عندما تعود بوادر الانتعاش إلى الأسواق المحلية لا يشغلنا سوى تفسير أسباب الانتعاش، والحديث عن مفردات بات القارئ على صلة وثيقة بها بسبب تكرار سردها اليومي في الإذاعات والفضائيات، أو بقراءة تفاصيلها في الصحف. فمن عودة السيولة المنشودة، إلى ارتفاع منسوب الثقة، ومن ثم البدءُ بتدعيم المراكز، وتفعيل عمليات الشراء الإستراتيجية بقيادة كبار المستثمرين والمؤسسات،
وهو ما يدفع الصغار بالتالي للتفاؤل أملاً في تعويض جزء من الخسائر، كل هذه التعليلات سواء كانت مجتمعة أو متفرقة تشغل حيزاً من المنطقية، ولكن، في المقابل، يُغيِّب «البعض» نقاط الضعف ومشاكل الأسواق التي كانوا يعتبرونها «مشاكل» إلى درجة تدفع بهم إلى نسيانها، ويستعيضون بذلك عنها بالترويج لما يحدث في الوقت الراهن وكأن مشكلتهم حُلَّت. عجباً!
وعلى سبيل المثال، وليس الحصر، فقد هُمّشت قضية شراء الشركات لأسهمها مع تصاعد أنغام الارتداد السعري منذ بداية الشهر الماضي، إلى درجة دفعتهم للترويج لهذا الارتفاع على أنه الحقيقة التي غابت طويلاً، وأن ظلمات الانخفاض ولّت من غير رجعة،
فكثفوا الحديث عن القاع، وتواترت نسب التوقعات التي خلت تماماً من التحذير والسعي للتذكير بضرورة ضبط النفس ـ إلا من رحم ربك ـ لتصبح فكرة شراء الشركات لأسهمها على كرسي الاحتياط، حتى عاد شبح التراجع ليخيم على الأسعار مجدداً، بل وانهمرت الاتهامات على كل الجبهات في خطوة تسعى إلى ملء الفراغ التحليلي.
وما إن استهلت الأسواق رحلة الهبوط مجدداً بغض النظر عن أسبابها سواء كانت مضاربات عنيفة أو محاولات مستثمرين متوسطي الأجل لجني أرباحهم، فإنها لم تكن سبباً مقنعاً لؤلئك الذين بحثوا في دفاترهم عن القديم المتجدد، لتعود قضية شراء الشركات لأسهمها إلى الساحة، وتشغل فكر الكبار على هيئة مطالبات بمعاقبة المتخلفين، وكأن الصحافة أصبحت بوقاً للتعبير عن المشاعر الغاضبة تجاه معلومات أو تصريحات لم يتم نقلها بدقة!
ما نصبوا إليه يتلخص في أداء الأسواق التي قطعت شوطاً قياسياً خلال فترة زمنية قصيرة جداً، وبالنظر إلى طبيعة حركة المؤشر منذ مطلع أغسطس الماضي، ومقارنة نسبة تراجعه في منتصف الشهر الحالي مع الشكل الفني للمؤشر منذ بداية العام، سنلاحظ أن نسبة التراجع المسجلة لا تكاد تذكر في ظل المكاسب التي مازال السوق يحافظ على اكبر قدر منها.
أما أمنيات المستثمرين بمواصلة السوق انتعاشه «العمودي»، فإن مفادها حقيقة واحدة، هي، أننا لم نتعلم شيئاً من دروس العام الماضي، أو تصحيحات العام الحالي، ولم نتمكن بعد من الحصول على رصيدٍ من الوعي المطلوب، فالعكس صحيح، إذ عاد من عاد لطرح الاستفسارات والتساؤلات حول قضايا أثارها بنفسه،
ودفنها بنفسه، وليثرها أيضاً بنفسه، بغض عن النظر عن الأسباب، أو الدوافع ولكن على ما يبدو أنهم كغيرهم لم يملكوا الجاهزية بعد للوقوف في وجه التيار، فقد ركبوا الموجة دون ربط حبال النجاة على الأقل لضمان طريق العودة، ودعم السوق في رحلة انخفاضه وإن كان دعماً نفسياً وهو أضعف الإيمان.
samir@albayan.ae