لا تقتصر انعكاسات ارتفاع أسعار البترول في السنتين الأخيرتين على زيادة في موارد دول التعاون فحسب، بل تمتد مظاهر هذا الارتفاع إلى إحداث تغيرات اقتصادية كبيرة تشهدها منطقة الخليج في القريب العاجل. وقد بدأ بعضها بالفعل يظهر في مجالات متعددة من بينها بل ومن أهمها القطاع المصرفي، وهو القطاع الذي يقود التنمية الاقتصادية إلى مزيد من التقدم الاقتصادي الذي يدفع تطوير المجالات الأخرى سياسية كانت أو عسكرية.

وقد أعدت مجلة «البنوك» التي تصدر عن مجموعة «فاينانشيال تايمز» البريطانية تقريرا شاملا عن التطورات الضخمة التي شهدها قطاع البنوك في منطقة الخليج، وأوردت بعض المؤشرات التي توضح أهمية هذه التطورات ومواقعها وآثارها المستقبلية على الاقتصاد الخليجي، حيث كانت البنوك المستفيد الاكبر من الزيادة في اسعار البترول، وخاصة بعد ان تم توجيه اغلب هذه الزيادة إلى المصروفات الرأسمالية وتمويل المشروعات التنموية وانتشار المراكز المالية الكبرى لاستقطاب الأموال المحلية والاستثمارات الاجبنية المباشرة.

ومن مظاهر هذه التطورات المصرفية الضخمة التي شهدتها المنطقة في الاونة الاخيرة:

ـ سجلت البنوك خلال عام 2005 أكبر أرقام في نموها وفي أرباحها حيث ارتفعت الأرباح المجمعة لأكبر خمسين مصرفا خليجيا في العام المذكور إلى 64% لتصل إلى 7,15 مليار دولار بالمقارنة مع العام السابق له والتي لم تتجاوز فيه 6,9 مليارات دولار. و قادت هذه الانجازات المؤسسات المالية الأجنبية إلى محاولة الحصول على حصص متزايدة من النشاط المالي في المنطقة ويتم ذلك في ضوء التركيز والإقبال المتزايد على الصعيد المحلي من قبل المستثمرين في القطاعين العام والخاص، وهو ما يدعم الاعتقاد بأن المنطقة تدخل اليوم عهداً جديداً من المنافسة والتطور المالي خاصة وان هذا النمو يؤهلها لتتبوأ أعلى مرتبة في العالم من حيث المناطق ذات الربحية الأعلى خاصة بعد ان تفوقت على نسبة النمو البالغة 6,18% وهو المتوسط الذي حققه اكبر مئة بنك في العالم.

ـ وفي مجال التطور المالي أيضا تم تأسيس مراكز مالية جديدة من أهمها مركز دبي المالي العالمي ومركز قطر المالي، وقامت هذه المراكز بالترويج على مستويات كبيرة من التكنولوجيا وأدت إلى استقطاب عدد من كبار المستثمرين العالميين، وشارك في ذلك مركز البحرين باعتباره من أكبر المراكز المالية التقليدية بالمنطقة، كما اهتمت السعودية والكويت بإنشاء مراكز مالية كبيرة تم تصميمها لخدمة الأوضاع المالية المحلية والاقليمية، تستخدم احدث انواع التكنولوجيا في عمليات التطوير المالي المستمرة واعتقد انه من المناسب ان يتم التنسيق بين المراكز المالية الخليجية عن طريق مجلس التعاون حتى لا ينشأ تنافس يضر ببعضها، خاصة وان المصلحة واحدة وأن السوق الخليجية المشتركة ستنشأ بعد سنوات قليلة كما ستنشأ وحدة نقدية مشتركة بين دول التعاون عام 2010 ان شاء الله.

ـ يلاحظ ان الصورة العامة للأوضاع المالية في منطقة الخليج تشهد حاليا تغيرات دراماتيكية في الوقت الذي تتغير فيه المراكز المالية لأغلب الدول الخليجية حيث يحاول المستثمرون المحليون زيادة استثماراتهم المحلية عن طريق البنوك المحلية بينما تحاول البنوك الأجنبية التغلغل في المنطقة بهدف سحب المزيد من الإيداعات المحلية واستثمارها في الخارج والاستفادة بنصيب كبير من الفوائض المالية، ووسط ذلك تتزايد البنوك الإسلامية وتتوسع في تقديم خدماتها المصرفية الإسلامية نتيجة اقبال المستثمرين المحليين على الخدمات والمنتجات المصرفية الإسلامية وهم الذين يرغبون في زيادة معاملاتهم مع البنوك الإسلامية خاصة بعد الهبوط والتردي الذي حدث لبعض البورصات الخليجية والعربية في الفترة الأخيرة وأدى إلى خسارة كبيرة وأضرار بالغة لكثير من المستثمرين فيها.

ـ الأرقام الصادرة عن القطاع المصرفي الخليجي عام 2006 أظهرت ان أكبر خمسين مصرفا خليجيا حققت عائدا مجمعا على رأس المال الأساسي بلغ 4,26% بالمقارنة بالعام السابق الذي كان 4,22% ومتقدمة على قائمة اكبر الف مصرف عالمي والتي كانت 7,22% كما ارتفع العائد على إجمالي الأصول للمصارف الخمسين إلى رقم قياسي بلغ 2,3% بزيادة كبيرة عن العام الماضي الذي كان 4,2% فقط، وأيضا ارتفع إجمالي رؤوس الأموال للخمسين مصرفا المذكورة بنسبة ضخمة بلغت 5,40% لتصل إلى 1,60 مليار دولار بينما كان 8,42 مليار دولار أميركي في العام السابق، غير ان رأس المال المجمع لهذه البنوك ما زال يعادل رأس مال مجموع بنك واحد فرنسي فقط هو بنك « كريدى اجريكول» وهو من أكبر البنوك الفرنسية.

1ـ ـ يذكر التقرير ان أصول البنوك الخليجية الخمسة الأولى (سعودية وإماراتية) شهدت في العام الماضي أيضا نموا كبيرا، خاصة وأن الارباح الضخمة تم تحقيقها ليس فقط من الرسوم على الأنشطة المالية، ولكن من زيادة في الأصول المحلية بلغت نسبتها 9,22 % لتصل إلى 6,490 مليار دولار أميركي، وان كان الكثير من الزيادة في عمليات الاقتراض كان مرتبطا بصورة واضحة بالاسواق المالية، الا ان الفروق الاستهلاكية في مختلف دول المنطقة تسير ايضا في وتيرة متسارعة كما ان النمو الاقتصادي يعتبر ضامنا لاستمرار الفرص الاقتصادية الكبرى وخاصة على صعيد تمويل المشروعات.

2 ـ تمكنت مصارف خليجية عديدة، خاصة في الإمارات وقطر من تحقيق أداء استثنائي والارتفاع إلى مستويات أعلى مما كانت عليه في العام الماضي، وعلى سبيل المثال تمكن بنك الخليج الأول في أبو ظبي من الوصول إلى المرتبة الثامنة بعد ان كان في الترتيب التاسع والعشرين في العام السابق وقد رفع رأسماله بأكثر من أربعة أضعاف ليصل إلى 09,2 مليار دولار أميركي، ورفع بنك الاتحاد الوطني في أبو ظبي أيضا رأسماله ثلاثة أضعاف ليصل بذلك إلى المرتبة الثالثة عشرة، كما رفع كل من بنك الشارقة الاسلامي وبنك أم القيوين الوطني وبنك قطر الدولي رأس مالها بأكثر من الضعف، وهو مؤشر واضح على زيادة الأنشطة المصرفية التي حققتها البنوك نتيجة زيادة المعاملات والخدمات التي تقدمها.

3ـ ـ ولقد أدت الحركة البترولية المتزايدة في دول الخليج إلى زيادة أنشطة البنوك الإسلامية في المنطقة، وعلى رأسها بنك الراجحي وبيت التمويل الكويتي وبنك دبي الإسلامي، حيث حققت هذه البنوك نتائج اكثر مما كان متوقعا، كما حققت تحسناً واضحا في ارباحها، خاصة وان العمليات الإسلامية المتطورة والخدمات المتفقة مع أحكام الشريعة الإسلامية قد تزايدت في السنوات الأخيرة وأصبحت هناك قناعة من المتعاملين بصحة هذه المعاملات الإسلامية، وقد أوردت بعض التقارير ان الصناعة المصرفية الإسلامية وصل حجمها إلى 300 مليار دولار وانها حققت في عام 2005 نموا بلغ 15% وان مجال الخدمات المصرفية الإسلامية يمثل فرصا للتوسع بالغة الاهمية بالنسبة للبنوك المتخصصة أو العامة التي تقدم الخدمات والمنتجات الإسلامية.

وهكذا نشاهد تغيرات مصرفية عديدة وصعودا كبيرا لعدد من البنوك الخليجية لأكثر من المستويات التي كانت عليها في العام السابق ولأكثر مما كانت تتوقع، خاصة بالنسبة للبنوك السعودية والاماراتية التي شكلت العشرة الأولى من قائمة الخمسين بنك الخليجية الكبرى المعروضة في مجلة «البنوك » التي تصدرها مجموعة «الفاينانشيال تايمز» البريطانية، وطالما تم الاستفادة من هذه التطورات المصرفية الضخمة فإنها سوف تؤدي إلى نقلة واسعة في الاقتصاد الخليجي والتخلص نهائيا من الاعتماد على المحصول الواحد، مع تدعيم التنمية الاقتصادية الهادفة إلى تحويل الاقتصاد الخليجي إلى اقتصاد أكثر تقدما لصالح كل شعوب المنطقة.

ونكرر أن هذه التطورات المصرفية الضخمة ما لم يستفاد منها في دعم الاقتصاد الخليجي وبناء قاعدة صناعية خليجية كبرى تكون منارا للصناعة في كل الدول العربية والنامية، فإنها لن تكون مؤثرة وستنتهي بلا فائدة ولا نتائج ايجابية مثلما انتهت التطورات المصرفية الضخمة التي نشأت عام 1973، بينما لم يتم الاستفادة منها في تغيرات اقتصادية كان يمكن ان تؤدي إلى أوضاع اقتصادية خليجية أكثر تقدما وتحسين أفضل لمستويات المعيشة في كل الدول الخليجية وفي دعم السياسات التعليمية والصحية والثقافية والإنتاجية.

ومن هنا فإنه يسرني ان اعرض اقتراحا عمليا على الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، وأتمنى أن يكون هذا الاقتراح محل اهتمامه وكل المؤتمنين على صالح الدول الخليجية. ويقوم الاقتراح على إنشاء غرفة عمليات استثمارية تضم مجموعة من الخبراء الخليجيين من المواقع الفنية المتخصصة مع تزويدها بكل وسائل التكنولوجيا الحديثة لغرض الحصول على المعلومات الفورية اللازمة في أي من المجالات الاقتصادية والإنتاجية والتجارة الخارجية. تقوم الغرفة بما يلي :

1 ـ تجميع لكل المشروعات الإنتاجية التي يمكن انشاؤها على أراضي الدول الخليجية مع مراعاة التكامل الاقتصادي بين هذه الدول ومدى احتياجات السكان الاستهلاكية في الوقت الحاضر والمستقبل.

2 ـ تجميع لأسماء وعناوين المستثمرين ورجال الأعمال والبنوك ومؤسسات التمويل الخليجية التي يمكنها المساهمة في انشاء وتمويل هذه المشروعات أو المشاركة فيها - تمهيد للاتصال بهم.

3 ـ توفير الوسائل اللازمة للقيام بعمليات الاتصالات المستمرة بين كل الأطراف المعنية وإجابة كل الاستفسارات المطلوبة في الحال مع تنظيم لقاءات بين هذه الأطراف وبمساعدة حكومات الدول الأعضاء.

مستشار وكاتب اقتصادي مصري