تتطلب التوترات السياسية بتداعياتها العسكرية وآثارها السلبية على حركة الاقتصاد العالمي عموماً وعلى الأسواق والأسعار النفطية خصوصاً حل الأزمات بالتفاوض والحوار، لا باستعمال القوة والنار حيث لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة والتأثير المتبادل بينهما.
والانخفاض الأخير في أسعار النفط في الأسواق العالمية الذي حدث في أعقاب التهدئة النسبية في أزمات الشرق سواء فيما يتعلق بلبنان أو ما يتعلق بالملف النووي في إيران يؤكد ترابط الاقتصاد بالسياسة. ويؤكد أن التوترات في أي منهما إنما تؤثر سلباً في الجانب الآخر.
وإذا كان هذا يصح بوجه عام في المجال الاقتصادي بجميع جوانبه، فإن حركة أسعار النفط صعوداً أو هبوطاً لها عناصر تأثير إضافية تتعلق بعناصر متعددة من بينها المضاربات.. وحجم الاستثمارات.. ومدى التوازن بين العرض والطلب، ومدى قدرة مصافي التكرير على تلبية الاحتياجات الفورية، ومدى درجة القلق من نقص الإمدادات، أتوقفها نتيجة الأزمات.
وقبل موجة الانخفاض الحالية في أسعار البترول التي نتجت في الغالب على انخفاض التوترات السياسية والعسكرية في الشرق، بعد الزيادة الطفرية نتيجة زيادة تلك التوترات والتي شهدت هبوطاً عن مستوياتها القياسية التي بلغتها فبلغ 16 دولاراً للبرميل الواحد في أسبوع واحد، حيث هبط سعر البرميل إلى 63 دولاراً في منتصف سبتمبر الماضي بعدما كان قد بلغ ما يزيد على 77 دولاراً للبرميل.
كانت السياسة النفطية الإماراتية تقوم على قواعد ثابتة تستهدف استقرار السوق النفطية وتحقيق التوازن بين مصالح المنتجين والمستهلكين، والوصول إلى أسعار عادلة وغير عالية بما لا يؤثر سلباً على الاقتصاد العالمي عن طريق تحقيق التوازن في الأسواق بين العرض والطلب.
وفي مواجهة موجة ارتفاع أسعار البترول في الأسواق العالمية بحث المنتجون والمستهلكون على هامش المنتدى العالمي للطاقة الذي عقد بالدوحة مؤخراً، الأوضاع الاستثنائية لأسواق النفط العالمية بعد أن كانت أسعار النفط قد وصلت إلى حاجز الـــ75 دولاراً للبرميل.
وكان لدولة الإمارات حضور فعال في هذا المنتدى وفى هذه المشاورات باعتبارها من الدول الرئيسية في إنتاج البترول، حيث وصل إنتاجها هذا العام إلى 7,2 مليون برميل يومياً وتسعى للوصول بحجم الإنتاج إلى 5 ,3 ملايين برميل في عام 2012.
وكان للإمارات رؤيتها في الموجة السابقة من الارتفاع تتمثل في ضرورة التوازن يبن العرض والطلب وكذلك ضرورة العمل على ضرورة حل الأزمات السياسية ووقف المضاربات في الأسواق، وزيادة الاستثمارات في مجال الإنتاج والتكرير واستمرار الحوار بين المنتجين والمستهلكين لصالح الاقتصاد العالمي. وإذا لم تكن المشكلة في الإنتاج، ولا في نقص المعروض في الأسواق..
إذن يبقى السؤال: لماذا حدثت هذه القفزة السابقة في الأسعار ولماذا يحدث الانخفاض الآن؟ ويرى معظم المراقبين في العالم أن زيادة التوترات السياسية وآثارها الأمنية في مناطق الإنتاج هي التي تشكل السبب الرئيسي وراء موجة الارتفاع، والعكس صحيح.
ومن أبرز تلك الأزمات قضية الملف النووي في إيران، وبالرغم من تأكيد إيران بأنها تستهدف برنامجاً سلمياً يؤمن الطاقة للتنمية، ودعت إلى المفاوضات لتأكيد الضمانات، ترددت تهديدات بخيارات عسكرية مما أثار مخاوف متزايدة وتسابق في الطلب على النفط خشية توقف أو خفض الإمدادات مما سبب زيادة في الأسعار.
وفي العراق مثلاً وهو بلد رئيسي في إنتاج النفط وتصل طاقته الإنتاجية إلى مليوني برميل يومياً، حيث تضطرب الأوضاع السياسية والأمنية نتيجة الاحتلال الأجنبي، وضعف تأمين الاستقرار وفرض الأمن مما جعل المنشآت النفطية وأنابيب النفط عرضة لتفجيرات متوالية تتسبب في وقف الإنتاج أو وقف التصدير مما ينتج عنه نقص في المعروض وزيادة في الأسعار، ومما ينتج عنه أيضاً إشاعة جو من القلق في الأسواق العالمية.
من هنا يبدو بوضوح أن ارتفاع الأسعار السابق والذي يتوقع عودته لمعاودة الارتفاع من جديد ينتج من عوامل لا صلة لها بسياسات المنتجين، وإنما لأسباب تتعلق بسياسات القوى الكبرى المستهلكة والمستوردة للنفط التي من شأنها إشعال الحروب والاضطراب وعدم الاستقرار في الشرق.
ومن جانب آخر هناك عوامل اقتصادية محددة تتمثل في زيادة الطلب، والطاقة الممكنة للإنتاج، والطاقة المحدودة للتكرير، ونقص المخزون الاستراتيجي الأميركي بسبب «إدمان النفط»، والمضاربات في الأسواق العالمية، والاضطرابات السياسية التي تكون الدول الكبرى هي المسؤولة عنها مثلما الحال بالنسبة لأميركا وبريطانيا في العراق البلد، وفي التلويح بالخيارات العسكرية المفتوحة ضد إيران.
وزيادة الطلب وإشاعة حالة من عدم الاستقرار الأمني في الشرق الأوسط وإفريقيا هو الأساس الاقتصادي والسياسي الأول لارتفاع الأسعار والعكس صحيح. وشدد منتدى الطاقة في الدوحة على أهمية فصل السياسة عن الاقتصاد، وحث على تجنيب أسواق الطاقة في العالم تأثيرات التوترات السياسية.
مستشار اعلامي