أخذت تداعيات التحول إلى اقتصاد السوق الحرة، في الظهور إلى العيان، في العاصمة البلغارية، فقد راحت اللوحات الإعلانية للمدارس الدولية، وعقارات البحر الأسود، والأسماء التجارية العالمية تغطي واجهات المباني المشيدة على الطراز الباريسي. أواخر القرن التاسع عشر، عندما نالت بلغاريا استقلالها عن الإمبراطورية العثمانية.

وقد يبدو هذا البلد البلقاني الصغير، الذي يبلغ تعداد سكانه 7 ,7 ملايين نسمة، للوهلة الأولى، غير مؤهل لخوض غمار المنافسة ضد الهند والباكستان، للاستحواذ على حصة أكبر من الخدمات التجارية العالمية العابرة للحدود الدولية، سعياً وراء توفير النفقات.

ولكن بفضل التحول الاقتصادي السائد في البلاد، بعيد زوال الحقبة الشيوعية والتطورات الأخيرة في الاقتصاد العالمي، أصبحت بلغاريا في حركة التعهيد التجارية العالمية الجديدة التي أطلق عليها «التعهيد القريب».

وفيما يقف تقليص النفقات، وراء قرار التعهيد، فإن انتشار ونضوج هذه الممارسة، أدى إلى ظهور عامل آخر مهم، ألا وهو الموقع. وفيما تتخصص الشركات، في المزيد من الخدمات، عبر البلاد المختلفة. فإن بلغاريا أصبحت أكثر جذباً، ليس بسبب انخفاض أجور عمالتها. ومستواها التعليمي العالي، وقوتها العاملة متعددة اللغات، وانما بسبب قربها الجغرافي، والثقافي من عملائها الغربيين.

وإلى ذلك، قال جون هيزلوود، كبير تنفيذيي ترافلستور ميكرودوف كوم، وكالة السفريات عبر الانترنت وصاحبه العمليات التطويرية في مراكز الاتصال والبرمجيات في البلاد، ان التدريب هو ذاته في كل مكان، غير أن الثقافة مهمة، شأنها شأن الاتصالات وتابع قائلاً: ان بلغاريا هي أقرب إلى الاقتصادية الغربية، فكرياً من الصين، والهند.

ومن ناحية أخرى، فإن ثمة صعوبة في الحصول على البيانات، مشيراً إلى ان الشركات تفرض تعتيماً قوياً على أسرارها التجارية، تخوفاً من المنافسة، ولكن استناداً إلى انفست بلغاريا إيجنسي، الحكومية، فإن 33 مركزاً للاتصال تم افتتاحه في بلغاريا منذ عام 2001.

ويعمل في القطاع حالياً نحو600,3شخص وهذا العدد مرشح للازدياد.

كما أن هناك أكثر من 7 الاف شخص يعملون في قطاع البرمجيات في بلغاريا وأن 31 ألف نسمة يعملون في تكنولوجيا المعلومات.

وفقاً لشركة الاستشارات التكنولوجية العالمية IDC، التي تتوقع زيادة مطردة في هذا العدد.

ومن جهته، صنّف at كيرني 2005 لخدمات المواقع العالمية، بلغاريا في المرتبة الخامسة عشر، على المستوى العالمي.

والثانية في أوروبا بعد جمهورية التشيك من الناحية الاستقطابية. ووجدت الدراسة أنه مع ارتفاع مستويات المعيشة والأجور والنفقات في بلدان التعهيد الأكثر عراقة، في أوروبا الوسطى، مثل بولندا، وهنغاريا، فإن الشركات بدأت في التطلع شرقاً.

وفي هذا السياق، قال سايمون بيل، مدير مجلس سياسة التجارة العالمية في at كيرني، ان الشركات كانت ترى في الهند، وأوروبا الشرقية، معيناً لا ينضب من الكوادر المؤهلة، التي هرعت للاغتراف منه. ولكنها بعد أن اصبحت أكثر تمرساً، أدركت انه لا يوجد حل الموقع الواحد لكل شيء.

فلأجل مجموعة معينة من المهارات البرمجية، تعتبر «بنجالور» هي المكان الأفضل، أما بالنسبة لمراكز الاتصال الناطقة بالألمانية، فإن براغ هي المكان الأفضل.

ولكن، مازالت الصين والهند، في رأس قائمة التعهيد، نظراً للحجم الهائل لقوتها العاملة، حتى تسمح لهما بالتفوق على غيرها من البلدان. غير أن «بل» قال، انه ورغم اهمية النفقات، فإن الشركات كانت تسند قراراتها على مدى توفر العمالة المؤهلة.

وتابع «بيل ان بلغاريا تعج بسيل جارف من الفرص، التي تستقطب الشركات، التي تبحث في المنطقة عن الدعم التكنولوجي. ومراكز الاتصال ومعالجة المعلومات وتصميم البرمجيات.

وفي موازاة ذلك، فإن احصائيات الاقتصاد الكلي في بلغاريا، تنمو بصلابة اكثر مما هي في الاتحاد الأوروبي، التي تخطط الحكومة للانضمام إليه في عام 2007، ولا ريب أن نقطة البداية كانت أقل من ذلك بكثير، فقد بلغ نمو الناتج الاجمالي المحلي لبلغاريا عام 2005 5 ,5 في المئة. مقارنة بـ 18 في المئة في الاتحاد الأوروبي، وتراوح عند معدل 5 في المئة سنوياً خلال السنوات الخمس الماضية. كما بلغ الاستثمار الاجنبي المباشر في بلغاريا عام 2005، 2 ,2 مليار دولار أو 8 ,9 في المئة من الناتج الاجمالي المحلي.

وهي نسبة أعلى من جمهورية التشيك. وهنغاريا ورومانيا وسلوفاكيا، لكن وبالرغم من زيادة الأجور بنسبة 10 في المئة سنويا، فإن الاجور الشهرية مازالت في سقف 225 دولارا في الشهر، فإن الأجور وأسعار العقارات في بلغاريا تظل الأكثر انخفاضاً في الاتحاد الأوروبي الموسع حديثاً.

وكان موقف بلغاريا تعزز بانتقال هيوبلت ـ باكارد، هذا العام لاستحداث مركز تسليم عالمي قوامه 1000 موظف، في صوفيا، لتوفير الخدمات التقنية والدعم البعيدة لعملائها في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا: وبدورها قالت ساشا بجانوفا، المدير العام لـ HP بلغاريا، بأن الاختبار وقع على البلاد، من بين 14 مركزاً في أوروبا الوسطى ؤالشرقية، بعد دراسة دامت عاماً.

واضافت، ان النسبة والتناسب بين مستوى المعرفة العمالية. والاسعار، هي تنافسية، مشيرة إلى أن بلغاريا ستظل احدى الوجهات الرئيسية لمشاريع التعهيدات الأوروبية خلال السنوات الخمس، أو العشر القادمة، أو هناك مشاريع أخرى في الطريق، ففي شهر يوليو.

أعلن نائب الرئيس الأول لمايكروسوفت، اريك رودر أن عملاقة البرمجيات ستفتتح مركز دعم خدمي وتقني في صوفيا، لخدمة عملائها في جنوب شرقي أوروبا، خلال السنة المقبلة.

ترجمة: وائل الخطيب