تضافر عامل النمو الاقتصادي المتواصل منذ خمس عشرة سنة مع سيادة الثقافة التجارية الاستثمارية ليمنحا أستراليا، واحداً من أكثر القطاعات المالية ابتكاراً ونجاحاً في العالم. فأستراليا، التي عُرفت يوماً، على النطاق العالمي، «بالاقتصاد العجوز»، المبني على السلع، بفعل مصادرها الغزيرة، بزت الآن وزنها في الخدمات المالية العالمية، وهذا كله، بالرغم من تعداد سكانها الصغير نسبياً، البالغ عشرين مليون نسمة، وبعدها عن أسواق اليورو ـ أطلنطية الرئيسية.

وفيما ينحرف مركز الجذب العالمي باتجاه آسيا في القرن الحادي والعشرين، فإن أستراليا وقطاعها المالي، يتخذان وضعية التأهب لاكتساب أهمية استراتيجية. وفي تقرير لها، رصدت صحيفة الفاننشيال تايمز، الاتجاهات الرئيسية، والمشاركين في القطاع المحلي، والتحديات التنظيمية، وغيرها من التحديات التي تواجهها.

وعلى صعيد الأعمال المصرفية للأفراد، فإن البنوك الأربعة الكبار، تُصنّف باستمرار، ضمن أفضل من يخلق قيم المستثمرين. ولقد أفادت البنوك التجارية من النمو المرتفع في قروض الإسكان ومحدودية المنافسة، بالرغم من السؤال الأكبر إلحاحاً هو المدى الذي ستبحث فيه البنوك الشخصية الكبيرة عن النمو الخارجي.

وساهم النجاح العالمي لبيوت الاستثمار مثل مكويري بانك، وبابكوك أندبراون، في وضع خبرة البلاد في إدارة التمويل الهيكلي والبنية التحتية على الخارطة، وتسعى أستراليا، جاهدة لاستقطاب الشركات العالمية والإقليمية، لوضع عمليات مكاتبها الخلفية في البلاد، بنجاح معقول.

وقد وضع صس بنك الاستثمار السويسري مركز دعم تقنية المعلومات الخاص به هناك، كما وسّع «فديلتي» مدير الصندوق الأميركي من تواجده في حقل المبيعات في سدني، هذا وان نجاح جذب عمليات المكاتب الخلفية إلى أستراليا، يعني نجاحها في التغلب على هونغ كونغ وسنغافورة، فيما يخص الموظفين العاملين في الخدمات التمويلية.

ومن جانب آخر، فإن قطاع التأمين يُعتبر من قبل المحللين، في أفضل حالاته، لخمس وعشرين سنة، مسترداً عافيته من الزلزلة التي أحدثها انهيار بةب في عام 2001. ولقد حققت مجموعات محلية أمثال رس وةءا نجاحات عالمية، وفيما يخص قطاع الصناديق التحوطية في أستراليا، فإنه يبسط ذراعيه على أكثر من 17 مليار دولار أميركي من الأصول، التي تفوق سائر بلدان آسيا مجتمعة.

ولقد ساهمت خمس عشرة سنة من النمو الاقتصادي في خلق جيوب واسعة من الثروات الشخصية التي عززت صناعة الصيرفة الخاصة. واستناداً إلى «إيكسيس» فإن البلاد تحتضن أفراداً على درجة عالية من الثراء ممن يمتلكون أصولاً استثمارية تتجاوز مليون دولار أسترالي أكثر من سنغافورة وهونغ كونغ مجتمعتين. وهناك سوق نامية لقطاع الصيرفة الخاصة التي توفر منتجات تخصصية للعملاء المميزين.

لكن وخلافاً للفرص، فإن أستراليا تواجه تحديات جمة، من شأنها تهديد موقعها المتماهي بين المراكز المالية الإقليمية والعالمية، وليس أقلها أنظمة الضريبة الشخصية الأدنى في هونغ كونغ وسنغافورة. وعلى الصعيد ذاته، قال غاري جونستون، المدير التنفيذي لإيكسيس أستريليا انه تبقى هناك حاجة إلى تقدير حجم سوق الخدمات المالية الأسترالية، وحقيقة كونها في حالة ضخ مستمرة من مدخرات التقاعد الإلزامي.

ومضى قائلاً: إن تباعدنا الجغرافي، ينظر إليه باعتباره عائقا، وأن هذا البعد يخلق نوعاً من التردد. وتابع: مع ذلك، فإن تجربتنا تظهر بأنه بمجرد وطء أحد قدميه في أستراليا، فإنه سرعان ما يوسع عملياته. في غضون ذلك، تنتظر البنوك الاستثمارية في أرجاء العالم كافة، حصيلة القضية المدوية لهيئة تنظيم الأوراق المالية ضد الذراع الأسترالية لسيتي غروب، شركة الخدمات المالية الأميركية.

وتعتبر أستراليا، موطناً لرابع أكبر سلة من المدخرات في العالم، بفضل نظام الادخار التقاعدي الإلزامي للعاملين، الذي يضخ بين أيدي مديري الصناديق 35 مليار دولار أسترالي سنوياً. ولقد ضخت البلاد مؤخراً تريليون دولار أسترالي من الأصول، كي يتكفل مديرو الصناديق بإدارتها، وتوقعت وكالة الاستثمار الداخلي أيكسيس أستراليا أن يرتفع الرقم إلى 5 ,2 تريليون بحلول 2015.

وتتطلع صناديق التقاعد إلى الاستثمار في الخارج، حيث كان ذلك محور الخطاب في المؤتمر السنوي لكبار المستثمرين الأستراليين الذي عقد في أواخر أغسطس، في كيرنز، والذي يجمع معاً صناعة صناديق التقاعد الأسترالية ونظراً لمحدودية العروض الاستثمارية التي توفرها سوق البورصة الأسترالية، لفت مديرو الصناديق في المؤتمر إلى اعتزامهم زيادة استثماراتهم في الاقتصادات الناشئة مثل الهند والصين.

ترجمة: وائل الخطيب