فرضت ظروف العدوان الإسرائيلي على لبنان تغييرات جمّة شملت معظم مقومات الحياة الإنسانية، ومن ضمنها برامج التلفزيون التي تحولت إلى خلايا نحل نشطة لمواكبة التطورات على أرض الواقع ومتابعة التفاصيل الدقيقة المحيطة بحياة الناس ويومياتهم.
«خليك بالبيت»، البرنامج الذي قدّمه الإعلامي زاهي وهبي و التحق أيضاً بالمهمات الإنسانية وخرج من عباءته مقدّما شكلاً ومضموناً جديدين عليه.
يقول وهبي في مستهل حديثه إلى «البيان»: «خليك بالبيت» كان جزءاً من المواجهة اللبنانية وليس انعكاساً للواقع، لأن حجم العدوان الإسرائيلي والمأساة الكبيرة التي حلّت بلبنان، من تدمير وقتل وتشريد لم تكن مسألة عابرة إنما طارئة وخطيرة لدرجة عدم استيعابنا وإدراكنا لها، ما أدى إلى فرض توجه لبث البرنامج مرتين في الأسبوع بدل يوم الثلاثاء فقط .
واستضافة مجموعة من الأشخاص لهم صلة مباشرة بما يجري على أرض الواقع، وهكذا كان لي لقاء مع المراسلين المنتشرين في المناطق المعرّضة للقصف، وتلا ذلك مجموعة من المثقفين والشعراء الذين عبّروا عن رأيهم ومقاومتهم بالكلمة والموقف».
وأكد زاهي أن تحويل البرنامج إلى رسالة اعلامية لم يكن مستجداً في هذه المرحلة، إنما استحال مراراً إلى منبر لاحتضان القضايا الوطنية مثل قضية الأسرى، والمناضلين العرب أمثال عزمي بشارة وفدوى البرغوثي وهدى عبد الناصر وسهى بشارة والسيد حسن نصر الله، وأذكر بأن «خليك بالبيت» استطاع كأول برنامج تلفزيوني تسليط الضوء على التجربة الانسانية للسيد نصر الله حين تحدث عن حياته الخاصة ونشأته وعائلته.
وبدت مسحات الحزن والأسى على وجه زاهي خلال عرض بعض التحقيقات الانسانية، فإلام يعود هذا الأمر؟، يقول: « موقفي الأخلاقي والإنساني كمثقف يفرض عليّ أن أكون جزءاً من حزن الناس ووجعهم وصمودهم متفاعلاً بعفوية وتلقائية غير مقصودة، إضافة إلى كوني إبن الجنوب وتحديداً قرية عيناتا التي تعرضت للتدمير الكلّي على وقع آلة الحرب الإسرائيلية وقدّمت 55 شهيداً معظهم أقرباء وأصدقاء لنا، وهذا ما كرّس لدي حزناَ شخصياً ووطنياً في آن».
ولاحظ وهبي ان العدوان الإسرائيلي طال أيضاً مقبرة البلدة، ما أكّد لديه أن إسرائيل تخشى الأموات وليس الأحياء فحسب، لأنهم برأيه شهود على جرائمها وإرهابها.
لكن هل ازدادت لديه مشاعر الكراهية تجاه العدو، يجيب بصراحة: «مشاعر الكراهية بلغت منذ زمن بعيد درجات الذروة لديّ، لأنني اختبرت هذا العدو منذ الطفولة بحكم انتمائي لقرية عيناتا الحدودية ومعايشتي للاجتياحات المتكررة التي ضربت الجنوب، فذاكرتي تختزن الكثير من صور الدمار والمجازر التي شاهدها العالم أخيراً بفضل الفضائيات، لذا اعتقد ان معرفتي بالعدو قديمة وهو يجددها دائماً من خلال تذكيري بأنه نازي وإرهابي».
تجربة الأسر التي تعرض لها وهبي جعلته أكثر تماساً مع قضية المعتقلين في السجون الإسرائيلية، حتى يبدو له امر استذكار هؤلاء ولو بكلمة ذا شأن عظيم في نفوسهم، لذا فهو يبرئ الأسرى من أي ذنب يطالهم رغم كل الدمار الكبير الذي تعرّض له لبنان، لأنهم يملكون الحق الطبيعي باسترداد الحرية والحياة.
ويعتز بصداقته للبعض منهم مثل عائلة «مروان البرغوثي»، وعميد الأسرى سمير القنطار الذي ربطته به علاقة مميزة من خلال تبادل الرسائل وأهله، ولا يذيع سراً أن برنامج «خليك بالبيت» قد وعد بالإطلالة الأولى لسمير القنطار، فيما لو فك أسره قريباً.
ترابط الأحداث التي مرت بلبنان خلال سنة ونصف السنة بدءاً من حادثة اغتيال رئيس مجلس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، ثم تعرض وهبي لصدمة حقيقية أخيراً بفقدان والدته وبعدها وقوع العدوان الاسرائيلي، نجد له أثراً عميقاً في نفسه، فيتوقف عند كل مرحلة بتأمل محاولاً التركيز على موت والدته، وربط يوم اكتشاف مرضها عام 1996 بيوم حدوث مجزرة قانا الأولى ثم وفاتها مصادفة في الثامن عشر من شهر ابريل عام 2006 وهو يوم ذكرى لهذه المجزرة.
ويتذكر : «إنها لمفارقة ان يحدث العدوان في 12 يونيو أي اليوم الذي أطلقت فيه جائزة باسمها، وكأن هذه السيدة الجنوبية المناضلة، وارتبطت وثيقاً بما يتعرض له بلدها وقريتها، لذا حزني الخاص على والدتي هو جزء من حزني العام على الأمهات اللواتي استشهدن خلال الحرب والشهداء والجرحى والأطفال».
لكن بين كل الأحزان والأتراح، يبدو الأمل أو العزاء لزاهي وهبي بارتباطه الزوجي من الاعلامية رابعة الزيات التي خففت وطأة وشدة الأوقات الصعبة، معتقداً أن لولا وجودها إلى جانبه لكانت المأساة أكبر بكثير».
هل يشعر زاهي بالتفاؤل؟ يجيب: «لا أستشعر بحلّ قريب للبنان وسلام حقيقي للمنطقة طالما هناك خلية سرطانية اسرائيلية زرعت في أرض فلسطين، لكن قدرنا ان نؤمن ببلادنا ووطننا».
لكن هل سيتابع البرنامج مسيرته في المواجهة، يجيب وهبي: «انتقلنا من مرحلة الحرب إلى ورشة الإعمار وتضميد الجراح، لذا سنحاول كما كل اللبنانيين استعادة حياتنا الطبيعية مع العودة إلى البرمجة العادية في الحلقات المقبلة».
بيروت ـ فاطمة داوود
