبر تجربة «موتورولا» الأولى من نوعها، من حيث محاولة الربط بين قيم العلامة التجارية، وقيم إبداعية وفنية، إلا إن تميزها ينبع من الأسبقية في اختيار صالة عرض فنية لتنظيم الفعالية.
الزفة والمزمار
وخلال الفترة الماضية، درجت العديد من الشركات، وتحديداً في مجال التكنولوجيا والسيارات، على إطلاق منتجاتها وسط أجواء فنية صاخبة.ففي معرض «جايتيكس»، الدورة الماضية، ارتجت الفتيات، على وقع الموسيقى، أمام العشرات الذين توافدوا على معرض التكنولوجيا ليشتروا الكمبيوترات وعبوات الحبر ومشغلات الموسيقى والكاميرات الرقمية المقاومة للاهتزاز، فإذا بهم يواجهون الاهتزاز في كل مكان.
وقدمت شركات الالكترونيات الآسيوية تحديداً، مثل «ال جي» و«سوني» و«سامسونغ»، وغيرها، في دورة المعرض الخامسة والعشرين أن تقدم صورة مختلفة لعلاماتها التجارية تكون أكثر مواءمة مع متطلبات المرحلة الحالية التي يصفها خبراء التسويق بمرحلة «المستهلك الراقص»، في إشارة إلى إقبال المستهلكين المتزايد على قيمة الترفيه المطلق في جميع المنتجات الحياتية من السيارة إلى الهاتف والتلفاز وجهاز الكمبيوتر وحتى البراد والغسالة.
هكذا، استأجرت تلك الشركات أجمل العارضات من وكالات عرض الأزياء المنتشرة في دبي وألبستهن قمصاناً، نقشت عليها الماركات، وانطلق بعضهن في أرجاء الصالات يوزعن «البروشورات» على الزوار، فيما وقف البعض الآخر على منصات غمرها الضوء الكثيف ليرتج ويهتز ويجلب التصفيق وفلاشات الكاميرات.
ولم يهدأ خصر «كيريو» طيلة الوقت وأبهر الجمهور بحركته المتواصلة لساعات على إيقاعات غربية صاخبة، حتى أن بعضهم كان يقول ممازحاً أن على حانات دبي أن تستأجره، فهو منافس شرس للراقصات. و«كيريو» ليس أكثر من «روبوت» ابتكرته شركة سوني وأنزلته لأول مرة إلى السوق عبر المعرض راقصاً محترفاً.
أما الكورية «ال جي» فقد استخدمت عارضات بتنانير بيضاء قصيرة وفتيان قدموا عروض «الأكروبات» على الخشبة. ووجدت شركات أخرى وسائل ترفيهية مختلفة، فنصبت إحداها مرمى كرة قدم وطلبت من الزوار أن يختبروا قدراتهم على تسديد الأهداف بدقة، ربطاً مع قدراتهم الشرائية وتوظيفها في شراء المنتج الأصلح والأكثر دقة.
ولم يقتصر الأمر على معرض «جايتيكس»، الذي جذب أكثر من ألفي شركة هذا العام، فشركات السيارات تطبق أيضاً موضة إطلاق المنتجات في أجواء راقصة. وقد سبق لشركة السيارات الكورية «كيا» أن أطلقت منتجها الجديد «ريو» في حفل سيطرت عليه أجواء «الزفّة الفلسطينية» التراثية وسط استغراب الحاضرين الذين لم يفهموا منطق ربط علامة تجارية جديدة في عالم السيارات بالمزمار والدبكة،
وإعجاب البعض الآخر بالإجراء التسويقي الذي يراد منه الترويج لعلامة «ريو» بوصفها ديناميكية وصلبة، تماماً مثل أجساد راقصي الدبكة. لا تكاد دبي تنتهي من مهرجان موسيقي حتى يبدأ آخر، فيما أمكنة الترفيه تزداد انتشاراً كل يوم، فهل يبدو غريباً أن تنتقل العدوى إلى الشركات... فترقص؟
دبي ـ خاص «البيان»


